اخبار روسيامقالات

في ذكرى ٢٢٤ على ولادة شاعر روسيا العظيم

ترجمته إلى العربية الدكتورة والكاتبة جمال القرى

في الذكرى الـ 224 على ولادة شاعر روسيا العظيم ألكسندر سيرغيفيتش بوشكين أورد نصّاً مطولّاً عن ديمتري بلييايف حول  “بوشكين ونيقولاي الأول”، يضيء على صفحات مجهولة من شخصية بوشكين وعلاقته بالسلطة:

كان الكونت يوليّ ستروتينسكي، المولود في العام 1810، هو الأخير المنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية البولندية العليا. في العام 1829 دخل فوج ميتسكي غوسار، وفي ثلاثينيات القرن الـ 19، زار الضابط الشاب موسكو عدة مرات، حيث كانت ابنة عمه متزوجة من الأمير غوليتسين. وفي إحدى المرات، تعرّف إلى بوشكين، وكان له معه حديث طويل كتب عنه لاحقاً في إحدى مجلدات مذكراته التي نُشرت في كراكوف في العام 1873 تحت اسم مستعار هو يولي ساسا. ومات بعد خمس سنوات تاركاً وراءه بالإضافة إلى مذكراته، أكثر من عشر مجلداتٍ من الشعر والنثر، توحي بموهبة فنية ضعيفة، ولكن بثقافةٍ عاليةٍ للمؤلف. بعد وفاته، كان قد نًسي تماماً، وفي الآونة الأخيرة فقط، في المجلة الأسبوعية “تقارير أدبية”، أعاد السيد توبوروفسكي طباعة مذكراته عن محادثته مع بوشكين. ومتى جرت هذه المحادثة بالضبط، فالمؤلف نفسه لا يشير إلى ذلك. ولكن على أساس المعطيات، يكتب توبوروفسكي أنها تعود إلى العام 1830. وهنا النص الكامل الذي أدلى به ستروتنسكي:

“التقيت بوشكين في إحدى الأمسيات. وحصل التعارف الأول بواسطة الشاعرة كارولينا يانيش التي أعطاها ميتسكيفيتش دروساً في اللغة البولندية والتي ترجمت بعض أعماله إلى الألمانية. قدّمتني إلى بوشكين، واسترعيت انتباهه. وبما أن طبيعة هذا الرجل العظيم تجمع الودّ مع الموهبة، فقد رأيت كيف أنه حاول أن ينزل إلى مستواي، وكيف أن عبقريته جعلته يتكيّف مع فهمي، ويضفي طابع النديّة بيننا، بين أرثوذكسي مع أورثوذكسي، بين إنسان وإنسان.

 

“الشباب”، – قال بوشكين – هو الحمّى والجنون والهجوم. دوافعه عادة ما تكون نبيلة، وبالمعنى الأخلاقي هو حتى ساميّ، ولكن في كثير من الأحيان يؤدي إلى حماقة كبيرة، وحتى إلى خطأ كبير .من المحتمل أنك تعرف عن اعتباري ليبرالياً، ثورياً، متآمراً، أي، واحد من أكثر أعداء الملكية والاستبداد ثباتاً لأنه كُتب وقيل عن هذا الكثير، وهذا ما كنته في واقع الحال.

 

أرسى تاريخ اليونان وروما في وعيي صورة عظيمة عن الشكل الجمهوري للحكم، مزيّن بهالةٍ من الحكماء العظماء، والفلاسفة والمشرّعين والأبطال، كنت مقتنعاً بأن هذا الشكل هو الشكل الأفضل من الحكم.

