اخبار دولية

كتب د.زياد منصور :غرينلاند: رقعة الشطرنج الجيوسياسية بين روسيا والولايات المتحدة

هل تعلم أن روسيا قد تفكر في غرينلاند؟ قد يبدو هذا مفاجئاً للبعض، لكن التحركات الأخيرة والمواقف الدولية تشير إلى أن روسيا تنظر إلى هذا الإقليم الاستراتيجي بعين القوة والمصلحة.

غرينلاند: رقعة الشطرنج الجيوسياسية بين روسيا والولايات المتحدة

✍️د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

هل تعلم أن روسيا قد تفكر في غرينلاند؟
قد يبدو هذا مفاجئاً للبعض، لكن التحركات الأخيرة والمواقف الدولية تشير إلى أن
روسيا تنظر إلى هذا الإقليم الاستراتيجي بعين القوة والمصلحة.
الرئيس الأمريكي نفسه ألمح ضمنياً إلى هذا الاحتمال، ولا يمكن تجاهل ما يقوله القادة الأمريكيون،
فالتاريخ يذكرنا بأن تصريحات مماثلة سابقاً حول أوكرانيا تحققت على أرض الواقع.

الصراع على أوكرانيا: مقدمة لفهم الديناميكيات

منذ سنوات، بذلت الولايات المتحدة والغرب كل ما في وسعهم لدفع القوات الروسية إلى غزو أوكرانيا.
روسيا حاولت ممارسة الصداقة واتِّباع الدبلوماسية، بدءًا من إرسال الأموال، وتقديم القروض،
توريد الموارد بأسعار منخفضة، لكن الجميع حاولوا خلق الشقاق والعداء.
الهجمات الرمزية على روسيا لم تتوقف، بدءاً من الصرخات المهينة في الساحات،
مروراً بالميدان (ساحة العاصمة كييف حيث اندلعت الثورة الملونة)،
وانتهاءً بمحاولات تحييد روسيا عن دورها الطبيعي في المنطقة.
حتى في تلك المرحلة، حاولت روسيا حماية حقوق المواطنين في أوكرانيا،
وضمان مساواتهم مع مواطني الغرب، بما في ذلك حقهم في الإيمان الذي يريدون،
اللغة، والتمتع بحقوقهم ضمن الدولة.
ومع ذلك، دعم الاتحاد الأوروبي أوكرانيا بالسلاح،
وأخَّر تنفيذ اتفاقيات مينسك،
مؤكداً أن الهدف كان خلق خصم ضد روسيا لا شريك صادق.

“الميدان” وزيلينسكي: تحطيم السياسات المعتدلة

ظهور زيلينسكي شكّل أملًا بوقف النزاع ومكافحة الفساد،
إلا أن ضغوط القوى الغربية وواقع النفوذ القوي أجبرته على التراجع عن مواقفه.
الشعب الأوكراني والمواطنون الروس الذين تعاطفوا معه لاحظوا انهيار المواقف السياسية،
ما كشف حقيقة أن القوى الكبرى تحكم العالم بالقوة وليس بالقوانين أو المبادئ.
فالحالات السابقة، مثل غزو جورجيا لتسخينفال،
وسياسات الغرب في كوسوفو،
تشير إلى أنَّ القوة هي المعيار الفعلي في العلاقات الدولية اليوم.
يمكن أخذ الأراضي بالقوة، واختطاف رؤساء الدول،
والسيطرة على السفن والطائرات خارج المياه الإقليمية،
إذا كانت القوة متاحة.
الضعفاء يصمتون أو يُجبرون على الخضوع،
والقوي يفرض إرادته.

أرمينيا والاتحاد الأوروبي: نفس الفخ التاريخي

اليوم، نرى أن أرمينيا قد تسير على خطى أوكرانيا،
محاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو تبني سياسات مشابهة،
رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن ذلك يؤدي إلى النزاعات مع جيرانها
وفقدان الأراضي المتنازع عليها.
هذا يعكس نموذجاً ثابتاً:
الاتحاد الأوروبي يستخدم الدول كأدوات لإضعاف روسيا،
الصين، وأحياناً الاتحاد الأوروبي نفسه،
دون تقديم أي فائدة حقيقية للدول المعنية.

