فنزويلا بين معضلة الطاقة وصفقات تشكل خريطة العالم الجيوسياسية..
تعد الدولة البوليفارية الواقعة شمال القارة اللاتينية إحدى الدول التي بزغ نجمها في المنطقة الكاريبية. كيف لا، وهذه الدولة تحمل سياسات واضحة معادية للنظام الأمريكي وإمبرياليته منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز وحتى تولي مادورو؟

فنزويلا بين معضلة الطاقة وصفقات تشكل خريطة العالم الجيوسياسية..
✍️🧾علي عماد الدين علي ماهر البلاحي
باحث في العلاقات الدولية
📌🌍قراءة: تعكس مواقف وأبعاد القوى الكبرى العالمية وحلفاء فنزويلا من الأزمة الفنزويلية على خريطة العالم الجيوسياسية.
المقدمة
تعد الدولة البوليفارية الواقعة شمال القارة اللاتينية إحدى الدول التي بزغ نجمها في المنطقة الكاريبية.
كيف لا، وهذه الدولة تحمل سياسات واضحة معادية للنظام الأمريكي وإمبرياليته منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز وحتى تولي مادورو؟
وكانت هذه السياسات واضحة من حيث ميل السياسات الفنزويلية إلى الكفة الروسية والكفة الصينية في الكثير من المواقف، واحتضان الفنزويلي لإيران وأذرعها في المنطقة مثل حزب الله، وتورطها في تجارة الكبتاغون للنظام السوري السابق، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية الحجة القائمة للسيطرة على الوضع الفنزويلي ومجال الطاقة هناك، كما صرح الرئيس الأمريكي ترامب علنًا.
وظهرت العديد من المبادرات الأمريكية لتسوية الأمر في فنزويلا، وتحجيم القوى الداعمة لها عن طريق صفقات أو دعم ثورات أو تهدئة في الوضع، مما انعكس على الموقف الروسي والصيني والإيراني، وقلل من الدعم الصريح لفنزويلا الدولة الحليفة في القارة اللاتينية.
أولاً: الصفقة الروسية–الأمريكية في أوكرانيا وعلاقتها بالأزمة الفنزويلية
وعلى الرغم من طبيعة العلاقة القوية والاستراتيجية بين روسيا وفنزويلا في العديد من المجالات، وأبرزها المجالات السياسية والدبلوماسية التي كان أغلبها يتعلق بدعم الرفض الفنزويلي–الروسي للعقوبات والسياسات الأمريكية، إلا أن ذلك ظهر بشكل واضح في مايو الماضي عند توقيع البلدين اتفاقية شراكة استراتيجية تهدف إلى رفع العقوبات الأمريكية، وزيادة الدعم العسكري والاقتصادي، ودعم مجال النفط والطاقة، مع نية تزويد فنزويلا بأحدث منظومات الدفاع الجوي وطائرات الـSU.
ونصت اتفاقية الشراكة على مدة عشر سنوات قابلة للزيادة. وعلى الرغم من الشراكة الاستراتيجية القوية بين فنزويلا وروسيا، لم تلقَ فنزويلا من روسيا دعمًا في قضيتها مع الولايات المتحدة مقارنة بعمق الشراكة بينهما، خصوصًا بعد تدخل الرئيس ترامب الأخير في حل الأزمة الروسية–الأوكرانية ووضع خطة النقطة التي مالت لإرضاء الكفة الروسية.
وعلى الرغم من عدم نهائية الخطة، فقد أعلنت عن عدة مناطق مثل (القرم، ودونيتسك، وزابروجيا، ولوغانسك)، وهي مناطق غنية بالعديد من الثروات الطبيعية المتعلقة بالطاقة مثل الغاز الطبيعي والفحم الحجري، والطاقة النووية في زاباروجيا، مما يثير التساؤل حول إمكانية وجود صفقة روسية–أمريكية تقضي بالمساواة حول القضيتين، بحيث تترك روسيا حليفتها فنزويلا مقابل تسوية القضية الأوكرانية لصالح روسيا، خصوصًا وأن التسوية الأمريكية في أوكرانيا تحمل في طياتها صبغة جيوسياسية للطاقة، عن طريق إرضاء روسيا بأقاليم استراتيجية وغنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك المحطة النووية.
مما وضع المصلحة الروسية في مواجهة الكرملين في طريق التدخل والدعم لفنزويلا.
ثانيًا: السياسات الأمريكية تجاه الصين التي سبقت الأزمة
وعلى الرغم من السياسة الصينية الحالية المتجنبة لأي نوع من أنواع التدخل في أي صراع، إلا أن الصين كانت في الحسابات الأمريكية في قضية فنزويلا.
وعلى خلاف ما تقوم به الإدارة الأمريكية في الأشهر السابقة تجاه تايوان من زيادة الدعم العسكري الملحوظ، ظهرت العديد من المواقف الأمريكية المثيرة للغرابة، مثل تأخر وتعثر الموافقة على صفقة السلاح الأخيرة التي قدرت تقريبًا بـ 400 مليون دولار، مع تناقص الحديث عن قضية تايوان في الأشهر الأخيرة، والانشغال بقضية روسيا وأوكرانيا، والتركيز على أزمات الشرق الأوسط والحل في قضية غزة.
مما يبرز نوعًا من التهدئة المصطنعة بين الولايات المتحدة والصين، لرغبة الولايات المتحدة في عدم استغلال الصين لملف فنزويلا ضدها في دعايتها العالمية، وخصوصًا أن هناك حربًا دعائية كبرى بين الولايات المتحدة والصين، على غرار الحرب التجارية.
ثالثًا: إيران والأزمة الفنزويلية – سياسات أمريكية تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني
تعد وتيرة العلاقة الفنزويلية–الإيرانية أحد أهم العلاقات الاستراتيجية للبلدين، نظرًا للعقوبات المفروضة على كلتيهما. وتعد فنزويلا بالنسبة لإيران الباب الخلفي للهروب من العقوبات الأمريكية، وتوفير العملة الدولارية.
وعلى خلاف ذلك، تعد إيران منطقة التواجد الوحيدة للأذرع الإيرانية خارج الشرق الأوسط، مثل حزب الله، مما أقلق الإدارة الأمريكية من الوجود الإيراني في فنزويلا.
لذلك قامت الولايات المتحدة الأمريكية بعدة إجراءات تؤرق وتشغل إيران عن ملف فنزويلا، وكان في بدايتها ملف حزب الله، الذي عاد إلى الساحة من جديد في الشرق الأوسط، ودعم الابتزاز الإسرائيلي في التعدي على السيادة اللبنانية بحجة وجود حزب الله وعدم سحب السلاح منه، مما قلص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وجعل إيران مشغولة في ملف حزب الله، لأن حزب الله يعد الذراع الأكبر لإيران في المنطقة.
وعلى غرار الإجراءات الأمريكية، كان للحليف الأول لأمريكا في المنطقة، إسرائيل، ردة فعل ساعدت الولايات المتحدة في إجراءاتها ضد إيران، عبر الاعتراف بصوماليلاند والضفة الغربية لمضيق باب المندب المسيطر عليه من قبل مليشيات الحوثي التابعة لإيران، مما صعّب الأمور وزاد الانشغال الإيراني بملفات وقضايا أخرى عن قضية فنزويلا.
وجاءت الضربة الكبرى من الولايات المتحدة للنظام الإيراني نتيجة العقوبات والحرب الأخيرة، وهي السقوط التاريخي للعملة المحلية الإيرانية مقابل الدولار الأمريكي، مما أثار أزمة اقتصادية كبيرة أدت إلى إشعال احتجاجات ضخمة في إيران، استغلتها الولايات المتحدة عبر شعارات تندد بالنظام الإيراني ودعم عودة أسرة بهلوي إلى الحكم، مما أربك النظام الإيراني ومنعه من الالتفات إلى قضية فنزويلا.
✍️الخاتمة
وعلى الرغم من الانتهاك الصارخ للولايات المتحدة الأمريكية على الأراضي البوليفارية، كان هذا التصرف محسوبًا ومقدرًا من البداية، عبر الصفقات والأفعال التي قامت بها الولايات المتحدة مع شركاء فنزويلا الاستراتيجيين، سواء بالتهدئة أو تجنب الصدام مع الصين، أو صفقة تراضٍ مع روسيا، وضغط وإثارة زعزعة مع إيران، والتي سمحت للولايات المتحدة بالتصرف بحرية في الأراضي اللاتينية.
وكل هذه السياسات والأفعال للإدارة الأمريكية على صعيد السياسة الخارجية تثبت للعلن النية المبيتة للإدارة ترامب للتحكم في النفط الفنزويلي.
✍️ الكاتب:
على عماد الدين علي ماهر البلاحي
باحث في العلاقات الدولية

📌 أبرز نقاط المقال
📌 يضع المقال الأزمة الفنزويلية ضمن سياق النظام الدولي المتحوّل بعد الحرب الأوكرانية.
📌 يربط بين احتياطي النفط الفنزويلي وإعادة تشكيل خرائط الطاقة العالمية.
📌 يوضح كيف أثّرت التفاهمات الروسية–الأمريكية غير المعلنة على هامش المناورة في فنزويلا.
📌 يشرح سياسة الاحتواء الأمريكية تجاه كاراكاس بدل المواجهة المباشرة.
📌 يتناول البعد الاقتصادي للعقوبات كأداة ضغط سياسية لا كغاية بحد ذاتها.
📌 يبرز دور الصين في الحسابات الأمريكية باعتبارها المستفيد الأكبر من أي فراغ في فنزويلا.
📌 يسلّط الضوء على محاولات واشنطن تحجيم النفوذ الإيراني داخل السوق الفنزويلية.
📌 يبيّن العلاقة بين أمن الطاقة الأمريكي والاستقرار النسبي في أمريكا اللاتينية.
📌 يوضح أن التحركات الأمريكية لا تنفصل عن صراع السيطرة على الموارد الاستراتيجية.
📌 يؤكد أن فنزويلا تُستخدم كورقة تفاوض ضمن صراعات دولية أوسع.
📌 يربط بين المرونة الأمريكية الأخيرة ومتطلبات إدارة الصراع العالمي مع روسيا.
📌 يخلص إلى أن النفط يبقى العامل الحاسم في توجيه السياسات الدولية تجاه كاراكاس.



