اخبار دولية
أخر الأخبار

كتب إدريس أحميد :العلاقة الأمريكية مع الحلفاء الأوروبيين… إلى أين؟

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الرئاسية الثانية عام 2025، تدخل العلاقة الأمريكية مع الحلفاء الأوروبيين مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية، في ظل عالم مضطرب تتراجع فيه الثوابت، وتتصاعد فيه منطق القوة والمصلحة. فترامب لا يعود هذه المرة ليصدم أوروبا فقط بأسلوبه، بل ليؤكد أن ما طُرح في ولايته الأولى لم يكن استثناءً، بل جزءًا من رؤية متكاملة لإعادة صياغة دور الولايات المتحدة في النظام الدولي.

العلاقة الأمريكية مع الحلفاء الأوروبيين… إلى أين؟

🧾✍️كتب: إدريس أحميد ـ باحث ومحلل وكاتب سياسي

من إعادة تعريف الشراكة إلى إدارة المنافسة العالمية

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الرئاسية الثانية عام 2025، تدخل العلاقة الأمريكية مع الحلفاء الأوروبيين مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية، في ظل عالم مضطرب تتراجع فيه الثوابت، وتتصاعد فيه منطق القوة والمصلحة. فترامب لا يعود هذه المرة ليصدم أوروبا فقط بأسلوبه، بل ليؤكد أن ما طُرح في ولايته الأولى لم يكن استثناءً، بل جزءًا من رؤية متكاملة لإعادة صياغة دور الولايات المتحدة في النظام الدولي.

في ولايته الأولى، أسس ترامب سياسته الخارجية على شعار «أمريكا أولًا»، معتبرًا أن واشنطن تحمّلت لعقود أعباء أمنية واقتصادية وسياسية تفوق ما حصلت عليه من مكاسب. هذا التصور انعكس مباشرة على العلاقة مع أوروبا، حيث جرى التعامل مع التحالفات التقليدية بوصفها التزامات قابلة لإعادة التفاوض، لا ثوابت استراتيجية.

ومع عودته إلى السلطة، لم يتراجع ترامب عن هذا النهج، بل بدا أكثر ثقة في فرضه، مستندًا إلى واقع دولي يسمح بإعادة ترتيب التحالفات على أساس المصالح الصرفة.

أبرز تجليات هذا التوجه ظهر في إدارة العلاقة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). فترامب واصل الضغط على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي، مؤكدًا أن المظلة الأمنية الأمريكية لا يمكن أن تستمر دون “تقاسم عادل للأعباء”.

ورغم أن هذا الطرح ليس جديدًا داخل المؤسسات الأمريكية، إلا أن طريقة طرحه الصدامية والعلنية دفعت العواصم الأوروبية إلى القلق من مستقبل الالتزام الأمريكي، وأعادت فتح النقاش حول ضرورة بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة.

وفي السياق نفسه، كشفت تصرفات إدارة ترامب عن اختلاف جوهري في فهم طبيعة التحالف. فقد أثار تعاطيه الحاد مع فنزويلا، إلى جانب إحيائه رغبته السابقة في السيطرة على غرينلاند، رغم تبعيتها لمملكة الدنمارك، استغرابًا أوروبيًا واسعًا. فقد قوبلت هذه الطموحات برفض واضح من الاتحاد الأوروبي، انطلاقًا من كون الدنمارك عضوًا في الاتحاد والناتو، وأن أي مساس بها يُعد مساسًا بالمنظومة الأوروبية–الأطلسية ككل.

هذا الخلاف أظهر حدود الضغط الأمريكي، لكنه كشف في الوقت ذاته تصادم رؤيتين: رؤية أمريكية تنظر إلى الجغرافيا والسيادة كأدوات استراتيجية، ورؤية أوروبية ما تزال متمسكة بقواعد النظام الدولي.

أما الحرب الروسية–الأوكرانية، فقد عمّقت الفجوة بين الطرفين. ففي حين تتبنى أوروبا موقفًا متشددًا تجاه موسكو، قائمًا على إضعاف روسيا استراتيجيًا عبر الضغط العسكري والسياسي طويل الأمد، تميل إدارة ترامب إلى مقاربة أكثر براغماتية، تركز على إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، حتى وإن تطلّب ذلك تسويات لا تنسجم بالكامل مع الرؤية الأوروبية.

ورغم أن الطرفين يلتقيان عند هدف “إنهاء الحرب”، فإن الخلاف الحقيقي يكمن في الكيفية والكلفة السياسية والاستراتيجية لهذه النهاية، وفي موقع أوروبا من أي تسوية محتملة.

ويتعمق التباين أكثر في ملفات الشرق الأوسط. فقد عبّرت دول أوروبية عدة عن معارضتها لأي هجوم عسكري أمريكي محتمل على إيران، محذّرة من تداعيات كارثية على استقرار المنطقة والعالم، وعلى أمن الطاقة والاقتصاد الدولي. كما شكّل الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل نقطة خلاف مركزية مع أوروبا، التي ترى أن هذا الانحياز يقوّض القانون الدولي، ويغلق الباب أمام أي تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، ويغذي دوائر العنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

من الحلفاء إلى المنافسين: نفس المنطق بطرق مختلفة

إذا كانت سياسة ترامب مع الحلفاء الأوروبيين تقوم على إعادة التفاوض والضغط لضمان مصالح مباشرة للولايات المتحدة، فإن تعاملها مع الدول المنافسة، مثل الصين والهند، يتخذ طابعًا أكثر صرامة ووضوحًا. فالصين تُعامل كتهديد استراتيجي طويل الأمد، لذلك تُفرض عليها حروب تجارية، قيود تكنولوجية، ومحاولات لتقليص نفوذها الدولي، بما يحمي الهيمنة الأمريكية. الهند، رغم كونها قوة صاعدة وليست خصمًا مباشرًا، تُمارس عليها ضغوط انتقائية لتوجيه تحركاتها بما يخدم المصلحة الأمريكية، من دون تقديم أي امتياز مجاني.

النتيجة أن ترامب يستخدم نفس المنطق الأساسي: كل حليف يجب أن يدفع ويثبت جدواه، وكل منافس يجب مواجهته ومنعه من تحقيق مكاسب قد تقلّص النفوذ الأمريكي. الفرق الوحيد هو أن الحلفاء يخضعون للضغط السياسي والاقتصادي عبر أدوات التحالف، بينما المنافسون يُوضعون مباشرة في خانة الصراع الاستراتيجي.

خلاصة القول، إن العلاقة الأمريكية مع الحلفاء الأوروبيين لم تصل إلى القطيعة، لكنها لم تعد كما كانت. إنها علاقة تمر بمرحلة إعادة تعريف عميقة، تفرض على أوروبا البحث عن قدر أكبر من الاستقلالية، وعلى واشنطن تحمّل تبعات نهجها الجديد. وفي الوقت ذاته، تكشف السياسة الأمريكية مع المنافسين عن نهج صارم يسعى إلى حماية الهيمنة، مما يجعل الولايات المتحدة قوة لا تُساوم إلا على مصالحها المباشرة. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمثل هذا المسار تحولًا دائمًا في السياسة الأمريكية، أم أنه مرحلة مرتبطة بإدارة ترامب وحدها؟ إلى أن تتضح الإجابة، سيظل مستقبل العلاقة عبر الأطلسي ومع المنافسين العالميين معلقًا بين شراكة مشروطة وصراع مصالح مفتوح.

 

أبرز نقاط المقال

  • 📌 عودة ترامب عام 2025 تُدخل العلاقة الأمريكية-الأوروبية في مرحلة أكثر تعقيدًا.
  • 📌 ترامب لا يكتفي بصدمات الأسلوب، بل يُعيد صياغة دور الولايات المتحدة في النظام الدولي.
  • 📌 شعار “أمريكا أولًا” يعني أن التحالفات قابلة لإعادة التفاوض.
  • 📌 الضغط على الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي يفتح نقاشًا حول استقلال أوروبا دفاعيًا.
  • 📌 اختلاف رؤية واشنطن وأوروبا حول غرينلاند وفنزويلا يعكس تصادم رؤى استراتيجية.
  • 📌 الحرب الروسية–الأوكرانية عمّقت الفجوة: أوروبا تريد إضعاف روسيا، وترامب يركز على إنهاء الحرب بسرعة.
  • 📌 الخلاف في الشرق الأوسط: أوروبا تعارض هجومًا على إيران وتنتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل.
  • 📌 ترامب يتعامل مع الصين كتهديد استراتيجي ويفرض قيودًا تجارية وتكنولوجية.
  • 📌 الهند تُمارس عليها ضغوط انتقائية دون تقديم امتيازات مجانية.
  • 📌 العلاقة الأمريكية-الأوروبية لم تصل للقطيعة لكنها تحولت إلى شراكة مشروطة.
  • 📌 السؤال الأساسي: هل هذا نهج دائم أم مرحلة مرتبطة بترامب فقط؟

 

🧾✍️الكاتب إدريس أحميد

باحث ومحلل وكاتب سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »