لبنان: التاريخ، التضحيات، والنصر الوطني
لبنان، هذا الوطن الصغير في الجغرافيا والكبير في تعقيداته التاريخية، لا يمكن فصله عن التكوين الاجتماعي والسياسي الذي شكّل نواة الحياة فيه. منذ الاستقلال حتى اليوم، كانت الطوائف لاعبًا أساسيًا، تارة في البناء وطورا في الانقسام، لكن التاريخ يبرز دروسًا أكبر من مجرد الانتماءات.

لبنان: التاريخ، التضحيات، والنصر الوطني
✍️📰 د. محمد هزيمة – كاتب سياسي وباحث استراتيجي
لبنان، هذا الوطن الصغير في الجغرافيا والكبير في تعقيداته التاريخية، لا يمكن فصله عن التكوين الاجتماعي والسياسي الذي شكّل نواة الحياة فيه. منذ الاستقلال حتى اليوم، كانت الطوائف لاعبًا أساسيًا، تارة في البناء وطورا في الانقسام، لكن التاريخ يبرز دروسًا أكبر من مجرد الانتماءات.
منذ عام 1948، كان قرار استقبال اللاجئين الفلسطينيين خطوة إنسانية تحمل أبعادًا سياسية، وافقت عليها قيادات لبنانية من موقعها في الحكم دون رؤية استراتيجية لمآلات التوازن الوطني. ثم جاء اتفاق القاهرة 1969، الذي منح العمل الفدائي الفلسطيني حرية الحركة في الجنوب، وفتح الباب لتوترات متصاعدة، وتم توقيعه باسم الدولة بثمن سياسي للسلطة آنذاك دون مراعاة لعواقبه على الأرض.
بالمقابل، كانت المناطق الجنوبية، التي دفعت الثمن الأكبر من احتلال وتهجير وعدوان متكرر، هي الميدان الذي ولد منه مشروع المقاومة. هذه المقاومة لم تكن فتنة، بل دفاعًا عن الوطن، وتمكنت من تحرير الجنوب بالكامل في أيار 2000، بينما كان قسم آخر من القوى يراهن على الدعم الخارجي.
التاريخ يذكر كذلك مواقف بعض القيادات التي استعانت بقوى خارجية لتحقيق مصالح سياسية، بداية بالجيش السوري في 1976، ثم بالمارينز الأميركيين في 1958، ودعم الاحتلال الصهيوني مع اتفاق السابع عشر من أيار، لتبرز الطائفية السياسية في أشد صورها، بين حماية المكتسبات أو الخوف من التوازنات.
عندما اجتاح الجيش الإسرائيلي بيروت عام 1982، لم يكن اللبنانيون في خندق واحد؛ فاستقبلت بعض الفئات القوات الغازية على أمل إقامة “شرق أوسط جديد”، إلا أن الدماء كانت الثمن الوحيد لذلك.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من دفع ثمن الدفاع عن لبنان؟ الجواب واضح: أبناء الجنوب، الذين أصبحوا الشهداء والمقاومين، وأمهاتهم، الذين رسموا بدمائهم حدود الوطن. من الهرمل إلى الناقورة، ومن بعلبك إلى الضاحية الجنوبية في بيروت، هناك شهداء واجهوا الاحتلال وتمسكوا بالكيان اللبناني بكرامة.
اليوم، ومع تصاعد التحريض وتكرار محاولات نزع سلاح المقاومة بضغط أميركي، من المهم تذكير الجميع: لم يكن هناك جنوب لولا دماء أبنائه، ولم يكن هناك لبنان قوي بلا مقاومة. الهدف ليس بشيطنة طرف وتقديس آخر، بل قول الحقيقة: بعض من راهن على الخارج جلب الاحتلال، ومن راهن على الأرض حررها. والتاريخ لا يكتبه المنتصر بالسلاح فقط، بل من ينتصر للأرض بكرامة.