 

لقد وضعت فلسفة القرن الثامن عشر لنفسها غرض وحيد، هو حرية شخصية الإنسان ولهذا، سعت بكل قوة لنفي القوانين الاجتماعية والسياسية السابقة، والسخرية منها، ما انسحب من قرنٍ الى قرن ومن جيل الى جيل. إن فلسفة الموسوعيين هذه التي جلبت للعالم الكثير من الخير، تسبّبت لي بالضرر بما لا يُقاس. فالنظريات المتطرّفة للحرية المطلقة، التي لا تعترف بأي شيء سواها على الأرض أو في السماء؛ والفردية التي تتجاهل أسس وتقاليد وعادات الأسرة والشعب والدولة؛ ونفي أي إيمانٍ بالآخرة، وجميع الطقوس الدينية والعقائد، كل هذا ملأ رأسي ببعض الفوضى المشعّة والمفعمة بالأحلام ، بالسراب، بالمثل العليا، حيث ضاع عقلي وخلق في داخلي نوايا غبية. لقد بدا لي أن احترام القانون هو إذلال، وكل سلطةٍ هي عنف، وكل ملك هو ظالم وطاغية في بلده، ويجب الهجوم عليه بالقول والفعل.

 

ليس من المستغرب أنه تحت تأثير هذا الخطأ، تصرّفت بشكل غير عقلاني وكتبت بتحدٍ مع تبجّحٍ شبابيٍ عن كل ما ينطوي على الخطر والعقاب. ولا أنسى كم فرحت عندما مُنعت من الدخول إلى كلتي العاصمتين وحاصرتني الشرطة. لقد تخيّلت أنني كبرت إلى حجم رجل عظيم وإلى حدٍ أخفتُ فيه الحكومة إلى حدٍ كبير، لقد تصوّرت بأني تساويت مع شخصية بلوتارخ واستحقيت المجد الخالد في البانثيون (معبد الآلهة في روما القديمة)!

 

لكن لكل شيء وقته ومدته. لقد غيّر الوقت الهذيان المحموم للشباب، وطارت كل الصبيانية بعيداً. اختفت كل الأخطاء. وابتدأ القلب يتكلم مع العقل بكلمات الوحي السماوي، وعندما استمع العقل إلى نداء الخلاص وثاب إلى رشده، هدأت وتصالحت مع نفسي؛ وعندما نظرت حولي، بتركيزٍ أكبر، توغّلت عميقاً في الواقع، – لقد أدركت أن ما كان يسمى حتى الآن حقيقة، كان كذبة، وهماً، أما الأهداف التي وضعتها لنفسي، فقد هدّدها السقوط والجريمة والعار! وأدركت بأن الحرية المطلقة التي لا يحدّها أي قانون إلهي، أو أسس اجتماعية، تلك الحرية التي يثرثرها الأطفال أوالمجانين هي أمر مستحيل، ولو كان ذلك ممكنًا، فستكون كارثية، سواء بالنسبة للفرد أو للمجتمع. .وأنه بدون سلطة شرعية تتابع حياة الشعب العامة، لم يكن ليكون وطن، ولا دولة، ولا قوة سياسية، ولا مجد تاريخي، ولا تطوّر؛ ففي بلد مثل روسيا، حيث تنوّع عناصر الدولة، واتساع الفضاء الجغرافي، وجهل الجماهير حتى النبلاء منهم الذي يتطلّب الإرشاد الفاعل – في هكذا بلاد، يجب أن تكون السلطة موحّدة ومتناسقة ومرشدة، وينبغي أن تبقى لوقتٍ طويلٍ ديكتاتورية أو إستبدادية، لأنه خلاف ذلك، لن تكون ذات هيبة، في حين أننا لازلنا بحاجة لوجود أي نوعٍ من السلطة – من أجل أن نتواضع أمامها ونرى فيها كل القوة المستمدة من الله ولسماع صوت الله نفسه فيها.

 

وبطبيعة الحال، فإن هذا الإستبداد، هذا الحكم الإستبدادي المنوط بشخصٍ واحدٍ يقف فوق القانون، لأنه هو نفسه الذي يضع القانون، لا يمكنه أن يكون معياراً ثابتاً يحدد المستقبل، فالأوتوقراطية مقدر لها أن تخضع لتغيير، وليس لديها وقت لتشارك نصف سلطتها مع الشعب. لكن هذا لن يكون قريباً ولا يمكن أن يكون كذلك.

 

“-لماذا لا ينبغي ذلك؟” سألت بتعجّب؟.

-أجاب بوشكين: “كل شيء مفاجئ ضار”. – فالعين المعتادة على الظلام، يجب أن تخرج تدريجياً إلى الضوء. فالعبد المخلوق عبداً، يجب أن يدرس بالتدريج الاستخدام المعقول للحرية. هل تعلم ان شعبنا لا يزال يعيش في الظلام، وحشي تقريباً؛ إذا تساهلت معه – سوف يجنّ. ونبلاؤنا ليس بأفضل حال. فخلف بريقه الخارجي يكمن الظلام الداخلي العميق.

 

فلدى الشعب، يمكنك على الأقل إيجاد قلب، ولكن ليس لدى النبلاء قلب! من هو الظالم الحقيقي للشعب؟ القلب! من يعوّق تطوير مفاهيمه، ثقافته وعقله؟ القلب! من يهدر كل جهود السلطة لتحسين حياة الناس؟ هو! عندنا كل مالك أرض هو حاكم مستبد لرعاياه. فهو يتغذى من عرقهم ويشرب من دمهم! ويدفع ثمن عملهم على رحلات لا لزوم لها إلى الخارج، حيث يعود مع جيوب فارغة ورأس كامل من الأفكار الفلسفية، الخيرية، والتقدمية، التي يزرعها في بيته، ويأخذ من الرجل البائس جلده ويعذبه بوحشية.

 

-وماذا عن السلطة؟ سألت.

“السلطة العليا لا تعرف عن هذا، لأن هناك رشوة للمسؤولين!” أجاب بوشكين وقفز من مقعده.

“ولكن هناك محافظون، قادة نبلاء، رؤساء إدارات الدرك التي من خلالهم يجب أن تصل الحقيقة إلى أعلى دوائر الحكومة وصولاً إلى الإمبراطور نفسه؟”

“أليس هؤلاء المحافظون هم أنفسهم ملاّكو الأراضي؟” توقف بوشكين. “أليس لهؤلاء القادة رعاياهم؟” الغراب لا ينقلب على الغراب، يا صديقي! أن تعيش مع الذئاب – فستعوّي كالذئاب! هذه حقيقة أبدية لا تقبل الجدل.

 

-وأكثر من ذلك، فهذا حزين! أردفت.

“-هذا صحيح” ، تابع بوشكين، فذلك ليس ممتعاً يا صديقي، أن تنظر إلى ما يجري عندنا، ولكن سيكون من غير العدل أن نضع كل الذنب على الإمبراطور نيقولاي.” فأنا أعرفه أكثر من غيره، لأنها أتيحت لي تلك الفرصة. فهو لم يشترني بالذهب والوعود، لأنه كان يعلم أنني لا أُباع ولا أُشترى؛ ولم يبهرني بتألّق الهالة الملكية، لأنه في فضاءات الإلهام العالية، حيث تصل روحي، كنت معتاداً على إشراق أكبر؛ فهو لم يستطع أن يهدّدني بالتخلّي عن قناعاتي، لأنه بصرف النظر عن الضمير والله، فأنا لا أخاف من أي شيء، ولن أرتعش أمام أي شخص. وأنا هو هو، سأبقى حتى نهاية أيامي كما كنت في أعماق طبيعتي: أحب أرضي، أحب الحرية ومجد الوطن، وأكرِّم الحقيقة وأكافح من أجل روحي وقلبي.

 

غير أنه لا بد لي من الإعتراف (لماذا لا نعترف؟) أنني مدين للإمبراطور نيقولاي بعودة أفكاري إلى مسارٍ أكثر صحة ومعقولية، والذي كنت أسعى إليه منذ فترة طويلة، وربما كان عبثاً أنني لم أكن أنظر مباشرة إلى العالم، ولكن من خلال البلّور الذي يعكس لونًا زائفًا لأبسط الحقائق، ونظرت ليس كشخصٍ قادرٍ على فهم الحاجات الحقيقية للمجتمع، بل كصبيٍ، طالبٍ، شاعرٍ يشعر بالرضا عن كل ما يجذبه، ما يغريه وما يذهله!

 

أتذكر أنه عندما أعلموني بأمر مثولي أمام القيصر، أظلمت روحي فجأة – ولكني لم أقلق، لا! بل شعرت بشيء يشبه الكراهية والغضب والاشمئزاز. انتفض العقل بسخرية، وارتسمت ابتسامة على شفتي، وارتجف القلب من صوتٍ كأنه من الأعلى، الذي بدا لي أنه يناديني إلى لعب دور الجمهوري الصاخب، كاتون، أو حتى بروتوس. ولم أكن لأنتهي أبداً، لو كنت قد فكرت في نقل جميع المشاعر التي شعرت بها على الطريق إلى القصر الإمبراطوري.

 

وماذا؟ لقد طارت كل تلك المشاعر مثل فقّاعات الصابون، واختفت في العدم، مثل الأحلام عندما ظهر أمامي وتحدث إليّ. فبدلاً من الطاغية المستبد المتكبّرالممسك بالسوط، شاهدت قيصراً جميلاً، مهيباً، شخصاً نبيلاً. وبدلاً من الكلمات الفظّة واللاذعة من التهديد والإستياء، سمعت عتابًا متسامحاً، عُبّرعنه بتعاطفٍ وإيجابية.

 

– كيف؟ “قال لي الإمبراطور، أنت عدو مملكته؟” أنت ، التي نمّته روسيا وغطتّه بالمجد؟ بوشكين، بوشكين! هذا ليس جيداً! لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك!

كنت عاجزاً عن الكلام تحت تأثير الإثارة والخوف. وتجمّدت الكلمة على شفتيي. كان الإمبراطور صامتاً، غير أنه بدا لي أن صوته الرنّان ما زال يرنّ في أذني، وصدّقني، لقد أرجعني إلى رشدي. مرّت اللحظات سريعاً، ولكنني لم أجب.

– “لماذا لا تتكلّم؟” أنا بالإنتظار؟! – قالها الإمبراطور ونظر إليّ بتمعّن.

 

منبهراً بتلك الكلمات، وأكثر منها بهذه النظرة، أخيراً ثبت إلى رشدي، أخذت نفساً وقلت بهدوء:

– أنا مذنب، – وأنتظر العقوبة.- 

– “أنا لست معتاداً على التسرّع بالعقاب!” أجاب الإمبراطور بحزم. “إذا استطعت تجنّب هذه المسألة، فسأكون سعيداً. لكنني أطلب خضوعاً كاملاً وواعيًا لإرادتي. وأطلب منك بألا تجبرني على أن أكون صارماً، وذلك، كي تساعدني لأكون متسامحاً وكريماً. أنت لم تعترض على التلويح بالعداء تجاه قيصرك – أخبرني، لماذا أنت عدوه؟

 

– “اعذرني يا صاحب الجلالة، بأن لا أجيب على سؤالك في الحال، لقد أعطيتك سبباً للتفكير بي بشكلٍ خاطئ”. لم أكن أبداً عدو مليكي، لكني كنت عدو الملكية المطلقة.

ابتسم الإمبراطور على هذا الإعتراف الجريء وصرخ مربّتاً على كتفي:

 

-حلم حركة الكاربوناريين الايطالية والجمعية القومية الألمانية! الأحلام الجمهورية لجميع الرياضيين، طلاب المدارس والمفكرين الخام من قاعات الجامعات! مظهرهم مهيب وجميل – وحقيقتهم ضارّة وتثير الشفقة! الجمهورية هي يوتوبيا، ولأنها تمثّل حالة انتقالية، غير طبيعية، فهي تؤدي في نهاية المطاف دوماً إلى الدكتاتورية، ومن خلالها إلى الملكية المطلقة. لم يكن هناك في التاريخ هذا النوع من الجمهورية التي كان يمكنها أن تتخطّى الأوقات الصعبة من دون سلطة شخصٍ واحدٍ، ومن شأنها تجنّب الهزيمة والموت، عندما لم يكن فيها قائد فعّال. فقوة البلاد تكمن في مركزة السلطة؛ لأنه حين يحكم الجميع- فلا أحد يحكم؛ وحيث يكون الجميع مشرِّعًا، لا يوجد قانون راسخ ولا وحدة للأهداف السياسية ولا تناغم داخلي. ما هي نتيجة كل هذا؟ الفوضى!

 

صمت الإمبرطور، وتمشّى مرتين في المكتب، وفجأةً، وقف أمامي وسألني:

-“وماذا تقول أنت في هذا، أيها الشاعر؟”

-“صاحب الجلالة، – أجبت – “ما عدا شكل الحكم الجمهوري، الذي تعوّقه ضخامة روسيا وتنوّع السكان، هناك شكل سياسي آخر: الملكية الدستورية …”

 

“- هذه تنفع في الدول التي أُنجزت تأسيسها،” قاطع القيصر بنبرةٍ واثقة”- ولكن ليس لأولئك الذين هم على طريق التنمية والتطوّر”. روسيا لم تخرج بعد من مرحلة الصراع من أجل الوجود. فهي لم تحقّق بعد الشروط التي يمكن من خلالها تطوير الحياة الداخلية والثقافة. وهي لم تصل بعد إلى تعيّنها السياسي، ولم ترسو بعد على الحدود المتوافقة مع عظمتها. وهي ليست بعد شكلاً ثابتاً بالكامل، متجانساً: لأن العناصر التي تتكوّن منها، لم تتفقّ بعد مع بعضها البعض. فالأوتوقراطية – الإرادة غير المحدودة والقوية للملك، هي التي تجمعهم وتقربّهم فقط. بدون هذه الإرادة لم يكن ليكون هناك لا تطور، ولا طفرات، ولكانت الإرتجاجات الصغيرة لتدمّر كامل بنية الدولة. (صمت).

 

هل تعتقد حقاً أنه لو لم أكن امبرطوراً غير ذي بأسٍ، فهل كان بإمكاني سحق رأس الكوكبة الثورية التي رعيتمونها أنتم أبناء روسيا! هل تعتقد حقاً أن سحر السلطة الاستبدادية التي منحني إياها الله لم يكن لها الأثر الكبير في إبقاء بقايا الحرس تحت السيطرة وفي تقييد جموع غوغاء الشارع المستعدين دوماً للغضب والسرقة والعنف؟

 

وهي لم تكن لتجرؤ على الوقوف ضدي! لم تجرؤ على ذلك! لأن القيصر كان بالنسبة لها ممثلاً حياً لسلطة الله ونائباً للرب على الأرض؛ لأنها أدركت أنني أتفهم المسؤولية الكبيرة لدعوتي، وأنني لست رجلاً بدون صلابةٍ وإرادة الذي تنحيه العواصف ويخيفه الرعد!

 

عندما قال هذا، بدا أن إحساسه بعظمته وقوته يجعلان منه عملاقاً. كان وجهه صارماً، وعيناه متوقدتان. لكن هذا لم يكن علامات الغضب، لا! لم يكن غاضباً في تلك اللحظة، لكنه اختبر قوته من خلال قياس قوة المقاومة، التي كافحها بالعقل وربح. لقد كان فخوراً، وفي الوقت نفسه سعيداً. ولكن سرعان ما تغيرت تعابير وجهه، وجحظت عيناه، ومشى مرة أخرى في المكتب، وتوقف مرة أخرى أمامي قائلاً:

 

أنت لم تقل كل شيء بعد. أنت لم تنظّف عقلك من التحيزات والأفكار الخاطئة. ربما كان في قلبك ما يزعجك ويعذبك؟ إعترف به بجرأة. أريد ان استمع اليك واستمع. 

– “جلالة الملك”، أجبته بأحاسيسي، “لقد سحقت رأس الكوكبة الثورية”. لقد فعلت شيئًا رائعًا – من بإمكانه أن يجادل؟ ومع ذلك … هناك كوكبة أخرى، وحش رهيب ومميت، والذي يجب أن تقاتله وتدمره، وإلا فإنه سيدمّرك!

 

– عبّر عن نفسك بوضوح أكبر! – قاطع القيصر، وأنا أتحضّرلالتقاط كل كلمة لي.

 “هذه الكوكبة، هذا الوحش”، هو “تعسّف السلطات الإدارية، وفساد البيروقراطية ورشوة المحاكم”. فروسيا تئنّ وهي في قبضة ابتزاز وعنف وسطو هؤلاء، الذين لا يزالون يسخرون من سلطتك. في جميع أنحاء الدولة، لا يوجد مكان لم يصل إليه هذا الوحش! لا يوجد طبقة لم يتغلغل فيها. فلا وجود للسلامة العامة لدينا!

 

العدالة في يد السلطات المحلية! الأشرار يسخرون من شرف وسلامة العائلات! لا أحد يثق بما لديه، ولا بالحرية ولا بالحياة! فمصير كل واحدٍ معلق على شعرة، لأن مصيره لا يحكمه القانون، بل خيال أي مسؤول، أي محتال، أي جاسوس! ففيما المفاجأة يا صاحب الجلالة، أنه إذا وُجد أناس قرّروا الإطاحة بهذا الوضع؟ حسناً، ما هو المدهش إذا غضبوا من مشهد وطن مهين ومعذب، ورفعوا راية المقاومة، وأشعلوا نار التمرد من أجل تدمير هذا الواقع وبناء ما يجب أن يكون:

 

: – كلماتك جريئة! – قال الإمبراطور بصرامة، ولكن من دون غضب. “إذن أنت توافق على التمرّد؟” هل تبرّر المؤامرة ضد الدولة؟ 

صرخت بحماس: “آه لا، يا صاحب الجلالة ، لقد برّرت فقط غرض الخطة، وليس الوسيلة!” فأنت يا صاحب الجلالة تعرف كيف تسبر أغوار الروح – اسبر في أغوار روحي وسترى أن كل شيء فيها نقيّ وواضح! ففي مثل هذه الروح، لا وجود للدافع الشرير، والجريمة فيها لا يمكن أن تختبئ!

 

قال الإمبراطور بلطف – “مشاعر الشرف في المجتمع. دع جميع الأشخاص ذوي النوايا الحسنة والقادرين يتّحدون حولي. أريد أن أصدق وأنا واثق من ذلك!” – لديك فيض في القناعات والمشاعر النبيلة، ولكنك تفتقر إلى الحكمة والخبرة والأسس. عند رؤيتك الشر، تسخط وترتجف وتلقي اللوم على السلطات لعدم تدميرها هذا الشر على الفور وبناء ما هو مفيد للصالح العام. فمن السهل النقد، ولكن من الصعب البناء. فبالنسبة للإصلاح العميق الذي تتطلّبه روسيا، لا تكفي إرادة القيصرمهما بلغت قوته وسلطته، فهو يحتاج إلى مساعدة الناس وإلى الوقت.

 

من الضروري توحيد كل القوى الروحية العليا في الدولة في فكرةٍ عظيمةٍ واحدةٍ متقدمة، ومن الضروري الجمع بين كل الجهود والحماس في رغبةٍ واحدةٍ جديرةٍ بالثناء لزيادة احترام الذات بين الناس والإيمان بي. دعونا نذهب بإيثار وبطريقة سلمية إلى حيث أقودهم – وسوف يتم تدمير هذه الكوكبة! الغرغرينا التي تتآكل روسيا ستختفي! لأن النصر يكمن في توحيد الجهود المشتركة، والخلاص في وئام القلوب النبيلة! أما بالنسبة لك، بوشكين … فأنت حر! نسيت الماضي، وقد نسيته بالفعل! فأنا لا أرى مجرم دولة أمامي، بل شخصاً له قلب وذي موهبة، أرى مغنيّاً للمجد الوطني الذي يقع عليه مسؤولية إلهاب النفوس بالفضائل الأبدية من أجل المآثر العظيمة! الآن … يمكنك الذهاب! وأينما استقرّيت حيث لك حرية اختيار المكان، تذكر ما قلته وكيف تصرّفت معك. اخدم وطنك بالفكر والكلمة والقلم، اكتب للمعاصرين وللأجيال القادمة، اكتب بكل إلهامك وحريتك الكاملة، لأنني أنا سأكون رقيبك!

للكاتب الروسي :ديمتري بلييايف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »