خاص pravdatv
أخر الأخبار
“خريطة بلا سلام: أميركا ترسم، وإسرائيل تلون، وغزة تدفع الثمن”
لم يعد الصراع على غزة يتم عبر السلاح فقط، بل عبر الخرائط. فالمشروع الأميركي لتقسيم القطاع إلى مناطق نفوذ—إحداها تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، والأخرى تحت سلطة حماس—يقدّم نموذجًا جديدًا من إدارة الصراع بدل إنهائه.

خريطة بلا سلام: أميركا ترسم، وإسرائيل تلون، وغزة تدفع الثمن
رؤية تحليلية استشرافية
البروفيسور حكيم غريب
الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية – الجزائر
تمهيد – خارطة تتغير بلا اتفاق
✍️
خارطة تتغير بلا اتفاق
لم يعد الصراع على غزة يتم عبر السلاح فقط، بل عبر الخرائط. فالمشروع الأميركي لتقسيم القطاع إلى مناطق نفوذ—إحداها تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، والأخرى تحت سلطة حماس—يقدّم نموذجًا جديدًا من إدارة الصراع بدل إنهائه. فالولايات المتحدة ترسم خطوطًا هندسية على الورق، بينما تتولى إسرائيل تلوينها وفق متطلبات الأمن القومي والهيمنة الميدانية، وتُترك غزة لدفع ثمن التجربة على الأرض: تهجير، مجتمعات مؤقتة، وأمن خارج السيطرة.
هذا النموذج لا يهدف إلى تفكيك حماس كما يُعلن، بل إلى إدارة حماس داخل نطاقات ملونة، وفي الوقت نفسه خلق فضاء سياسي وأمني جديد لا يشبه دولة، ولا يشبه حربًا كاملة؛
إنه سلام بلا دولة وأمن بلا سيادة.
إنه سلام بلا دولة وأمن بلا سيادة.
في إطار التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الأمني في قطاع غزة، تبرز الخطة الأميركية الرامية إلى تقسيم القطاع إلى مناطق نفوذ بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس بوصفها محاولة لإعادة هندسة الصراع بدل تسويته، ومن ثم تتحول الخرائط إلى أدوات لإدارة القوة لا لبناء السلام. فالولايات المتحدة تقدم نفسها كوسيط يسعى إلى احتواء الأزمة، غير أن مقاربتها تنطلق من منطق التدرج الهندسي في توزيع السيطرة، عبر خلق مناطق “آمنة” تحت هيمنة إسرائيل، وأخرى “محظورة” يظل فيها نفوذ حماس قائماً ضمن حدود لونية واضحة، وهنا تتبدى
معالم هندسة جيو–سياسية تستهدف ضبط المقاومة لا تفكيكها، والتحكم في السكان لا حمايتهم.
معالم هندسة جيو–سياسية تستهدف ضبط المقاومة لا تفكيكها، والتحكم في السكان لا حمايتهم.
تقوم الخطة على رؤية تبدو للوهلة الأولى إنسانية، إذ تروج واشنطن لفكرة إنشاء مجتمعات مؤقتة للنازحين، تتضمن مرافق تعليمية وصحية وتجمعات سكنية تبدو وكأنها حلول إغاثية ظرفية، غير أن هذه الهندسة السكانية تعكس إعادة توزيع قسري للمدنيين وفق اعتبارات أمنية بحتة. فالتحرك الميداني يبدأ بإزالة الأنقاض وتأمين مناطق محددة جنوب القطاع، في إشارة إلى أن “المؤقت” يتحول إلى قاعدة دائمة بمجرد تحصينه أمنياً واستثماره سياسيًا. وهذا ما يجعل من التجمعات المقترحة أكثر من مواقع إيواء، فهي وحدات وظيفية تهدف إلى تجزئة المجال الفلسطيني وإعادة صياغة العلاقة بين الأرض والسكان تحت سلطة المراقبة الأمنية.
ويكشف العمق الأمني للخطة عن مفارقة استراتيجية تتمثل في استمرار وجود حماس داخل المشهد رغم الهدف المعلن بتفكيكها. فبدلاً من إنهاء سيطرتها، يتم استيعابها داخل نطاقات ملونة تشكل مناطق نفوذ محصورة، ما يجعل وجودها جزءًا من إدارة الصراع لا من حله، ويمنح إسرائيل والولايات المتحدة أداة ردعية مزدوجة: إبقاء المقاومة ضمن حدود قابلة للسيطرة، ومنع نشوء بديل سياسي موحد قد يغير موازين القوة. وبهذه الآلية يتحول “تفكيك حماس” من مشروع عسكري إلى سياسة إدارة زمنية لوجودها، بحيث يجري توظيفها بوصفها صمام توازن داخل منظومة أمنية مفروضة من الخارج.
على مستوى الأمن الداخلي للمجتمعات المقترحة، تتضح حالة من الغموض التركيبي في تحديد الجهة المسؤولة عن إدارة الحيز الأمني. إذ يطرح الاعتماد على فصائل مسلحة محلية كتلك التي تدعمها إسرائيل، وهو ما يكشف نزوعًا نحو خصخصة الأمن وتقسيم السلطة بين فواعل غير حكومية، في تكرار لنماذج تفتيت السلطة في حالات ما بعد النزاع في أماكن متعددة. ويتم بذلك تدوير العنف بدل إنهائه، وتجزئة الاحتكار السياسي للسلاح بدل إعادة بنائه في إطار وطني موحد، ما يمهد لظهور سلطة وظيفية مرتبطة بالاحتلال بدل مؤسسات سيادية فلسطينية مستقلة.
أما من منظور استشرافي، فإن سيناريوهات الخطة الأميركية تميل إلى تكريس نموذج “السلام التعويضي” لا السلام السياسي. إذ لا تهدف الرؤية إلى معالجة جذور الصراع، بل إلى إنتاج استقرار أمني هش يقوم على مقايضة الخدمات بالحياة، والحدود بالهدوء، والمساعدات بالإذعان، الأمر الذي يحول الاستقرار إلى وسيلة لإدامة السيطرة لا لإنهاء الاحتلال. وبهذا تتحول غزة إلى نموذج مختبر لمعادلة
أمن بلا سيادة، وسلام بلا دولة، وتعمير بلا حق تقرير المصير،
لتصبح الخريطة أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي الفلسطيني وفق قواعد القوة لا وفق مبادئ العدالة الدولية.
أمن بلا سيادة، وسلام بلا دولة، وتعمير بلا حق تقرير المصير،
لتصبح الخريطة أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي الفلسطيني وفق قواعد القوة لا وفق مبادئ العدالة الدولية.
إن الرؤية الأميركية ترسم حدوداً، لكن من يلونها ويكرسها على الأرض هو الطرف الأكثر قدرة على فرض معادلات الأمن، وهو ما يجعل قطاع غزة ساحة اختبار لعقيدة أمنية تتجاوز منطق التسوية إلى منطق الإدارة الدائمة للصراع.
✍️وهكذا يصبح السؤال الأهم ليس مدى نجاح الخطة، بل مدى الكلفة الإنسانية والسيادية التي سيدفعها الفلسطينيون قبل أن تتضح مآلات هذا النموذج الهندسي للأمن، في سياق إقليمي لا يزال يُدار بمنطق الخرائط لا بمنطق الحقوق، وبقوة الألوان لا بقوة العدالة.🔷️🔷️
1
أولًا: تقسيم جغرافي تحت غطاء إنساني
أولًا: تقسيم جغرافي تحت غطاء إنساني
يشكل التقسيم الجغرافي المقترح ضمن الخطة الأميركية لإدارة قطاع غزة نموذجًا دالًا على توظيف البعد الإنساني كمدخل لإعادة صياغة الخريطة السياسية والأمنية للقطاع. فالمقاربة لا تقدم نفسها بوصفها مشروعًا لتفتيت المجال الجغرافي الفلسطيني، بل كاستجابة “إغاثية” تستهدف توفير ملاذات سكنية آمنة للنازحين عبر ما يسمى “المجتمعات المؤقتة”. غير أن هذا الخطاب الإنساني يعمل بوظيفة مزدوجة، حيث يشكل غطاءً لإعادة توزيع السكان ضمن مناطق هندسية تخضع لمعادلات السيطرة الأمنية، لا لمقتضيات الحماية المدنية.
🔷️فالخطة تميز بين مناطق “خضراء” تحت الرقابة الميدانية للجيش الإسرائيلي، وأخرى “حمراء” تضم نفوذ حركة حماس، دون مقاربة سياسية لمعالجة جذور الصراع، الأمر الذي يجعل من عملية التقسيم إعادة إنتاج لبنية الصراع في خرائط جديدة بدل تجاوزها🔷️.
🤝إن ما يُقدم باعتباره مشروعًا لإيواء المدنيين وتخفيف حدة المعاناة الإنسانية، ينطوي في العمق على هندسة سكانية تسعى إلى تحويل النزوح القسري إلى تنظيم سكاني مُراقَب، حيث يتم نقل المدنيين إلى تجمعات مغلقة تتوافر فيها الخدمات الأساسية، ولكن ضمن أوعية مكانية تُدار أمنيًا من الخارج. وهذا يفضي إلى إعادة تعريف العلاقة بين السكان والأرض ليس على أساس المواطنة والسيادة، بل استنادًا إلى شرط الإقامة ضمن مجالات مراقبة، ما يحول البنية السكانية إلى عنصر من عناصر الضبط الأمني، ويجعل من المجتمعات المؤقتة آلية لإدارة المدنيين أكثر مما تشكل استجابة إنسانية لاحتياجاتهم الطارئة.
وبذلك يتضح أن “المؤقت” في هذه الخطة ليس ظرفيًا، بل قابل للتحول إلى دائم مع مرور الوقت، كما حدث في تجارب تاريخية عديدة ارتبط فيها الإيواء المؤقت بتثبيت وقائع سياسية جديدة، بدءًا من المخيمات الفلسطينية عام 1948 وصولًا إلى المناطق الأمنية المؤقتة في جنوب لبنان. بهذا يصبح التقسيم الجغرافي تحت ستار إنساني جزءًا من استراتيجية عبر–أمنية تستثمر المعاناة لتوليد ترتيبات جيوسياسية جديدة، ما يحوّل الإنقاذ الإنساني إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي الفلسطيني عبر منطق السيطرة لا منطق العدالة.
2
ثانيًا: تفكيك حماس… بشرط بقائها ضمن الخريطة
ثانيًا: تفكيك حماس… بشرط بقائها ضمن الخريطة
يطرح البعد المتعلق بتفكيك حركة حماس في الخطة الأميركية مفارقة مركزية مفادها أن المشروع لا يستهدف إنهاء وجود الحركة بقدر ما يسعى إلى إعادة تموضعها داخل حدود جغرافية وظيفية. فبدل التعامل مع حماس بوصفها فاعلًا منتهي الصلاحية يتعين تفكيكه أو عزله بالكامل، يجري إدراجها في منظومة سيطرة مقيدة تحوّل وجودها إلى جزء من إدارة الصراع لا من أدوات حسمه.
ويكشف هذا التوجّه عن إدراك أميركي–إسرائيلي بأن إقصاء الحركة بصورة كاملة قد ينتج فراغًا سياسيًا وأمنيًا لا يمكن التحكم في مساراته، في حين أن الاحتفاظ بها ضمن نطاق محدد يسمح بصياغة توازنات يمكن إدارتها وتوجيه آثارها بما يخدم أهداف تراتبية للسيطرة.
📍إن إبقاء حماس داخل “المربّعات الحمراء” يجعل منها سلطة مقيدة ضمن نطاق هندسي لا تعبره، ويعيد تعريف الحركة من فاعل مقاوم إلى سلطة موضعية محصورة وظيفيًا، خاضعة لقيود جغرافية تجعل نشاطها قابلًا للضبط والمراقبة، لا للتمدّد أو تغيير قواعد الاشتباك. وضمن هذا التصور، يتحول “تفكيك حماس” من مشروع أمني يقوم على الاستئصال إلى مشروع إدارة يقوم على الاحتواء، إذ تتم إدارة الحركة ضمن مساحات ضيقة تشبه “محميات سياسية” تخضع للسيطرة من الخارج، بينما يجبر سكانها على التعايش مع واقع سياسي غير قابل للتغيير بفعل القيود الهندسية–الأمنية المفروضة عليهم
📌ويسهم هذا التوظيف في تثبيت توازنات قسرية داخل القطاع، إذ تصبح حماس جزءًا من معادلة ضبط الأمن، لا جزءًا من معادلة تقرير المصير، ويتحوّل وجودها إلى عنصر من عناصر إدارة السكان، حيث يشكل استمرارها داخل حدود معينة مبررًا دائمًا لتأجيل أي حل سياسي شامل، بذريعة أن الصراع لا يزال غير قابل للتسوية. وبذلك تتحول الحركة إلى عامل استقرار وظيفي داخل مشروع السيطرة الذي يتجاوزها، لا إلى فاعل يمتلك القدرة على تغيير قواعد اللعبة أو فرض مشروع بديل.
🔴وتكشف هذه المقاربة عن استخدام مزدوج لحماس: فمن جهة تُقدَّم في الخطاب الدولي على أنها مشكلة أمنية يجب احتواؤها، ومن جهة أخرى تُستثمر في الميدان بوصفها كيانًا قابلًا للضبط وملائمًا لاستمرار ديناميكية الأمن داخل القطاع، إذ يتم استدعاء وجودها كذريعة تبرر بقاء الرقابة الإسرائيلية على الحدود، واستمرار إدارة الشأن الفلسطيني عبر وسيط خارجي. 🔴وبهذا يتحول مطلب تفكيك حماس في الخطة الأميركية إلى أداة تأجيل للسلام، لا خطوة للوصول إليه، لأن الحسم النهائي يفقد تلك القوى القدرة على إدارة الصراع عبر بنية الهشاشة المستدامة.
⚫️إن “تفكيك حماس بشرط بقائها ضمن الخريطة” يمثل نموذجًا لإنتاج فاعل سياسي محدود الصلاحية ومقيد الجغرافيا، يتم توظيفه بوصفه جزءًا من منظومة السيطرة داخل قطاع غزة، وليس طرفًا في مستقبل سياسي قابل للتفاوض على أساس دولة أو سيادة.
🔴ولذلك فإن هذا البعد لا ينطوي على إنهاء الصراع، بل على إعادة تشكيله بطريقة تجعل الحركة وكل الفضاء المحيط بها جزءًا من هندسة أمنية تؤجل الحل وتُبقي غزة في موقع معلق بين سلطة بلا دولة ومعارضة بلا قدرة على تجاوز حدود الخريطة.
3
ثالثًا: مجتمعات مؤقتة… بملامح دائمة
ثالثًا: مجتمعات مؤقتة… بملامح دائمة
يتخذ مفهوم “المجتمعات المؤقتة” في الخطة الأميركية طابعًا إنسانيًا في الظاهر، لكنه يحمل في عمقه ملامح إعادة تشكيل دائمة للبنية الديموغرافية والسياسية في قطاع غزة. فالخطة لا تقترح مأوى عاجلًا أو تدبيرًا إغاثيًا ظرفيًا، بل تقدم نموذجًا لفضاءات سكنية مُحكمة التنظيم، يتم فيها نقل النازحين إلى تجمعات جديدة تُدار أمنيًا وتُخضع لرقابة مشددة، ما يجعل من “الإقامة المؤقتة” آلية انضباط سكاني ووسيلة لإعادة ترتيب علاقة السكان بالأرض وفق منطق السيطرة لا وفق منطق العودة. ويترتب على ذلك تحول الإنسان الفلسطيني من صاحب حق في الأرض إلى مُقيم داخل نطاق وظيفي، تحكمه قوانين الإدارة الأمنية، وتحدد حركة جسده ووجوده داخل مساحات مصممة سياسيًا، لا اجتماعيًا.
وهذا النوع من الإيواء لا يعكس مجرد تنظيم مرحلي للنازحين، بل يضع أسسًا لواقع قابل للاستدامة، إذ يترافق مع بنية خدمية وصحية وتعليمية ظاهرها الرعاية، وباطنها تصنيع فضاءات معيشية ذات طابع احتوائي تشتغل على تحويل المدنيين إلى “وحدات اجتماعية قابلة للمراقبة”، يتم ضبط احتياجاتها وتوجيه سلوكها عبر تقييد المجال الجغرافي الذي تتحرك داخله. ومع مرور الوقت، يصبح “المؤقت” بنية متجذرة تُنتج نمط حياة مستقلًا عن حق العودة إلى المناطق الأصلية، وتحوّل النزوح من حالة استثنائية إلى نمط سكني مُقنّن يعيد تعريف الهوية الاجتماعية والعلاقة بالمكان.
إن المجتمعات المؤقتة ليست حلاً للدمار، بل آلية سياسية لتدوير النزوح وتحويله إلى هندسة ديموغرافية تخدم إستراتيجية أمن طويل الأمد، حيث تتآكل القدرة الفلسطينية على إعادة بناء المجال الوطني الموحد، ويُعاد تشكيل القطاع بوصفه فضاءً مُتقاسَمًا بين مناطق نفوذ، يقطنه سكان موزعون ضمن وحدات استيطانية معكوسة، تقوم على مبدأ الحماية مقابل الامتثال.
وبهذا يتحول الإعمار إلى وظيفة سياسية لا إنسانية؛ فلا يُعاد بناء غزة بوصفها كيانًا متكاملًا، بل يُعاد تركيبها كفسيفساء اجتماعية يتم التحكم بمساراتها اليومية عبر إدارة محكومة من الخارج.
وعليه، فإن ما يُسمى مجتمعات مؤقتة إنما يشكل تأسيسًا لواقع ما بعد النزوح، حيث تتلاشى ملامح العودة إلى المكان الأصلي، ويجري خلق “مجتمع بديل” داخل نطاقات مُسيَّجة، تُصنع له خدمات، وتُحدد له أنماط السلوك، وتُعاد صياغة علاقته بالدولة والاحتلال معًا.
إن المؤقت هنا ليس زمنًا عابرًا، بل استراتيجية طويلة المدى تُستخدم لفرض نظام أمني جديد عبر أدوات عمرانية وإنسانية، في تكرار نماذج جيو–سياسية سبق توظيفها لفرض واقع دائم تحت شعار الإغاثة، ما يجعل من هذه المجتمعات المقترحة خطوة تأسيسية لهيكلة ديموغرافية تُعيد صياغة المستقبل الفلسطيني وفق خرائط القوة لا وفق مبادئ السيادة والحق في الأرض.
4
رابعًا: من يدير الأمن؟ سؤال بلا إجابة
رابعًا: من يدير الأمن؟ سؤال بلا إجابة
يُعد البعد الأمني في خطة تقسيم غزة الحلقة الأكثر التباسًا في بنيتها، إذ يُطرح كشرط وجودي لنجاح ما يسمى بالمجتمعات المؤقتة، لكنه يُقدَّم بلا تصور واضح عن الجهة التي ستتولى إدارة هذا الأمن أو احتكاره. فإسرائيل، رغم سيطرتها العسكرية على المناطق “الخضراء”، لا تعلن استعدادها لتحمل مسؤولية إدارة أمنية كاملة للسكان داخلها، بل تبحث عن وسطاء محليين يمكن توظيفهم كقوة تنفيذية تفصل بينها وبين الفلسطينيين. وفي المقابل، لا تقدم الولايات المتحدة تصورًا لسلطة فلسطينية جامعة يمكن أن تمارس هذا الدور، بل تميل إلى خيارات جزئية تتسم بالهشاشة، بينها الاعتماد على فصائل محلية مسلحة تُمنح صفة الحارس الأمني تحت إشراف إسرائيلي، في نمط يمزج بين الخصخصة الأمنية ومنطق الوكيل العسكري. وهنا يتحول الأمن من وظيفة سيادية إلى خدمة تُدار عبر فاعلين غير رسميين، يخضعون لمعادلة التمويل والتوجيه بدل الولاء الوطني والانضباط المؤسسي.
🔷️إن هذا الطرح يعكس نموذجًا خطيرًا لإعادة تشكيل السلطة في غزة لا يقوم على بناء جهاز أمني موحد أو سلطة سياسية مؤسساتية، بل على تفتيت القوة الاحتكارية للسلاح بين مجموعات ذات هويات وظيفية، مرتبطة بداعم خارجي يوفر لها الغطاء والشرعية.
📌والنتيجة المتوقعة ليست استقرارًا أمنيًا، بل إنتاج سوق للعنف المنظّم، تكون فيه السلطة موزعة بين كيانات شبه عسكرية، ما يفتح الباب أمام تنافس داخلي وتضارب في المهام والولاءات، ويخلق بيئة خصبة لاقتصاديات الحرب والتهريب والسلاح. وعوضًا عن تفكيك البنية المسلحة داخل القطاع، يجري ترسيخها في شكل سلطات مجزأة، تقود إلى اضطرابات مستدامة تتغذى على غياب الدولة وتحوّل الأمن إلى مجال للنزاع بدل أن يكون إطارًا لضبطه.
👤ولا يقلّ هذا السيناريو خطورة عن طرح نشر قوة استقرار دولية لاحقًا، إذ إن هذا الخيار يجعل الأمن في غزة أداة للهيمنة الدولية تحت غطاء “السلام”، ويحوّل القطاع إلى مجال اختبار لتوازنات القوى لا إلى ساحة بناء سلطة وطنية مستقلة.
كما أن الاعتماد على “شرطة محلية لاحقة” لا يعدو أن يكون وعدًا مؤجلًا وغير ملزم، يتوقف تحققه على توافقات خارجية لا على إرادة داخلية فلسطينية، ما يجعل الأمن مشروعًا مُدارًا من الخارج، قابلًا للانهيار عند أي تغير في المصالح أو التحالفات الدولية.
✍️هكذا يكشف سؤال “من يدير الأمن؟” عن جوهر الخطة لا عن ثغرتها. فالغموض ليس مجرد نقص في التفاصيل، بل أداة مقصودة تهدف إلى إبقاء غزة بلا مركز سيادي واضح، وإلى تحويل الأمن إلى مجال تنافسي بين فواعل متعدّدة تخضع لمنطق الرعاية لا لمنطق الدولة.
وبهذا، لا يسهم المشروع في إعادة بناء السلطة الفلسطينية، ولا في تفكيك سيطرة حماس بشكل منظم، بل في إنتاج فضاء أمني يتحرك خارج منطق السيادة، ويتحول إلى منظومة مراقبة تُدار بمنطق الهندسة السياسية لا بمنطق القانون والسيادة الوطنية. إن غياب الإجابة على سؤال من يدير الأمن ليس فراغًا عرضيًا، بل استراتيجية لإدامة السيطرة عبر تعويم السلطة وتفريغ السيادة من محتواها، بحيث لا تبقى غزة محاصرة جغرافيًا فقط، بل محاصرة أمنيًا بين أطراف لا تمتلك حق القرار إلا بقدر ما يتوافق مع مصالح الخارج.
5
استشراف: مستقبل غزة تحت الخرائط الأميركية
استشراف: مستقبل غزة تحت الخرائط الأميركية
يتيح استشراف مستقبل غزة تحت الخطة الأميركية مجالًا واسعًا لفهم تحوّلات الصراع بوصفها عملية إعادة تشكيل جيو–سياسية، لا مجرد ترتيبات إنسانية أو أمنية ظرفية. فهذه الخطة لا تعمل على إنهاء الحرب، بل تسعى إلى “تدبير ما بعد الحرب” بطريقة تُبقي قطاع غزة في حالة سيولة سياسية وأمنية، بحيث لا ينتج كيانًا سياسيًا موحدًا يمكنه امتلاك قرار السيادة أو التحكم في المجال الجغرافي. ويتأسس هذا الاستشراف على ثلاثة مرتكزات مترابطة:
استمرار الهشاشة كأداة حكم، وترسيخ التجزئة بوصفها هندسة سكانية، وتحويل الإعمار إلى وظيفة سياسية مشروطة بإذعان أمني طويل المدى.
في السيناريو الأول
تتجه الخطة نحو تكريس نموذج “الاستقرار المقنن”، حيث تبقى غزة محكومة بواقع أمني هجين، يتيح لإسرائيل مراقبة القطاع دون تحمّل أعباء الاحتلال المباشر، ويمنح الولايات المتحدة دورًا إداريًا غير سيادي في توجيه مسارات إعادة الإعمار. .
وفي هذا السياق، تتحول المجتمعات المؤقتة إلى بنى ثابتة، يصبح فيها النزوح شكلًا من أشكال الإقامة الرسمية، ما يؤدي إلى إعادة ترسيم العلاقة بين السكان والأرض على أساس خدمة الدولة لا حق تقرير المصير. وبهذا، تتم إدارة الفلسطينيين لا بالسياسة، بل عبر أدوات الإغاثة والبنية المؤقتة التي تعيد إنتاج السيطرة داخل غلاف إنساني.
أما السيناريو الثاني
فيكشف احتمال انفراد إسرائيل بالقرار الأمني في حال فشل الإدارة المشتركة أو تعثر مشروع الوساطة الدولية. ففي هذا المسار، تتوسع سيطرة الاحتلال من مناطق “خضراء” مؤقتة إلى مناطق نفوذ متصاعدة، مع توظيف وكلاء محليين لإدارة الشأن الأمني، بحيث يتم تفريغ مفهوم الدولة الفلسطينية من مضمونه عبر تكوين سلطات وظيفية منزوعة الشرعية السيادية، وتابعة بنيويًا لمنظومة القوة الإسرائيلية.
وفي هذا النموذج، تتحول غزة إلى فضاء أمني مغلق، خاضع لرقابة طويلة المدى، يتشكل ضمنه مجتمع سياسي “مُعطَّل” غير قادر على فرض مشروع وطني جامع.
وفي السيناريو الثالث
يظهر احتمال فشل الهندسة الأميركية نتيجة تصدع الفاعلين المحليين أو تصاعد مقاومة سياسية–عسكرية ترفض اعترافًا ضمنيًا بتقسيم القطاع. ففي حالات كهذه، تتحول المجتمعات المؤقتة إلى نقاط اشتباك جديدة بدل كونها مراكز إيواء، وتصبح الفصائل المحلية المدعومة خارجيًا جزءًا من صراع متعدد المستويات، ما يؤدي إلى تفكك النظام الأمني المقترح وظهور فاعلين أكثر تنظيمًا وقدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة. وهذا السيناريو يعيد غزة إلى نقطة الانفجار، حيث تبدأ موجة صراع جديدة لا تنتج سلطة مستقرة بل مقاومة تستفيد من هشاشة الإدارة الدولية لتوسيع قدرتها على الفعل.
هكذا يتضح أن مستقبل غزة تحت الخرائط الأميركية محكوم بنموذج “السلام المراقَب لا السلام المنتج للسيادة”. فالمستقبل ليس مرهونًا بقدرة الخطة على النجاح، بل بمدى قدرة الفلسطينيين على تفكيك هندسة السيطرة التي تقدم نفسها في هيئة حماية إنسانية.
فإما أن تتحول غزة إلى وحدة وظيفية داخل منظومة ضبط إقليمي تُدار من الخارج، وإما أن تعيد إنتاج مشروع سياسي يقاوم هذه الهندسة ويعيد تعريف الأمن بوصفه جزءًا من السيادة، لا أداة لتسويغ التقسيم. وبين هذين المسارين، يظل سؤال السيادة لا الإعمار هو ما سيحدد وجه غزة في مرحلة ما بعد الخرائط الأميركية، لأن إعادة البناء دون قرار وطني ليست إعمارًا للدولة، بل تعميرًا لخرائط الآخرين على حساب أصحاب الأرض.
الخاتمة
الخاتمة
في نهاية هذا التحليل، يتضح أن الخطة الأميركية لا تمثل مشروعًا لإنهاء الحرب في غزة، ولا لبناء سلام مستدام كما تُطرح في الخطاب الدبلوماسي، بل هي صيغة لإعادة إنتاج السيطرة بأكثر أدواتها نعومة وفاعلية. فالخرائط التي تُسوَّق بوصفها حلًا إنسانيًا لإيواء النازحين، ليست سوى إعادة رسم لموازين القوة، حيث يُستبدل جدار الاحتلال بجدار لوني، وتتحول “المناطق الآمنة” إلى فضاءات مراقبة، بينما يُختزل الفلسطيني إلى مقيم داخل حدود هندسية تُشرف عليها قوات أجنبية، لا إلى مواطن يمتلك سيادة على أرضه. وهكذا، تصبح المساعدات بديلاً عن الحقوق، والمأوى بديلاً عن الأرض، والإدارة الدولية بديلاً عن الدولة، ويصبح الدفاع عن الحياة ذريعة لابتلاع الجغرافيا وانتزاع القرار السياسي من أصحابه.
إن ما يُعرض اليوم ليس إعادة إعمار غزة، بل إعادة تشكيلها بما يفرغها من جوهرها السياسي. فالتقسيم لا يُفكك حماس بقدر ما يفكك معنى الوحدة الوطنية، والتهدئة لا تُنهي الصراع بقدر ما تطبق إيقاعًا جديدًا له، حيث يتحول الأمن من حماية السكان إلى التحكم فيهم، ويتحول السلام من حق مكتسب إلى شرط مفروض من الخارج. وبذلك يُجرّد الفلسطيني من امتيازه الوحيد الذي لا تستطيع القوة العسكرية مصادرته: حقه في تقرير مصيره بوصفه صاحب الأرض لا نزيلًا داخلها.