 

غرينلاند: حجر الزاوية الجيوستراتيجي

الآن، نصل إلى السؤال الأساسي: هل تحتاج روسيا غرينلاند؟

لأولا تقع غرينلاند عند مدخل المحيط الأطلسي الشمالي، مما يجعلها بوابة طبيعية للممرات البحرية والجوية بين أمريكا الشمالية وأوروبا. هذا الموقع لا يقتصر على ميزة جيوسياسية فحسب، بل يشكّل نقطة ارتكاز في أنظمة الدفاع الصاروخية والرادارية التي تمتد بين واشنطن وموسكو. بالنسبة للولايات المتحدة فهي تدير قاعدة “بيتوفيك – سابقاً ثولي الجوية” في شمال غرينلاند، والتي أصبحت مركزاً أساسياً لأنظمة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية القادمة من اتجاه القطب الشمالي، وتعمل كنقطة رصد لصواريخ العدو قبل وصولها إلى الأراضي الأميركية أو الأوروبية.

مع تطوير أنظمة الرادار والدفاع الصاروخي، تسعى واشنطن إلى توسيع قدرتها على الكشف والاعتراض قبل أن تصبح الصواريخ تهديداً مباشراً. طرح مشروع نظام الدفاع الصاروخي “Golden Dome” يعزز هذا الدور، إذ تعتبر غرينلاند موقعاً مثالياً لوضع أنظمة اعتراض الصواريخ والحد من تأثير قدرات روسيا النووية.

لا يقتصر الدور العسكري لغرينلاند على الأرض؛ فالموقع القطبي القريب من حزام الأقمار الصناعية ذو المدار المنخفض يجعل الجزيرة مركزاً مثالياً لإنشاء محطات استقبال بيانات فضائية وأنظمة مراقبة اتصالات حيوية. هذه القدرات تعزز من قيمة غرينلاند في سباق السيادة الفضائية والمراقبة الاستراتيجية.

الفرص الاقتصادية والاستراتيجية غير العسكرية

✍️الثروات الطبيعية وطرق الملاحة الجديدة: مع ذوبان الجليد نتيجة التغير المناخي، أصبحت غرينلاند أكثر قدرة على استغلال المعادن الأرضية النادرة، النفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى، ما يجعلها هدفاً جاذباً للاستثمارات والخطط الصناعية المستقبلية.

✍️كما تفتح الطرق البحرية الجديدة عبر القطب الشمالي آفاقاً تجارية متقدمة، ما يقلل المسافات بين أوروبا وآسيا ويغيّر قواعد التجارة العالمية بطرق جذرية.

✍️نقطة مراقبة لتنافس القوى الكبرى: وجود القوى الكبرى في القطب الشمالي لا يقتصر على روسيا والولايات المتحدة فقط؛ الصين أيضاً تستثمر في بنية تحتية ومشاريع طاقة في المناطق القطبية، ما يضيف بعداً جديداً للتنافس. غرينلاند، في هذا السياق، قد تصبح مركزاً للتنافس متعدد الأبعاد بين القوى العظمى.

الفرص والمخاطر لروسيا والولايات المتحدة

رغم التركيز الغربي على غرينلاند، فإن موسكو ترى في القطب الشمالي مجالاً حيوياً لتوسيع تواجدها العسكري والتجاري، خاصة في مضيق بيرينغ وشمال الأطلسي، ما يعزز من قدراتها البحرية والجوية في مواجهة حلف الناتو. فالأهمية الاستراتيجية لمراقبة تحركات الناتو من خلال نقاط مثل غرينلاند تجعل روسيا تجد في تطوير أسطولها القوي لكاسحات الجليد وغيرها من وحداتها البحرية ميزة نسبية في المنطقة.

ورغم ذلك هناك مجموعة من المخاطر بالنسبة لروسيا، وهي أن زيادة الوجود العسكري والنشاط الاستخباراتي لحلف الناتو في غرينلاند يضع روسيا تحت مراقبة أدق وفي نطاق أقصر، ما يقلل من حرية المناورة الاستراتيجية الروسية في المنطقة.

فالتنافس المتصاعد في القطب الشمالي قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تعزيز تحالفاتهم العسكرية على حدود القطب الروسي، ما يزيد من الضغط الاستراتيجي على موسكو.

بهذا فإن غرينلاند تعتبر موقعًا استراتيجيًّا مهمًّا من الناحية العسكرية والاقتصادية. فهي توفر نقطة انطلاق لمراقبة المحيط الأطلسي، وتعزز القوة النووية والبحرية الروسية في المنطقة، وتضمن الوصول إلى الموارد الطبيعية الهائلة، بما في ذلك المعادن النادرة والطاقة.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، الحاجة لغرينلاند أقل من الناحية الموضوعية. غرينلاند بالنسبة لأمريكا تمثل موقعاً إضافياً، لكنها ليست عامل قوة حاسم مقابل روسيا أو الصين. وجودها تحت النفوذ الأمريكي يحمي المصالح، ولكنه ليس مركزياً للسياسات الأمريكية في المحيط الأطلسي أو القطب الشمالي.

ورغم أن احتلال موقع قوي في غرينلاند يعزز قدرات واشنطن الدفاعية والتنبؤية ضد أي تهديد نووي أو صاروخي من جهات معادية، خصوصاً روسيا. في نفس الوقت فإن هذا الموقع يسمح للولايات المتحدة بالتحكم في بوابة الدخول الشمالي لأوروبا. كذلك السيطرة أو النفوذ الأكبر في الغابة المعززة للقدرات العسكرية الأميركية يقوّي دورها في مراقبة نشاطات الصين والحد من توسّعها في الموارد والطرق البحرية الجديدة.

لكن هناك مجموعة من المخاطر للولايات المتحدة. فمحاولات ضم غرينلاند أو تغيير وضعها القانوني أثارت وتثير ردود فعل أوروبية قوية، مما يهدد وحدة العلاقات مع حلف شمال الأطلسي ويضع واشنطن في مواجهة دبلوماسية مع حلفائها.

كما أنَّ الاعتماد على وجود طويل الأمد في غرينلاند قد يُثير انتقادات داخلية ودولية حول مشروعية العمل العسكري والاقتصادي، وقد يؤثر سلباً على الميزانية العسكرية الأمريكية.

باختصار، روسيا ترى في غرينلاند فرصة لتعزيز سيادتها وحضورها الاستراتيجي، بينما الولايات المتحدة تراها مجرد أداة ضمن شبكة نفوذ أوسع، وليست هدفاً حيوياً للسياسة الوطنية.

 

الكاتب: د.زياد منصور  – باحث في القضايا الروسية
أبرز النقاط الواردة في المقال 
📌 غرينلاند موقع استراتيجي عند مدخل المحيط الأطلسي الشمالي، ويشكل بوابة طبيعية للممرات البحرية والجوية بين أمريكا الشمالية وأوروبا.
📌 الموقع يجعلها نقطة ارتكاز في أنظمة الدفاع الصاروخي والراداري بين واشنطن وموسكو.
📌 الولايات المتحدة تدير قاعدة “بيتوفيك” في شمال غرينلاند كمركز للإنذار المبكر ضد الصواريخ.
📌 غرينلاند موقع مثالي لأنظمة اعتراض الصواريخ وتوسيع قدرة واشنطن على الدفاع والتنبؤ.
📌 قربها من القطب يجعلها مركزًا لإنشاء محطات استقبال بيانات فضائية ومراقبة اتصالات استراتيجية.
📌 ذوبان الجليد يفتح فرصًا لاستغلال المعادن النادرة والنفط والغاز والموارد الطبيعية.
📌 الطرق البحرية الجديدة عبر القطب الشمالي تغير قواعد التجارة بين أوروبا وآسيا.
📌 التنافس في القطب الشمالي متعدد الأبعاد: روسيا والولايات المتحدة والصين تتنافس على النفوذ والموارد.
📌 روسيا ترى في القطب الشمالي مجالًا لتوسيع حضورها العسكري والتجاري، وتعزيز قدراتها البحرية والجوية.
📌 زيادة الوجود العسكري لحلف الناتو في غرينلاند يقلل حرية المناورة الروسية ويزيد الضغط الاستراتيجي عليها.
📌 غرينلاند تمنح الولايات المتحدة قدرة مراقبة بوابة الدخول الشمالي لأوروبا وتحد من توسع الصين.
📌 وجود الولايات المتحدة في غرينلاند يثير ردود فعل أوروبية ودبلوماسية ويشكل عبئًا ماليًا وسياسيًا.
📌 روسيا تعتبر غرينلاند فرصة لتعزيز سيادتها وحضورها الاستراتيجي، بينما الولايات المتحدة تراها أداة ضمن شبكة نفوذ أوسع وليست هدفًا حيويًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »