الشرق الأوسط بين الأصيل والجديد: صراع الهوية والمصائر
حول الشرق الأوسط الجديد، الذي نظر له صهيوني قديم اسمه شمعون بيريز، ويصبو لتنفيذه صهيوني جديد اسمه بنيامين نتنياهو، حول هذا الشرق الأوسط المنشود كتبت مقالين في بيان ماهيته:

الشرق الأوسط بين الأصيل والجديد: صراع الهوية والمصائر
كتب أيوب نصر 📰✍️باحث مغربي متخصص في المذاهب الفكرية والعقائد والاستشراق والشأن الروسي والاوراسي.
حول الشرق الأوسط الجديد، الذي نظر له صهيوني قديم اسمه شمعون بيريز، ويصبو لتنفيذه صهيوني جديد اسمه بنيامين نتنياهو، حول هذا الشرق الأوسط المنشود كتبت مقالين في بيان ماهيته:
الأول سميته “لماذا تخاذل العرب عن نصرة غزة؟“، أسكنته صفحات مجلة الربيئة الغراء.
ثم قفيت أثره بعد حين بمقال ثانٍ عنونته “في معنى الشرق الأوسط الجديد“، نشر في مجلة السياسة الدولية.
والذي أراه وأظنه أنني في هذين المقالين أديت للمنطقة وأهلها أقصى حقهم عليّ في بيان ما يهدف له الكيان الصهيوني، وما ينشده ويصبو إليه من يحركه من وراء الحجب المدلّية ويدعمه من خلف الستر المسدلة، وأبرأت ذمتي أمام الله وأعددت للمسألة جوابًا حين يسألني: هل أديت أمانة حمل القلم؟
مقدمة: في معنى الشرق الأوسط الجديد
إن كل فكرٍ وكل نظرٍ عقلي له أسس تسنده وأصول يُبنى عليها، وهذه الأصول وتلكم الأسس هي العقيدة الدينية والعقيدة اللغوية والتاريخ والجغرافيا وغيرها مما يساهم في تكوين الشخصية وبناء الفكر، ويعطي للأمم منهجًا للحياة وأسلوبًا في العيش خاصًا بها، وفقهٍ تقبل وترد وترضى وتنكر، وهذا الذي أحدثك به الآن، ليس حكرًا على العرب والمسلمين، بل هو أمر مطرد تشترك فيه كل أمة وكل شعوب العالم، وهو ذاته ما عبّر عنه اللورد كلومر، المقيم العام البريطاني في مصر، في سياق تعريضه بالتنويريين العرب، من أمثال من يزعمون أننا كلنا إسرائيليون ويدعمون الكيان إعلاميًا، حيث قال: “فأحرار التفكير الأوروبيون منسجمون مع من حولهم من المسيحيين ولا يعادونهم، بل هم لا يختلفون عنهم في أسلوب حياتهم وتفكيرهم العملي”.
الأسس الفكرية والثقافية للأمة
وكل هذا وغيره يحملني على أن أقول، من غير ادعاء، بل بيقين تام لا يخالطه شك ولا تعتريه شبهة ولا يتسرب إليه ظن، أنه يصعب تحقيق الأمل المنشود الذي يسمونه الشرق الأوسط الجديد، وحتى ولو افترضنا، على سبيل الجدل لا السليم، أن تزول الطبقة الحاكمة في الدول العربية عن بكرة أبيها حتى لا يبقى منها أحد، ونصبنا مكانهم آخرين من أمثال ترامب ونتنياهو وبنغفير وسموترتش، وغيرهم ممن يشابهونهم، فإنهم لن يملكوا إلا أن يسايروا هذه الجماهير العريضة الزاحفة على امتداد البقعة الأرضية الواقعة بين المحيط والخليج، لأن هذا الأمر (العقيدة الدينية والعقيدة اللغوية والتاريخ والجغرافيا، وغيرها مما يساهم في تكوين الشخصية وبناء الفكر، ويعطي للأمم منهجًا للحياة وأسلوبًا في العيش خاصًا بها) هو الثقافة التي رضعت هذه الجماهير لبانها مع حليب أمها، فنزلت منها منزلة سجية الطبع وملكة النفس.
محاولات التغيير الثقافي والتأثيرات الخارجية
ولم يقدر أحد على تغييرها طوال 14 قرنًا من الزمان، بل كلما حوربت تزداد قوة في نفوس الجماهير وأخذًا بقلوبهم واستحكامًا في تفكيرهم، ولو حدث تغيير فإنه يكون مهملاً لا تأثير له، وذلك أن أغلب من يحملون على مناكبهم هم تغيير هذه النفوس وتحويلها عما هي عليه، هم أنفسهم غير مقتنعين بما تلوكه ألسنتهم وتتلمضه أفواههم وتجري به أقلامهم، وإنما حملهم على ذلك المصالح الحاضرة من أموال وإغراءات وأطماع، مثل لطفي السيد ومن كان معه ممن يسمون أنفسهم أنهم أصحاب المصالح الحقيقية وطه حسين وإغراءات الأستاذية وعمادة الكلية.
الهوية العربية والإسلامية: الثبات والتحدي
ولكي يحصل هذا التغيير المنشود حتى يتمكن من إنشاء الشرق الأوسط الجديد، فيجب أولاً عمل قطيعة بين هذه الأمة الكبيرة وبين عقائدها وتاريخها ولغتها وهويتها وثقافتها وجغرافيتها، ولا يمكن حصول ذلك إلا بتهجير أبناء الأمة كلهم من هذه البقعة الأرضية، وتفريقهم في البلدان، وعرضهم على مناهج تعليمية مختلفة كل الاختلاف وأساليب حياة مغايرة وأنماط عيش مختلفة، هم وذرياتهم، ويستمر الأمر على هذا النحو لمئات السنين، ومع عدة أجيال، وبعد ذلك قد تكون النتيجة حدوث تغيير يمكن معه إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، لكن أخوف ما أخاف أن يحدث تغيير عكسي فيؤثرون هم في المجتمعات التي سيتم نقلهم إليها، فينقلون إليها أسلوب حياتهم ونمط عيشهم ومعتقداتهم وهويتهم، وهذا أمر مخوف على كل حال، خاصة ونحن نرى ماذا يفعلون المهاجرون العرب وكيف يؤثرون، على قلة عددهم في البلدان التي يهاجرون إليها.
الشرق الأوسط الأصيل: الحل البديل
فإذا كان أمر تغيير هذا الشرق بهذه الصعوبة التي تكاد تبلغ الاستحالة، فعلى صناع القرار في الدول العربية ألا يضيعوا الوقت والجهد في تحقيق أمر يمتنع تحقيقه، ونحن نرى أن ما حدث في غزة لم يزد الغزيين خصوصًا والعرب عموماً إلا تشبثًا وحرصًا على ما هم عليه من تاريخ المنطقة وتقاليدها وقيمها وأخلاقها، فالحل إذن ليس في الشرق الأوسط الجديد وإنما الحل في الشرق الأوسط الأصيل، القائم على عقائده والمستنبط من تاريخه والمتعلق بجغرافيته والمرتبط بهويته، فهو الدائم والمستمر.
خاتمة: العودة إلى الجذور
ودعك على ذكر من أمر، وهو أن الشرق الأوسط الأصيل، هو الذي حمى اليهود وحفظ لهم معابدهم وصان لهم مقدساتهم، أما الشرق الأوسط الجديد فسيكون نقمة عليهم، فالسلام المنشود لن يكون على طريقة بيريز ونتنياهو وصناعة القرار في دوائر السياسة الأمريكية، فطبائع العربي لا تقبل الانقياد ولا تصبر على الخضوع ولا تطيق الخنوع، وإنما من يريد السلام فيجب أن يأمل تحقيقه وفق ما يقتضيه الشرق الأوسط الاصيل…

📰✍️ الكاتب أيوب نصر
باحث مغربي متخصص في المذاهب الفكرية والعقائد والاستشراق والشأن الروسي والاوراسي. كاتب للعديد من مقالات ودراسات ، يُعرَف بآرائه النقدية والتحليلية حول القضايا السياسية والثقافية في العالم العربي والإسلامي
أبرز النقاط في المقال 📌📌
✍️الشرق الأوسط الجديد: مشروع صهيوني يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وفقًا لمصالح الكيان الصهيوني، بدعم من قوى غربية.
✍️الشرق الأوسط الأصيل: هو الشرق الذي حافظ على هويته الثقافية والدينية والجغرافية على مر العصور، ويشكل أساسًا للمقاومة والتحدي.
✍️التغيير الثقافي: محاولات تغيير هوية الأمة تتطلب قطيعة مع تاريخها وثقافتها، وهو أمر يصعب تحقيقه.
✍️الهوية العربية والإسلامية: تظل راسخة في نفوس الجماهير، ولا يمكن تغييرها بسهولة، حتى مع محاولات التغيير.
الحل: يكمن في تعزيز الشرق الأوسط الأصيل، القائم على عقائده وتاريخه وهويته، بدلاً من السعي وراء الشرق الأوسط الجديد.



