اخبار روسيا
أخر الأخبار

النار بديل الطاولة.. ميدفيدف وبيسكوف يرسمان ملامح ما بعد اسطنبول

قراءة استراتيجية في التصعيد الروسي وتداعيات الهجمات الأوكرانية على العمقين المدني والعسكري الروسي

النار بديل الطاولة.. ميدفيدف وبيسكوف يرسمان ملامح ما بعد اسطنبول

قراءة استراتيجية في التصعيد الروسي وتداعيات الهجمات الأوكرانية على العمقين المدني والعسكري الروسي

✍️كتب الدكتور سعد خلف  

شهد الخطاب الروسي الرسمي، اليوم، الثالث من يونيو 2025، تحولاً كيفيا لا يمكن أن تخطئه عين المراقب العادي، ويلتزم بقرائته من يحلل الموقف الروسي والصراع الروسي الأوكراني، صبرت حتى نهاية اليوم حتى أستطيع إجمال كل ما يمكن إجماله من تصريحات اليوم، السياسية، وتطوراته العسكرية والميدانية المباشرة.

 فبعد صمت رسمي سياسي ليومين على استهداف القواعد الجوية وتدمير القاذفات الاستراتيجية، توالت التصريحات من رمزين كبيرين في محراب صناعة القرار الروسي، وهما دميتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ودميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين.

 الأول أعلن أن لا عودة إلى مفاوضات اسطنبول .. وشدد على أن السلام لن يأتي إلا من فوهات البنادق. ما يعني أن الحسم من وجهة نظره سيكون ميدانيا، لا دبلوماسيا.

والثاني أعاد تأكيد ذات الفكرة، ولكن بلغة أكثر دبلوماسية وضبطاً -فهو دبلوماسي في الأصل- معترفا بأن الوقائع الحالية لا تبقي مجالا لحديث جاد عن التفاوض.

 هذا التصعيد في الخطاب السياسي الروسي تزامن مع موجة من الضربات الأوكرانية الجديدة استهدفت منشآت الطاقة في المناطق التي تسيطر عليها روسيا من مقاطعتي زابوروجيا وخيرسون، بل وهددت جسر القرم نفسه، وذلك بعد يومين فقط من ضرب القواعد الجوية الروسية..

 وسأحاول في هذا التحليل البحث والتمحيص في العلاقة الجدلية بين الخطاب الروسي والسياق الميداني المتغير.. وهل موسكو بصدد إعلان وفاة خيار التسوية السياسية لصالح سيناريو المعركة الطويلة… أم أن هذا الاستنتاج سابق لأوانه…

 وإذا بدأت بتناول تصريحات ميدفيديف وبيسكوف اليوم، ومن واقع متابعتي اليومية لكل ما يصدر عنهما على مدى سنوات، رأيت اليوم تطابقا نادراً في خطاب الأزمة لديهما..

 في العادة تقرأ تصريحات ميدفيديف من زاوية كونه أكثر تطرفا من الموقف الرسمي المعلن للكرملين.

غير أن ما يلفت الإنتباه اليوم أن تصريح بيسكوف، الذي يمثل صوت المؤسسة التنفيذية العليا مباشرة، لم يبتعد كثيرا عن مضمون خطاب ميدفيديف، وإن اختلفت العبارات والكلمات المستخدمة في كلا التصريحين.

 فبيسكوف أقر بأن الوقائع العسكرية والميدانية لا تتيح إمكانية الحديث عن “مفاوضات مجدية”، واعتبر أن ” ما يحدث على الأرض يؤكد أن كييف ومن يقف وراءها لا يسعون إلى السلام، بل إلى تحقيق مكاسب ميدانية” وأنا أقتبس بالنص من تصريحاته.

 هذا التماثل بين خطاب ميدفيديف وبيسكوف يعكس، في رأيي، أن ما يجري ليس مجرد إنفعال مؤقت، بل توجه استراتيجي يعاد ترسيخه في دوائر الحكم الروسية العليا. والرسالة هنا، كما أفهمها أنا هي: إنتهى زمن التفاوض .. وبدأ زمن فرض الوقائع بالقوة.

 لكن ما الذي أحدث هذا التغير في الموقف الروسي؟ والرد بلا تردد: استهداف العمق الروسي .. هو نقطة تحول في قواعد الاشتباك تفرض على ساكن الكرملين تبني استراتيجية جديدة .. وإلا..

 بالتزامن مع هذه التصريحات، جاءت التطورات الميدانية لتمنحها مضمونا واقعيا غير قابل للتأويل. فقد شنت القوات الأوكرانية ومجددا باستخدام المسيرات هجمات على منشآت طاقة مدنية ذات أهمية كبرى في مقاطعتي زابوروجيا وخيرسون، بعد الهجمات المتزامنة على القواعد الجوية الاستراتيجية..

 من الناحية الفنية، أعتقد، لا يمكن فصل استهداف القواعد الجوية عن التحديث الأمريكي الأوروبي المستمر للقدرات الهجومية الأوكرانية، وخصوصا بعد توريد الذخائر الجوية عالية الدقة جي دي أيه أم والقوارب المسيرة، على الرغم من كل تصريحات ترمب والأمريكان بضرورة التفاوض والسلام…

 أما سياسيا، ففي اعتقادي أن موسكو تقرأ هذه الضربات باعتبارها نتيجة مباشرة لتراخي الغرب المقصود في ضبط حدود الحرب… وبالتالي، فإن ردها، والكلام هنا لميدفيدف، سيكون موجهاً ليس فقط ضد البنية التحتية الأوكرانية… بل وضد من يخططون وينفذون ويأمرون…

(ولكم مطلق الحرية في إطلاق الخيال لتخمين من يقصد ميدفيديف بهذا التهديد)

 وإذا إنتقلت لإجمال التطورات العسكرية الخطيرة التي وقعت اليوم، فلابد أن أشير بالطبع إلى التغير النوعي في الاسلوب الأوكراني وطبيعته وطبيعة الإستهدافات .. ففي الساعات الأولى من 3 يونيو 2025 شهدت مقاطعتا زابوروجيا وخيرسون ضربات متزامنة على محطات فرعية لنقل وتوزيع الكهرباء، ما أدى إلى إنقطاع التيار الكهربي عن أكثر من مليون شخص، حسب البيانات الروسية الرسمية.

وهذه الحادثة رغم أنها لم تستهدف محطات التوليد نفسها، إلا أنها أصابت مفاصل شبكة النقل، وأظهرت أن استهداف البنية التحتية يمكن أن ينفذ بفاعلية من دون الحاجة إلى تدمير المنشآت الاستراتيجية الكبرى… وهذا تطور نوعي جديد وخطير من جانب أوكرانيا.

 هذا النوع من العمليات يعبر عن تصعيد ذكي وخفي من الجانب الأوكراني، لأنه يستهدف إنهاك الجبهة الداخلية الموالية لروسيا في هذه المناطق من دون أن يتحول إلى خرق سافر لقواعد القانون الدولي – ظاهريا على الأقل-. لكن الأثر السياسي لهذه الضربات كان كبيراً ، وأعتقد أنه سوف يجعل موسكو أكثر إقتناعاً بأن التساهل في الرد لن يؤدي إلا إلى مزيد من التمادي.

 أضف إلى ذلك العودة مجدداً لاستهداف جسر القرم، بل وأن يتم إغلاقه مرتين أو ثلاث خلال يوم واحد، هو أمر غير مسبوق في الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. والأكثر من ذلك، تضارب الأنباء حول طبيعة الاستهداف، بين حديث عن مسيرات تحت-مائية (غواصة صغيرة مسيرة)، أو قارب مسير مفخخ… لكن الثابت أن الهجوم كان معقداً ومتعدد الأدوات، فضلا عن ذلك هو نجح في إحداث شلل مؤقت على شريان النقل الرئيسي الذي يربط القرم بالبر الروسي الرئيسي.

 وهنا لابد من التوقف عند دلالة هذا الهجوم: جسر القرم لم يكن يوماً مجرد منشأة لوجستية، بل هو رمز السيادة الروسية على شبه الجزيرة…

واستهداف هذا الجسر، في رأيي، ليس مجرد عملية عسكرية، بل رسالة إستراتيجية، دفعت المستشار الأمني للقرم أوليغ كريوتشكوف إلى الحديث عن أن ” الهجوم الإعلامي والنفسي جاء متزامنا مع العمليات الأوكرانية في البحر الأسود لاستهداف الجسر”.

 الرد الروسي حتى الآن، تمثل فقط في تعزيز التدريبات البحرية المضادة لأعمال التخريب، وضرب مواقع إنتاج المسيرات الأوكرانية، حسب بيانات وزارة الدفاع الروسية.. لكن الواضح أن الخطاب السياسي الروسي بدأ ينحو نحو ضرورة تبني سياسة الردع الإستباقي.

 وإذا تحدثت عن التداعيات السياسية والعسكرية المحتملة لهذا التحول، فينبغي بداية الجمع بين عناصر المشهد بمجمله، واقصد تصريحات ميدفيديف، وتأكيدات بيسكوف، والضربات الأوكرانية على القواعد الجوية، وبعدها استهداف منشآت البنية التحتية للطاقة، ومحاولات ضرب جسر القرم، ثم الرد الروسي الميداني الباهت حتى الآن بضرب قاعدة جوية أوكرانية شمال غرب أوكرانيا، فإن المحصلة النهائية، في رأيي تبدو كالتالي:

 – لم يعد هناك إجماع داخل النظام الروسي على خيار التسوية السياسية، بل على العكس يجري الآن إنتاج خطاب رسمي موحد يمهد لمرحلة “الحرب المفتوحة” على طول إمتداد الجبهة.

 – موسكو تتحرك بثبات نحو تثبيت مناطق السيطرة الحالية كحدود فعلية، تمهيدا لفرض معادلة ” الأرض مقابل التهدئة” لاحقاً، وليس ” السلام مقابل الانسحاب”.

 – التصعيد الأوكراني في الجنوب والقرم يُقرأ في موسكو كاختبار لمدى تماسك الدفاعات الروسية، وهو ما سيدفع الكرملين، حسبما أعتقد، إلى تعزيز الجبهة الجنوبية، حتى لو تطلب ذلك نقل وحدات من خاركوف وسومي، والتي كانت معدة لاختراق هاتين المقاطعتين خلال الفترة القادمة بعد فشل مسار اسطنبول المتوقع.

 وفي الختام، أعتقد أن تصريحات ميدفيديف وبيسكوف اليوم، إذا قرأناها في سياقها الزمني والميداني، لا يمكن فصلها عن مشروع سياسي وأمني متكامل بدأ يتبلور في موسكو منذ أشهر. وهو مشروع يقوم على دفن وهم المفاوضات.. وإحياء منطق الحسم بالقوة .. من فوهات البنادق كما قال ميدفيديف اليوم.

 وإذا ما استمرت الضربات الأوكرانية بهذا النمط – المنهك لا الكاسح – فإن روسيا في اعتقادي قد تذهب إلى أبعد من الردود الميدانية التقليدية، نحو تعديل جديد في العقيدة النووية أو التصعيد الإقليمي في مناطق نفوذ أخرى كالساحل السوري مثلاً .. أو منطقة بريدنستروفيا (ترانسنيستريا).

 والاستنتاج الأبرز من كل هذه التطورات الأخيرة، هو أن المنطقة تمضي إلى تطور أكثر خطورة في الأزمة الأوكرانية، عنوانه: ” لا عودة إلى إسطنبول.. ولا توقف قبل تغيير المعادلة”.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »