خاص pravdatv
أخر الأخبار

2231: هل يعود الملف النووي الإيراني إلى مربّع التجاذب الدولي؟

انتهاء العمل بقرار مجلس الأمن رقم 2231 يشكّل انتهاء العمل بقرار مجلس الأمن رقم 2231 لحظة فارقة في مسار الأزمة النووية الإيرانية، إذ يعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: هل يعود الملف النووي الإيراني إلى مربّع التجاذب الدولي؟ فمنذ التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، كان القرار 2231 الإطار القانوني والسياسي الذي منح الاتفاق شرعيته الدولية، وحدّد بدقّة القيود المفروضة على إيران مقابل رفع تدريجي للعقوبات. غير أن انتهاء المدة الزمنية المنصوص عليها في القرار في أكتوبر 2025 أعاد إحياء التناقضات الكامنة بين الأطراف، وفتح الباب أمام مرحلة من الغموض القانوني والسياسي قد تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

2231: هل يعود الملف النووي الإيراني إلى مربّع التجاذب الدولي؟

 

✍️كتب الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور حكيم غريب  –الجزائر

 

🟩 انتهاء العمل بقرار مجلس الأمن رقم 2231

يشكّل انتهاء العمل بقرار مجلس الأمن رقم 2231 لحظة فارقة في مسار الأزمة النووية الإيرانية، إذ يعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: هل يعود الملف النووي الإيراني إلى مربّع التجاذب الدولي؟ فمنذ التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، كان القرار 2231 الإطار القانوني والسياسي الذي منح الاتفاق شرعيته الدولية، وحدّد بدقّة القيود المفروضة على إيران مقابل رفع تدريجي للعقوبات. غير أن انتهاء المدة الزمنية المنصوص عليها في القرار في أكتوبر 2025 أعاد إحياء التناقضات الكامنة بين الأطراف، وفتح الباب أمام مرحلة من الغموض القانوني والسياسي قد تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

⚖️ من التفاوض إلى المقايضة الدولية

منذ أن أُغلِقت قاعات التفاوض في فيينا دون توقيع اتفاقٍ جديد، تحوّل الملف النووي الإيراني من مائدة تفاوضٍ مفتوحة إلى حلبة مقايضةٍ متعددة الأطراف. فالعواصم التي كانت يوماً شهوداً على الاتفاق باتت اليوم تتصارع لتحديد من يملك حق الوساطة، ومن يستطيع أن يقدّم “الصفقة الممكنة” في زمنٍ فقدت فيه الدبلوماسية الدولية بوصلتها. لقد انتهى زمن “اتفاق فيينا 2015″، وبدأت مرحلة “ما بعد فيينا” حيث لم يعد الهدف الوصول إلى تسويةٍ نهائية، بل إدارة أزمةٍ مزمنةٍ بتوازنٍ حذر بين الانفجار والجمود.

🌐 هندسة الوساطة الجديدة

في ضوء هذه التفاعلات، يمكن القول إنّ “ما بعد فيينا” لا يعني العودة إلى اتفاقٍ تقليدي، بل إلى هندسة جديدة للوساطة المتعددة، حيث تتوزع الأدوار بين قنوات الخليج وواشنطن وبكين، وتتحول الوساطة إلى نظام إدارة أزمات أكثر منها آلية لتسوية نهائية.

🪞 ملامح النظام الدولي القادم

لكن الثابت أنّ الملف النووي الإيراني أصبح المرآة التي تُظهر ملامح النظام الدولي القادم: نظامٌ لا يقوده اتفاقٌ شامل، بل توازنٌ هشّ من الصفقات المؤقتة والمصالح المتقاطعة، تُدار فيه الأزمات لا لتُحلّ، بل لتُعاد هندستها كلّ مرة حسب خرائط القوة المتغيّرة.

🤝 وساطة الشرق وتراجع الغرب

في الوقت الذي تتراجع فيه دبلوماسية الغرب إلى موقع الدفاع، وتغرق فيه بروكسل وواشنطن في حساباتٍ انتخابية وعقابية متضاربة، تتقدّم وساطة الشرق بخطى هادئة لكنها واثقة. تسعى إيران إلى استثمار هذا التحوّل بوصفه “تحرّراً سيادياً” من القيود التي اعتبرتها غير منصفة، مؤكدة أن برنامجها النووي أصبح شأنًا داخليًا يخضع حصريًا لمعاهدة حظر الانتشار النووي ولرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في المقابل، ترى القوى الغربية أن انقضاء القرار لا يلغي الالتزامات المترتبة على طهران، خاصة بعد تفعيل «آلية الزناد» التي أعادت سريان العقوبات الأممية السابقة. هذا التباين في التأويل يعبّر عن تناقض عميق بين منطقين متوازيين: منطق السيادة الوطنية الذي تتبناه طهران، ومنطق النظام الدولي القائم على قرارات مجلس الأمن الذي تتمسك به القوى الغربية.

ومع ذلك، يبدو أن الشرق – من فيينا إلى ما بعدها – هو من يمسك الآن بخيوط اللعبة: وساطةٌ لا ترفع الشعارات، لكنها تغيّر قواعد اللعبة من داخلها، لتعلن أن العالم الجديد قد بدأ بالفعل، لا من على طاولة الاتفاقات، بل من الهامش الذي صار مركزًا جديدًا للدبلوماسية .

 

 

⚠️ السياق الدولي والإقليمي

تزداد خطورة هذه المرحلة لأنها تأتي في سياق دولي مضطرب يتّسم بتآكل الثقة بين الفاعلين الدوليين وبصعود مقاربات القوة على حساب الدبلوماسية المتعددة الأطراف. فبينما تعتبر إيران أن المجتمع الدولي فشل في احترام التزاماته برفع العقوبات، تؤكد الدول الأوروبية والولايات المتحدة أن طهران تجاوزت الحدود المسموح بها في التخصيب والتطوير التقني. هذا التشابك بين الاتهام والدفاع يُنتج وضعًا رماديًا يصعب معه تحديد المرجعية القانونية السارية، مما يعيد الأزمة إلى منطق “الصفقات المؤقتة” بدل الحلول المستدامة.

🌍 التأثير الإقليمي

إقليميًا، يُتوقع أن يُضاعف انتهاء القيود النووية من حساسية البيئة الأمنية في الخليج والشرق الأوسط. فالدول المجاورة لإيران، وعلى رأسها إسرائيل ودول الخليج، ستنظر إلى التحول الجديد كمؤشر تهديد محتمل يستدعي تعزيز التحالفات الدفاعية وتكثيف الأنشطة الاستخباراتية والردعية. في المقابل، قد تستثمر طهران هذا الوضع لتقوية نفوذها الإقليمي وتوسيع حضورها الجيوسياسي عبر أدوات الطاقة والتعاون العسكري والتقني مع الصين وروسيا. بذلك، يتقاطع البُعد النووي مع صراع النفوذ الإقليمي ليعيد تشكيل توازنات القوى في المنطقة ضمن معادلة يصعب ضبطها.

📌 ما بعد 2231

في ضوء ذلك، يمكن القول إن ما بعد 2231 لا يعني نهاية الأزمة النووية بل بداية فصل جديد أكثر تعقيدًا، إذ انتقل الملف من إطار قانوني منضبط إلى ساحة صراع سياسي متعدد المستويات. عودة الملف إلى التجاذب الدولي ليست احتمالاً فحسب بل واقعًا يتشكّل ميدانيًا في كل يوم، حيث تختبر الأطراف حدود الردع وحدود الدبلوماسية في آنٍ واحد. ويبقى مستقبل هذا الملف رهينًا بقدرة القوى الكبرى على ابتكار آلية توازن جديدة تجمع بين الضمانات الأمنية والاعتراف بحقوق التنمية النووية السلمية، وإلا فإن العالم قد يواجه جولةً جديدة من سباق التخصيب والمساومات النووية في قلب الشرق الأوسط.

📝 الإطار القانوني والسياسي

مع انقضاء القرار الأممي رقم 2231 الذي شكّل الإطار القانوني لخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي لعام 2015)، تعود الأزمة النووية الإيرانية إلى الواجهة الدولية بوصفها نقطة اختبار جديدة للنظام الدولي في إدارة التهديدات المعقدة بين القانون والسياسة. فهل يعني انتهاء القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني تحررًا سياديًا مشروعًا أم بداية مرحلة جديدة من التصعيد والمساومة؟ وكيف سيتعامل المجتمع الدولي مع هذا الفراغ القانوني في ظل انقسام المواقف بين الغرب وروسيا والصين، وتنامي الشكوك حول مستقبل الردع النووي في الشرق الأوسط؟

⚖️ التناقض بين القانون والسياسة

تكمن الإشكالية في التناقض بين الشرعية القانونية المنتهية والواقعية السياسية المتجددة؛ إذ تواجه الأطراف الدولية تحديًا مزدوجًا يتمثل في منع الانتشار النووي دون تقويض مبدأ السيادة، وفي الوقت نفسه حفظ الاستقرار الإقليمي دون الانزلاق نحو سباق نووي مفتوح.

المحور الأول: الإطار القانوني والسياسي لانقضاء القرار 2231

 

 

القرار 2231: حجر الأساس للاتفاق النووي الإيراني

يُعدّ قرار مجلس الأمن رقم 2231 حجر الأساس الذي منح الاتفاق النووي الإيراني طابعه الدولي الملزِم، إذ جاء ليُترجم تفاهمات خطة العمل الشاملة المشتركة إلى التزامات محددة المدى الزمني والإجراءات، تمتد على عشر سنوات قابلة للمراجعة.

وقد نص القرار على رفع تدريجي للعقوبات مقابل التزام إيران بقيود تقنية صارمة في مجالات تخصيب اليورانيوم، والمخزون، وعدد أجهزة الطرد المركزي، إضافة إلى نظام رقابي متقدم تشرف عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

انتهاء مدة القرار والتداعيات القانونية

مع انتهاء مدة القرار في 18 أكتوبر 2025، وجدت المنظومة الدولية نفسها أمام فراغ قانوني نسبي، إذ لم يتم التوافق على آلية تمديد أو استبدال القرار، في حين لجأت الدول الأوروبية الثلاث إلى تفعيل «آلية الزناد» التي تُعيد العمل بالعقوبات السابقة.

وتعتبر إيران هذا الإجراء غير شرعي لأنه لم يصدر بقرار جديد من مجلس الأمن، وترى أن انتهاء المدة الزمنية يُسقط تلقائيًا جميع القيود المفروضة عليها، بما في ذلك تلك التي تتعلق بالتفتيش الخاص ونقل التكنولوجيا النووية.

أزمة التفسير القانوني والسياسي

هذا التباين في تفسير الإطار القانوني يُبرز أزمة أعمق في النظام الدولي المعاصر، وهي أزمة تسييس القرارات الأممية وتداخل القانوني بالسياسي في قضايا الأمن العالمي.

فبينما تتمسك طهران بمبدأ المساواة في الحقوق النووية وفق معاهدة عدم الانتشار، تُعيد القوى الغربية تأويل نصوص القرار وفق منطق الردع الاستباقي والرقابة المتقدمة.

وتؤدي هذه الازدواجية إلى إضعاف مصداقية آليات الأمم المتحدة وإعادة إنتاج أجواء الحرب الباردة بأساليب جديدة، حيث تتحول التفسيرات القانونية إلى أدوات نفوذ جيوسياسي أكثر منها ضمانات أمنية.

السياق السياسي الأوسع وانقضاء القرار

إن الإطار القانوني لانقضاء القرار 2231 لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع، إذ يعكس تصادماً بين رؤيتين للنظام الدولي: الأولى تعتبر أن الشرعية تنبع من توازنات القوى والمصالح، والثانية ترى أن الالتزام بالقانون الدولي هو الضامن الوحيد للاستقرار.

وبين هذين المنظورين، يتراجع الأمل في العودة إلى مفاوضات شاملة ما لم تُبتكر صيغة جديدة تُعيد الثقة بين الأطراف وتُحيي مفهوم الدبلوماسية المتعددة الأطراف الذي مثّله الاتفاق النووي في بداياته.

 

المحور الثاني: التداعيات الأمنية والاستراتيجية لانتهاء القيود النووية الإيرانية

 

 

 

🔹 انتهاء القيود النووية الإيرانية: لحظة حرجة في الأمن الإقليمي والدولي


📌 إعادة تشكيل أنماط الردع والتهديد

يمثّل انتهاء القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني لحظةً حرجة في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، إذ يعيد تشكيل أنماط الردع والتهديد في منطقةٍ تتسم أصلًا بحساسية توازناتها الأمنية. فمنذ توقيع الاتفاق عام 2015، مثّلت القيود التقنية والرقابية التي فُرضت على طهران عنصرَ استقرارٍ نسبيٍّ ضمن بيئة مضطربة، حيث اطمأنت القوى الغربية إلى أن البرنامج النووي سيظل تحت سقف الاستخدام السلمي، واعتبرت دول الخليج أن الاتفاق يشكّل صمّام أمانٍ ضد سباق التسلّح النووي. ومع زوال تلك القيود، تدخل المنطقة مرحلةً جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية، في ظل غياب إطارٍ قانوني يضبط التفاعلات.


📌 تراجع فعالية منظومة الردع التقليدي

إن أول تداعٍ أمني واضح يتمثّل في تراجع فعالية منظومة الردع التقليدي. فالدول الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل والسعودية، تنظر إلى انتهاء القيود كإشارةٍ على انفتاحٍ محتمل لمسار تخصيبٍ غير مقيد، ما يعزّز منطق “الضربة الوقائية” ويغذّي سباق التسلّح النوعي. هذا التحول لا يقتصر على المجال العسكري فحسب، بل يمتد إلى البعد النفسي في العلاقات الدولية، إذ تتحول “الشكوك النووية” إلى أداة ضغطٍ وردعٍ في حد ذاتها. وبذلك، تعود المنطقة إلى معادلة “الغموض النووي” التي كانت سائدة في العقود السابقة، حيث لا تُقاس القوة بامتلاك السلاح الفعلي، بل بامتلاك القدرة المحتملة عليه.


📌 التأثير الدولي: انقسام القوى الكبرى

أما على المستوى الدولي، فإن انتهاء القرار 2231 يعمّق الانقسام بين القوى الكبرى، خاصةً بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. ففي حين ترى واشنطن أن رفع القيود سيؤدي إلى تسريع البرنامج النووي الإيراني وربما توجيهه نحو أغراض عسكرية، تعتبر موسكو وبكين أن المسألة تتعلق بحقٍ سياديٍّ غير قابل للمساومة، وأن الضمان الحقيقي لمنع الانتشار النووي يكمن في تسوية سياسية شاملة تدمج إيران في النظام الاقتصادي الدولي بدل عزلها. وهكذا، يتحول الملف النووي إلى ساحة صراعٍ رمزي على شكل النظام الدولي المقبل: أحادي القطبية بقيادة الغرب أم متعدّد الأقطاب بإشرافٍ جماعيٍّ جديد.


📌 التحولات الإقليمية: توازن ردع جديد

إقليميًا، يبرز احتمال تشكّل توازن ردع جديد يقوم على القوة المتوازنة لا على الاتفاقات. فدول الخليج ستتجه نحو تعزيز قدراتها الدفاعية والاستخباراتية، وربما استئناف مشاريع نووية سلمية ذات طابعٍ مزدوجٍ لردع أي تفوقٍ إيراني. في المقابل، ستسعى إيران إلى استثمار الفراغ الدبلوماسي لتكريس نفوذها عبر “القوة الرمزية النووية”، أي استخدام التقدم التكنولوجي كوسيلةٍ لتحسين شروط التفاوض مع الغرب وتثبيت موقعها الإقليمي كقوةٍ لا يمكن تجاوزها. ومن شأن هذه الدينامية أن تدفع المنطقة نحو نظام ردعٍ هشٍّ قائمٍ على التصريحات والتهديدات المتبادلة أكثر من الضمانات القانونية والمؤسسية.


📌 البعد الاقتصادي: الطاقة كورقة ضغط

كما أن للبعد الاقتصادي دورًا استراتيجيًا خفيًا في هذه المعادلة، إذ يمكن أن يتحول الملف النووي إلى ورقة ضغطٍ في أسواق الطاقة العالمية. فكل خطوة تصعيدية من جانب طهران أو خصومها قد تُترجم اضطراباتٍ في أسعار النفط، مما يمنح إيران هامشَ تأثيرٍ في السوق العالمية يعوّض جزئيًا عن العقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذا الاستخدام المزدوج للطاقة كسلاحٍ سياسي يحمل مخاطر ارتداد عالية، لأن فقدان الثقة في استقرار الإمدادات قد يدفع القوى الكبرى إلى تبنّي سياسات احتواء أكثر حدة، وربما تشكيل تحالفات أمنية – اقتصادية جديدة في الخليج العربي والبحر الأحمر.


📌 مرحلة “اللايقين النووي”

على المستوى الاستشرافي، يمكن القول إن انتهاء القيود النووية لا يعني بالضرورة اندلاع أزمة فورية، بل دخول العالم مرحلة “اللايقين النووي”، حيث تتراجع أدوات الرقابة الرسمية وتتصاعد أهمية المعلومات الاستخباراتية والتقديرات التقنية. ومن المرجح أن تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى بلورة إطارٍ تفاوضيٍّ جديد بحلول عام 2026، قد يتخذ شكل اتفاقٍ مرحليٍّ أو “تفاهم أمني متبادل” يُعيد ضبط مستويات التخصيب مقابل رفعٍ جزئي للعقوبات. غير أن نجاح هذا السيناريو مرهون بقدرة الأطراف على تجاوز منطق العقوبات والضغوط إلى منطق المساومات البنّاءة، وهو ما يتطلب عودة الثقة التي تقوّضت منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018.


📌 ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل الأزمة

  • 📍الأول: إعادة التفاوض على اتفاقٍ جديد تحت مظلة دولية موسّعة تشمل أطرافًا إقليمية لضمان الأمن الجماعي.
  • 📍الثاني: استمرار الغموض النووي كأداة توازنٍ وردعٍ هشٍّ، بما يحافظ على الوضع الراهن دون انفجارٍ مباشر.
  • 📍الثالث: التصعيد المتدرج الذي قد يبدأ بسلسلة من الضغوط الاقتصادية والعسكرية المحدودة، لكنه يحمل خطر الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحة في حال فشل الوساطات.

 إدارة “زمن ما بعد الاتفاق”

وهكذا، يتضح أن التداعيات الأمنية والاستراتيجية لانتهاء القيود النووية الإيرانية لا تُقاس فقط بقدرة طهران على تخصيب اليورانيوم أو حجم العقوبات المفروضة عليها، بل تُقاس أيضًا بمدى قدرة المجتمع الدولي على إدارة “زمن ما بعد الاتفاق” بعقلانية توازن بين السيادة والمساءلة، وبين الردع والدبلوماسية. فإذا أخفق هذا التوازن، فإن العالم قد يشهد عودةً صريحة إلى مرحلة التجاذب الدولي الحاد، ولكن في نسخةٍ أكثر تعقيدًا، حيث تمتزج فيها التكنولوجيا النووية بالجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي في مشهدٍ واحدٍ يعيد تعريف الأمن الدولي برمّته.

 

المحور الثالث: بين تل أبيب وطهران: هل يقترب شبح الضربة الوقائية أم تتقدّم قواعد الاشتباك؟

 


يتحرّك المشهد بين تل أبيب وطهران على حافةٍ دقيقة تجمع بين ردعٍ متبادل يتغذّى من الغموض، ورغبةٍ متبادلة في ضبط الإيقاع بحيث لا ينفلت نحو مواجهةٍ شاملة. ففكرة “الضربة الوقائية” التي تُلوّح بها النخب الأمنية الإسرائيلية ترتبط تاريخيًا بعقيدة تحييد الخطر قبل أن يستكمل شروطه، غير أنّ شروط البيئة الراهنة باتت أكثر تعقيدًا: قدرات إيرانية موزّعة بين الداخل والامتدادات الإقليمية، منظومات دفاع جوي متنامية، أدوات ردّ غير متماثلة تمتد من البحر إلى الفضاء السيبراني، وأثمانٌ سياسية واقتصادية لأي تصعيد واسع قد لا تحتملها الأطراف في لحظة إعادة تشكّل الاصطفافات الدولية. في المقابل، تنظر طهران إلى التهديدات الإسرائيلية كجزءٍ من معادلة ردعٍ مركّبة تُدار عبر طبقاتٍ متعددة: رفع كلفة الضربة على المهاجم، توسيع ساحات الاشتباك عبر الأذرع الحليفة، وإبقاء هامش مناورة يسمح بترميم الصورة الدبلوماسية حين تستدعي الحاجة .

تاريخيًا، استندت فكرة الضربة الوقائية إلى توافر ثلاثة شروط مجتمعة: وجود تهديدٍ داهم ومحدّد زمنياً، ثغرة عملياتية تتيح إنجاح الضربة وتقليص كلفتها، وغطاء سياسي يضمن استدامة آثارها ومنع الارتدادات. في الحالة الإيرانية، يتبدّى أن الشرط الأول يخضع لتقديراتٍ استخباراتية متحرّكة، وأن الشرطين الثاني والثالث يزدادان صعوبة مع تعقّد المشهد الإقليمي وتوزّع القدرات الإيرانية وتنامي حساسية الشركاء الغربيين لأي حربٍ مفتوحة في ساحة طاقةٍ عالمية متقلبة. لذا تميل الحسابات الواقعية إلى تفضيل “قواعد اشتباكٍ مرنة” على ضربةٍ جراحية واسعة، بحيث تُدار الرسائل العسكرية ضمن عتبةٍ لا تستدعي اندفاعاً شاملاً نحو الحرب، وتُترجَم في معظم الأحيان بصيغٍ غير معلنة أو عبر ساحاتٍ وسيطة لا تُحرج العواصم الكبرى .

في هذا الإطار، تشكّل “قواعد الاشتباك” أداة ضبطٍ نفسية وقانونية معاً، إذ تحدّد سقف الردود وتوقيتها ومسرحها المفضل. فالتصعيد السيبراني يمثّل خياراً جذّاباً لخفض كلفة المخاطرة وإرسال إشارة قدرة من دون عبور الخطوط الحمراء التقليدية، وهو ما يقابله الطرف الآخر بدرجاتٍ متفاوتة من الإقرار والإنكار. وينسحب المنطق ذاته على الاشتباك البحري منخفض الحدة في الممرات الحساسة، وعلى ضرباتٍ موضعية تُصاغ بعناية في أطراف الجغرافيا الإقليمية، بحيث تحفظ كل عاصمةٍ صورتها الردعية لدى جمهورها الداخلي وحلفائها، من دون أن تجرّ المنطقة إلى مواجهةٍ لا يرغب فيها أحد. بعبارةٍ أخرى، تتقدّم “هندسة العتبات” على “حسمٍ عسكريٍّ مباشر”، وتتحول المقاربة إلى إدارة زمنٍ سياسي طويل بدلاً من رهانٍ على حسمٍ سريع .

مع ذلك، لا تُلغِي قواعد الاشتباك احتمال الانزلاق غير المقصود. فالاشتباك متعدد الساحات يضاعف مخاطر سوء التقدير: صاروخٌ يخطئ هدفه، أو إشارةٌ استخباراتية تُقرأ على نحوٍ عدائي، أو ردٌّ ميداني يبالغ في حجم القوة المستخدمة. وفي مثل هذه البيئات، تتكفّل السياسة الداخلية في تل أبيب وطهران بزيادة قابلية الاشتعال، إذ يحتاج صانع القرار أحياناً إلى ردٍّ “مرئي” لحفظ هيبة الردع، فيما يحتاج الآخر إلى ردٍّ “مدروس” يحفظ إنجازات التراكم الاستراتيجي. هنا تبرز أهمية قنوات الاتصال غير المباشرة ومسارات الوساطة القادرة على تفريغ الشحنات الزائدة، وتثبيت تفاهماتٍ صامتة حول محظوراتٍ مشتركة كالمساس المباشر بالبنية النووية داخل العمق أو استهدافٍ واسع لبنى الاقتصاد والطاقة .

استشرافياً، يُرجَّح أن تستمر معادلة “الضربة المؤجلة” ما دامت طهران قادرة على إبراز كلفةٍ متصاعدة لأي استهدافٍ مباشر، وما دامت تل أبيب قادرة على تشغيل طيفٍ واسع من أدوات الضغط تحت مستوى الحرب. سينعكس ذلك في تزايد الاعتماد على أدواتٍ هجينة تمزج بين الحرب السيبرانية، والعمليات الدقيقة محدودة التوقيع، والضغط الاقتصادي والمالي، مع توسيع دوائر الشراكات الأمنية والتحالفات الظرفية. وفي المقابل، ستسعى إيران إلى تثبيت توازن ردعٍ إقليمي يقوم على القدرة على “تطويل الحرب” إن فُرضت، وعلى إبقاء مفاجآتٍ تكنولوجية وتكتيكية تقلِّص فاعلية الضربة الأولى. وبين هذين الاتجاهين، يتوقف تغير المنحنى على حدثٍ نوعيٍّ يبدّل قواعد اللعبة: طفرةٌ تقنية تُحدث اختلالاً كبيراً في ميزان القدرة، انكشافٌ استخباراتي يفضح موقع الضعف، أو تبدّلٌ سياسي يعيد الاعتبار لمسار تفاوضي شامل يخفّض منسوب المخاطرة .

أن شبح الضربة الوقائية حاضرٌ كأداة ضغطٍ نفسية واستراتيجية أكثر من كونه خياراً عملياتياً راجحاً في لحظة التوازنات الحرجة هذه. وما يتقدّم فعلياً هو قواعد اشتباكٍ مطاطية تُدار بالمسطرة لا بالمطرقة، حيث تقاس القوة بقدرة كل طرفٍ على إدارة العتبات وتوقيت الإشارات، لا بعدد الأهداف المصابة. وإذا كان هذا النهج يوفّر استقراراً نسبياً على المدى القصير، فإنه يرسّخ في الآن نفسه “سلاماً متوتراً” قابلًا للانفجار بفعل خطأ حسابي واحد، ما لم تُعاد هندسة المسار عبر ترتيباتٍ أمنية ودبلوماسية تُنظّم خطوط التماس وتعيد بناء طبقة الثقة الدنيا الضرورية لردع الحرب قبل أن تندلع .


المحور الرابع: عواصم القرار في اختبار الضغط والاحتواء

 


تجد عواصم القرار الكبرى نفسها اليوم أمام لحظة حاسمة في إعادة تعريف أدوات النفوذ والتأثير بعد انتهاء القيود النووية الإيرانية. فالمرحلة الراهنة لا تختبر فقط موازين القوى، بل تُعيد رسم خرائط الردع في بيئةٍ تتشابك فيها الحسابات النووية مع الحسابات الاقتصادية والأمنية والإيديولوجية. وبين منطق الضغط ومنطق الاحتواء، تتوزع خيارات واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين في مشهد دولي يزداد تعقيدًا .

أولًا: واشنطن – بين استعادة الردع ومنع الانفجار

تتعامل الإدارة الأمريكية مع التطور الإيراني كاختبارٍ مزدوج: الحفاظ على صدقية الردع الأمريكي في الشرق الأوسط، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهةٍ مفتوحة تُهدّد المصالح الحيوية لواشنطن وشركائها. لذلك تتحرك ضمن سياسة “الاحتواء المتعدد المستويات” التي تجمع بين العقوبات الاقتصادية الصارمة، وتعزيز الردع البحري في الخليج، وتكثيف التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل ودول الخليج. ومع ذلك، تدرك واشنطن أن العودة إلى سياسة “الضغط الأقصى” دون أفقٍ تفاوضي ستكون بمثابة اعترافٍ ضمني بفشل الدبلوماسية النووية، ما يدفعها إلى إدارة الأزمة لا حلّها، في إطارٍ يُبقي هامش المناورة مفتوحًا أمام أيّ صفقة مستقبلية محتملة .


 

 


ثانيًا: بروكسل دبلوماسية القلق والحسابات المزدوجة.

أما الاتحاد الأوروبي، فيبدو أكثر الأطراف قلقًا من انهيار الإطار التوافقي الذي صاغه اتفاق 2015، لأن هذا الانهيار يُضعف مصداقية الدبلوماسية المتعددة الأطراف التي يتبناها الاتحاد كأساسٍ لهويته السياسية. تسعى بروكسل إلى إعادة تحريك القنوات الدبلوماسية من خلال فرنسا وألمانيا، لكنها تصطدم بانقسامٍ داخلي بين من يفضّل سياسة الحوار (باريس وبرلين) ومن يطالب بموقفٍ أكثر صرامة (وارسو ولاتفيا). وهكذا يجد الاتحاد نفسه في موقع المتفرّج ، يحاول الحفاظ على الاتفاق كرمزٍ لنفوذه الدبلوماسي، لكنه عاجز عن فرض أيّ إرادة حقيقية في غياب الغطاء الأمريكي الفعّال .

ثالثًا: موسكو – من الشراكة النووية إلى ورقة التوازن.

تتعامل موسكو مع نهاية القيود النووية الإيرانية باعتبارها ورقة استراتيجية لتعزيز نفوذها الإقليمي في مواجهة الغرب. فإيران تمثل بالنسبة لروسيا حليفًا وظيفيًا في كسر العزلة المفروضة عليها بعد حرب أوكرانيا، وشريكًا استراتيجيًا في ملفات الطاقة والردع غير المتكافئ. لذا، لن تدعم موسكو أي تحرك غربي جديد ضد طهران في مجلس الأمن، بل قد تستخدم الملف كورقة مساومة مع واشنطن في ملفات أخرى كأوكرانيا وسوريا. وفي المقابل، تحرص على عدم السماح لإيران بتجاوزٍ نووي كامل قد يؤدي إلى سباق تسلحٍ إقليمي يهدد التوازن الذي تستفيد منه في صفقاتها مع إسرائيل ودول الخليج .


 

 

تدرك موسكو أن عودة إيران إلى التحرّر من قيود الاتفاق النووي ليست مجرد تطوّر تقني في برنامج تخصيب اليورانيوم، بل تحوّل استراتيجي يمكن تحويله إلى ورقة توازنٍ جيوسياسي في مواجهة الغرب. فإيران بالنسبة للكرملين لم تعد مجرد شريك إقليمي، بل ركيزة في هندسة “الجبهة الأوراسية” التي تسعى موسكو لتثبيتها منذ حرب أوكرانيا، من خلال شبكة تحالفات متشابكة تمتد من بحر قزوين إلى المتوسط .

 

 


في هذا السياق، تنظر روسيا إلى طهران باعتبارها حليفًا يشاركها هدف كسر الهيمنة الغربية على النظام الدولي. فالبلدان يجمعهما رفض العقوبات الأمريكية، وتطابق في الرؤية حيال “ازدواجية المعايير” الغربية في ملفات الأمن الإقليمي. لذلك، تستثمر موسكو في دعم القدرات الإيرانية العسكرية والتكنولوجية، لا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، بما يوفّر لإيران قدرة ردعٍ متقدمة دون أن تتجاوز العتبة النووية الحقيقية. بهذه المعادلة الذكية، تُبقي موسكو الملف النووي الإيراني ورقة ضغطٍ متوازنة: قابلة للتصعيد حين تحتاج للمساومة، وقابلة للتهدئة حين تحتاج إلى فتح قنواتٍ مع الغرب .

من منظورٍ استراتيجي، تمثّل إيران لموسكو درعًا خلفيًا في مواجهة الطوق الأطلسي. فوجود دولةٍ معادية للولايات المتحدة على الضفة الجنوبية لآسيا يمنح روسيا عمقًا جغرافيًا في معركتها الطويلة مع واشنطن وبروكسل. كما أن تعزيز الشراكة في الطاقة والنقل (مشاريع الممر الشمالي–الجنوبي وميناء جابهار) يتيح لروسيا ممراتٍ بديلة عن الممرات الأوروبية الخاضعة للعقوبات. هذا التحالف البراغماتي يجعل الكرملين يوازن بين الدفاع عن حقّ إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وبين الحذر من تجاوزها نحو سلاحٍ نووي قد يُشعل سباق تسلّحٍ إقليمي لا تستطيع موسكو التحكم في مساره .

ومن زاويةٍ تكتيكية، تدرك موسكو أنّ تسليح إيران نوويًا لن يخدم مصالحها في المدى البعيد، لأن ذلك سيؤدي إلى دفع دولٍ أخرى كالسعودية وتركيا وربما مصر نحو البحث عن مظلات ردعٍ موازية، وهو ما يُفقد روسيا تفوّقها النسبي في سوق السلاح والطاقة. لذلك، يُرجّح أن تبقى سياستها “ضبطًا مرنًا” لا يتجاوز حدود التخصيب العالي، مع تقديم دعمٍ سياسي وتقني محدود يحفظ النفوذ دون فتح باب سباقٍ نووي شامل .

كما تستغل موسكو الملف الإيراني كورقةٍ في مساومة الغرب حول أوكرانيا وسوريا، إذ يمكنها تسهيل أو عرقلة مسار التفاوض النووي مقابل تنازلاتٍ في العقوبات أو في الترتيبات الأمنية الأوروبية. هذه القدرة على الربط المتقاطع بين الملفات تُعدّ أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الروسية، فهي لا تتعامل مع الأزمات بمعزلٍ عن بعضها، بل تجعل من كلّ ملفٍ نقطة ضغطٍ لتقوية موقعها في ملفٍ آخر .

وفي المحصلة، تتحرك موسكو في مساحةٍ دقيقة بين الشراكة و الدعم التقني والضبط الاستراتيجي. فهي تدرك أن بقاء إيران داخل دائرة “القوة النووية الكامنة” يخدمها أكثر من خروجها منها بسلاحٍ فعلي. بهذا المعنى، تتحول العلاقة بين الطرفين إلى تحالفٍ مصلحي غير متكافئ: طهران تحتاج إلى مظلة موسكو لتفادي العقوبات، وموسكو تحتاج إلى طهران لإرباك واشنطن. أما النتيجة فهي تثبيت توازنٍ هشّ في الشرق الأوسط، تُمسك فيه روسيا بخيوط اللعبة دون أن تُظهر يدها كاملة .


 

رابعًا: بكين – براجماتية الحذر وموازنة المكاسب.

 

 

 

 

 

تنظر الصين إلى الأزمة النووية الإيرانية من زاويةٍ اقتصادية واستراتيجية بحتة. فهي المستفيد الأول من أي تراجعٍ غربي في المنطقة، لكنها تخشى في الوقت نفسه انفلات الوضع بما يهدد استقرار إمدادات الطاقة التي تمر عبر الخليج. لذلك، تعتمد بكين سياسة “التهدئة الاستثمارية”، فتعزّز تعاونها مع طهران في مجالات الطاقة والبنى التحتية ضمن اتفاق الشراكة الاستراتيجية الممتد لخمسةٍ وعشرين عامًا، مع الحفاظ على توازنٍ دقيق مع واشنطن والرياض وتل أبيب. إنّ فلسفة الصين تقوم على تحويل التوتر إلى فرصة اقتصادية، لا إلى أزمة جيوسياسية، وهو ما يجعلها لاعبًا هادئًا لكنه مؤثر في معادلة ما بعد الاتفاق .

هكذا تبدو عواصم القرار الكبرى وكأنها تسير فوق حقل ألغامٍ دبلوماسي، تُوازن فيه بين الخطر النووي والمصلحة الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تحاول تجنّب حربٍ لا تريدها، وأوروبا تبحث عن اتفاقٍ لم تعد تملكه، وروسيا تستثمر في الفوضى لتعزيز نفوذها، بينما الصين تبني قوتها بهدوء من بين الركام. إنها مرحلة “الردع بالانتظار” التي يتقاطع فيها الزمن الدبلوماسي مع الزمن النووي، في اختبارٍ حاسم لمستقبل النظام الدولي .

 

 

🔹 السيناريوهات المحتملة للعامين القادمين: بين الردع النووي وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي.

تتجه المؤشرات خلال العامين القادمين نحو مرحلةٍ دقيقة من “الردع المعلّق”، حيث ستختبر العواصم الأربع – واشنطن، بروكسل، موسكو، وبكين – حدود قدرتها على منع الانفجار دون امتلاك مفاتيح التسوية النهائية.

🔹 ففي السيناريو الأمريكي، ستواصل واشنطن سياسة “الضغط الذكي” القائمة على العقوبات الانتقائية والردع البحري الموجّه، مع محاولة إعادة إحياء المفاوضات عبر وسطاء إقليميين كسلطنة عمان وقطر، شرط أن تلتزم طهران بسقفٍ نووي رمزي لا يثير الذعر الإسرائيلي. غير أن أيّ تصعيدٍ ميداني في الخليج أو العراق قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى العودة المؤقتة لسياسة “الردع بالقوة”، عبر ضرباتٍ محدودة لتثبيت الخطوط الحمراء دون الانزلاق إلى حربٍ شاملة.

🔹 أما السيناريو الأوروبي، فسيبقى محكومًا بتوازن هش بين الرغبة في الحفاظ على الاتفاق كرمزٍ دبلوماسي، والاعتماد المفرط على الموقف الأمريكي. ومن المرجّح أن تتبنى بروكسل خلال العامين المقبلين دبلوماسية “الاحتواء الناعم”، عبر تعزيز الحوار الاقتصادي مع طهران وتشجيع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على لعب دورٍ فني أكثر منه سياسي، في محاولةٍ لإبقاء الملف تحت مظلة الرقابة الدولية.

🔹 في المقابل، السيناريو الروسي يُرجّح أن يتحوّل الملف النووي الإيراني إلى أداة مساومةٍ مباشرة في لعبة النفوذ بين موسكو وواشنطن. فكلما اشتدت الضغوط على روسيا في جبهة أوكرانيا، ازدادت رغبتها في توظيف الورقة الإيرانية لإرباك الغرب ورفع كلفة أيّ تسوية ضاغطة عليها. ومن ثمّ، قد تعمد موسكو إلى توفير غطاءٍ سياسي وتقني أوسع لطهران، دون الوصول إلى مرحلة كسر التوازن الإقليمي.

🔹 أما السيناريو الصيني، فيرتكز على “الاستقرار المصلحي” الذي يجعل من استمرار التوتر النووي فرصةً لتعزيز النفوذ الاقتصادي لبكين في الشرق الأوسط. ستواصل الصين الاستثمار في البنية التحتية الإيرانية وربطها بممرات “الحزام والطريق”، مع لعب دورٍ دبلوماسي هادئ لتفادي الانفجار الإقليمي، بما يضمن استمرار تدفق الطاقة واستقرار الأسواق.

 

 

🔹 الولايات المتحدة وإسرائيل وقلوب عواصم القرار تغلي على نارٍ هادئة؛ إعلان طهران أنها لم تعد ملزمة بقيود الاتفاق النووي وضع المنطقة على شفير مرحلةٍ جديدة من عدم اليقين، لكنه ليس إعلانًا فوريًا عن سلاحٍ جاهز للانفجار. انتهاء مفعول الاتفاق يوم 18 أكتوبر 2025 أعاد للعلم الإيراني مساحةً تقنية وسياسية أوسع، لكنه أيضاً وضع طهران أمام معادلات كلفة-فائدة ليس من السهل تجاوزها بمجرد اختيارٍ واحد.

🔹 منطق التصعيد الذي شهدناه خلال السنة الماضية مع ضربات إسرائيلية استهدفت منشآت ومسؤولين رفيعي المستوى في إيران وإضرارٍ بمنشآت نووية واستراتيجية يؤكد أن مسار التخصيب والتطوير يمكن أن يتعطل بفعل الضربات الاستخبارية والعمليات السرية، لكنه لا يُلغى بسهولة أيضاً؛ قدرة إيران التقنية وخبرتها الطويلة في البنية النووية تمنحها باقات خيارات زمنية أكثر منها قفزات سريعة نحو امتلاك سلاح مُكتمل. بالتالي، احتمال “المفاجأة النووية” يبقى واقعًا استراتيجيًا ممكنًا نظريًا، لكنه مشروط بعوائق سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة.

🔹 إسرائيل، التي اعتبرت طوال عقود أن سقفها الأحمر هو وجود سلاح نووي فعّال لدى طهران، لن تظل مكان المتفرّج: تجارب الضربات في منتصف 2025 أوضحت أنها جاهزة لاستخدام القوة لتمزيق خطوط التمدد النووي الإيرانية حين تراه ضرورياً، لكن خلف كلّ ضربة حسابات إقليمية معقّدة قد تؤدي إلى اشتعال أوسع؛ هذا ما يجعل خيار الردع الإسرائيلي مضنياً ومحمياً بظلال دعم/احتراق سياسي مع واشنطن وحلفائها.

🔹 في المشهد الأمريكي، تظهر سياسات الإدارة المتناقضة بين رغبة في منع الانزلاق إلى حرب ميدانية واسعة وحرص على حماية الحلفاء الإقليميين؛ إدارة الضغوط الذكية والعقوبات والتعاون الاستخباراتي مع عواصم خليجية تبدو خيارها الأوّل طالما بقيت سبل التفاوض شبه مغلقة. أما إذا تفاقمت الهجمات أو شهدت المنطقة نمطاً من الهجمات الانتقامية المتسلسلة على خطوط الشحن والطاقة، فستجد واشنطن نفسها مجبرة على إعادة حسابات التكلفة والاندفاع نحو إجراءات ردعية أكثر وضوحاً.

🔹 بروكسل تسعى لإصلاح ما أمكن من مساحة الدبلوماسية التقنية — ضبط التراكمات عبر الوكالة الدولية أو عبر قنوات فرنسية-ألمانية لكن غياب الإجماع الأوروبي وارتباط تأثيرها بغطاء أمريكي يجعل أوراقها محدودة. موسكو وبكين، من جهتهما، لن تتسابقا في إيقاف طهران بالقوة؛ موسكو قد ترى في الملف ورقة ضغط استراتيجيّة في تفاوضها مع الغرب، بينما تبني بكين حضورها الاقتصادي وتعمل على استقرارٍ مصلحي يحفظ إمدادات الطاقة ويحوّل التوتر إلى فرص استثمارية. هذا التوازن الرباعي يجعل السنوات المقبلة أكثر لعبة تحكّم في الوقت منها صراعًا مفتوحًا.

🔹 وفي الهامش الإقليمي، تحرّكات الفاعلين غير الدوليين — من الحوثيين إلى ميليشيات بالمنطقة — قادرة على إشعال شرارة لا يريدها أحد هجومٌ على سفن في البحر الأحمر أو ضربات متبادلة في العراق وسوريا قد تُحوّل الردع المحسوب إلى دوّامة تصعيدٍ واسعة. الحوادث البحرية الأخيرة وعمليات الهجوم على السفن تظهر أن القناة الاقتصادية لم تعد آمنة، وأن أيّ فشل في احتواء هذه التصعيدات الثانوية قد يسرّع عملية اتخاذ قراراتٍ حاسمة من قبل دولٍ ترى أن خيارها الأخير هو العمل العسكري.

🔹 لا، إيران ليست على شفير أن تضغط زرّ «القنبلة» غداً بطريقةٍ آلية، لكننا أمام حالة «الاحتمالية المتصاعدة» منظومة من عوامل فنية وسياسية وأمنية قد تتحوّل إلى قدرة نووية في أفق زمني مفتوح إذا استمرّ انغلاق القنوات الدبلوماسية، وتواصلت الضغوط والعمليات السرية، وتفاقمت ردود الفعل الإقليمية. في هذه البيئة المشوبة بالخطر، تصبح سياسة إدارة الزمن والضغط أي من يسيطر على إيقاع الحدث ويطيل أو يقصر زمن القرار هي السلاح الحاسم: من يملك مهارة إطالة أمد النفاد السياسي والاقتصادي للطرف الآخر سيكون الأقرب إلى تفادي «المفاجأة» وتحويلها إلى مفاوضة.

 

 

هل يعود الملف النووي الإيراني إلى مربّع التجاذب الدولي؟

✍️✍️كتب الأستاذ الدكتور حكيم غريب – الجزائر

📌 انتهاء القرار 2231 أعاد الملف النووي الإيراني إلى ساحة التجاذب الدولي، مع فجوة قانونية وسياسية قد تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

📌 التحوّل من التفاوض إلى مقايضة متعددة الأطراف، حيث الهدف أصبح إدارة الأزمة بدل البحث عن تسوية نهائية.

📌 الهندسة الجديدة للوساطة الدولية تتوزع بين الخليج، واشنطن، وبكين، لتصبح إدارة الأزمات مؤقتة بدل اتفاق شامل.

📌 النظام الدولي القادم هشّ، قائم على مصالح مؤقتة وصفقات متقاطعة، تُعاد هندسة الأزمات حسب توازنات القوة.

📌 إيران تستثمر انتهاء القيود لتعزيز سيادتها النووية، بينما الغرب يصر على استمرار الالتزامات الدولية، مما يخلق تصادمًا في التفسير القانوني.

📌 التداعيات الإقليمية تشمل زيادة حساسية دول الخليج وإسرائيل، واستثمار إيران لنفوذها عبر الطاقة والتعاون العسكري مع روسيا والصين.

📌 قواعد الاشتباك بين تل أبيب وطهران تُدار كأداة ردع مرنة، حيث يُدار التوتر بالمسطرة لا بالمطرقة، مع إدارة العتبات والزمن السياسي.

📌 العواصم الكبرى تتوزع مواقفها بين الضغط الذكي، الاحتواء الدبلوماسي، والمساومة الاستراتيجية، ما يجعل السنوات المقبلة لعبة إدارة الوقت أكثر منها مواجهة مفتوحة.

📌 انتهاء القيود النووية يُدخل المنطقة مرحلة “اللايقين النووي”، مع مساحة زمنية لإيران لكن دون سلاح جاهز فوريًا؛ إدارة الضغط والزمن السياسي هي السلاح الحاسم.

📌 تراجع فعالية الردع التقليدي يزيد من احتمالات سباق تسلح نوعي بين إيران ودول الخليج، ويعزز منطق الضربة الوقائية.

📌 البعد الاقتصادي: يمكن للملف النووي أن يتحوّل إلى ورقة ضغط في أسواق الطاقة، مؤثرًا على أسعار النفط والاقتصاد العالمي.

📌 ثلاثة مسارات محتملة: إعادة التفاوض على اتفاق جديد، استمرار الغموض النووي كأداة ردع، أو التصعيد التدريجي مع ضغوط اقتصادية وعسكرية.

📌 المواقف الأمريكية: الضغط الذكي بالعقوبات والردع البحري، مع إبقاء خيار التفاوض مفتوحًا لضمان سقف نووي رمزي.

📌 المواقف الأوروبية: دبلوماسية الاحتواء الناعم، تعزيز الحوار الاقتصادي، والاعتماد على الرقابة الفنية للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

📌 المواقف الروسية: الملف النووي الإيراني أداة مساومة ضد الغرب، دعم محدود لطهران مع ضبط التوازن الإقليمي.

📌 المواقف الصينية: استثمار اقتصادي هادئ لتعزيز النفوذ، مع سياسة تهدئة للحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة.

📌 احتمالات التصعيد: الأحداث البحرية والهجمات على خطوط الشحن والطاقة قد تحوّل الردع المحسوب إلى دوامة تصعيد واسعة.

📌 شبح “المفاجأة النووية” يبقى ممكنًا نظريًا، لكنه مشروط بعوائق سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة.

📌 إدارة الزمن السياسي والضغط هي المفتاح: من يسيطر على إيقاع الحدث يكون الأقرب لتفادي أي مفاجأة نووية وتحويلها إلى مفاوضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »