حق وليست منحة .. وكفى احتقارًا للعسكريين
تقول الحكومة اللبنانية أنها أقرت "منحة" للعسكريين في الخدمة الفعلية وللمتقاعدين، بقيمة 13 مليون للبعض في الخدمة الفعلية، و12 مليون للمتقاعد، أي ما يعادل أقل من 150 دولاراً شهريًا.

حق وليست منحة .. وكفى احتقارًا للعسكريين
✍️📰 كتب: رئيس تحرير موقع الثائر أكرم كمال سريوي
تقول الحكومة اللبنانية أنها أقرت “منحة” للعسكريين في الخدمة الفعلية وللمتقاعدين، بقيمة 13 مليون لمن هم في الخدمة الفعلية، و12 مليون للمتقاعد، أي ما يعادل أقل من 150 دولاراً شهريًا.
ويتداول الإعلام هذه الكلمة بشكل دائم، رغم أنها تحمل في طياتها إهانة للعسكريين، فالمنحة هي عطية أو مكرمة تقدم لشخص ما وليست حقاً له.
إن تصحيح الرواتب والأجور هو حق نص عليه القانون اللبناني، للموظفين في الخدمة الفعلية وللمتقاعدين منهم، وما تقدمه الحكومة اليوم لموظفي القطاع العام، هو مخالفة فاضحة للقوانين و الدستور، الذي نص على حفظ كامل الحقوق، وعلى المساواة، فلا يجوز تفضيل قطاع على قطاع آخر من قطاعات موظفي الدولة، وأي تمييز بين الموظفين في مسألة تصحيح الرواتب، هو خرق للقوانين وجريمة تستوجب المحاسبة والعقاب.
منذ بداية الأزمة عمدت الحكومة السابقة، وتلتها في ذلك الحكومة الحالية، على التعاطي باستنسابية مع الموظفين في القطاع العام، فمرة تزيد للقضاة، ومرة لموظفي وزارة المالية، ومرة للأساتذة والمعلمين، أما للعسكريين فتعطي منحة سخيفة، بحيث بات راتب عميد في الجيش اللبناني والقوى الأمنية، أقل من راتب موظف في: الدفاع المدني، أو أستاذ في مدرسة ابتدائية، ورواتب العسكريين لا تزيد عن ثلاثماية دولار، في حين يتقاضى حاجب في مصرف لبنان عشرة أضعاف هذا الراتب.
بالرغم من الأزمة المالية التي تتحجج بها الحكومة، فهي رفعت رواتب بعض الموظفين بشكل كبير جداً، فالقضاة وأساتذة الجامعات وموظفو شركات الهاتف الخليوي وموظفو المالية وغيرهم كلهم يتقاضون رواتب جيدة، وهذا حق لهم، وهي تقارب ما كانت عليه رواتبهم قبل الأزمة.
هذا إضافة إلى قبض مخصصات لا تدخل إلى خزينة الدولة، منها أموال مخالفات السير، وأرباح مصرف لبنان، و كازينو لبنان، وأرباح شركات الهاتف، ومداخيل المطار، والكهرباء وغيرها، والتي لا رقيب عليها، وتوزع على فئة محددة من الموظفين.
تتحدث الحكومة عن بناء الدولة، وبسط سيادتها على كامل أراضيها، فيما تُبقي العسكريين في حالة فقر مدقع، وترفض إعطاءهم راتب يكفي لتلبية المتطلبات الأساسية لعيش لائق، فكيف يمكن أن يكون مقبولاً أن يعتمد الجيش على مساعدة مالية خارجية لعناصره، تذله كل شهر، وهي بالمناسبة لا شيء (مئة دولار شهريًا) كما أن العسكري المتقاعد محروم منها.
من يريد الدولة عليه أن يطبق الأنظمة والقوانين والدستور، وليس أن يعمد إلى أساليب احتيالية على القانون، وإذلال الجيش والقوى الأمنية، وافتئات على حقوق العسكريين.
منذ سنوات رفضت الحكومات اللبنانية رصد أي مبالغ لتسليح الجيش، والآن رواتب العسكريين هي الأدنى في القطاع العام، وترفض الحكومة معالجة الأمر، وتمنّن العسكريين بإعطائهم ما تسميه “منحة” سخيفة، لا يتم دفعها مع الراتب، بل بشكل مستقل ومتعمد لإذلال العسكريين.
العسكريون لا يريدون منحة من أحد، فأبناء مؤسسة “الشرف والتضحية والوفاء” لن يقبلوا هذه الإهانة، وهم يطالبون بما هو حق لهم، وفقاً للقانون، ويطالبون بالعدل والمساواة بين الموظفين.
إذا أرادت الحكومة البحث عن مصادر تمويل، فالتفتّش عن مزاريب الهدر، وتوقف تجاوزات القانون، وتعمد إلى تعديل النظام الضريبي وإصلاحه، وتقدم مشاريع إصلاح حقيقي لمؤسسات الدولة، ولتفرض سيادتها على أملاكها المستباحة والمستغلة من قبل النافذين، والمحسوبين على زعامات سياسية وازنة، تدّعي العفة، وتتحدث عن بناء دولة مؤسسات.
هذه الحكومة لم تصنع شيئاً، سوى الاطناب بالشعارات، وتوظيف بعض المحاسيب، ولم يبق من عمرها سوى أشهر، ولم تُقدّم أي مشروع إصلاحي، ولم تغيّر شيئاً في الوضع الاقتصادي للبنان، ثم تُمنّن العسكريين بمبلغ زهيد، تسميه “منحة” وهو من أبسط الحقوق المكتسبة للعسكريين.
صحيح أن الحكومة باتت تعد أيامها، لكنها ما زالت تُفوّت على نفسها فرصة أن تكون حكومة عادلة ومنصفة، والتاريخ لن يرحم من يجبن ويتقاعس عن خدمة شعبه ووطنه، ولا من يخرق الأنظمة والقوانين، ويتغاضى عن المصلحة الوطنية لحسابات خاصة وخارجية، وهذا كله سيبقى في سجل كل وزير، لا يبادر إلى العمل بجد والقيام بواجبه، في هذه الحكومة العرجاء.



