اخبار دولية

كتب د.محمد هزيمة:الصين هدوء وقرارات أوجعت أميركا وتحدّت بلطجة ترامب

العالم كله وقف على مفترق طرق مذهول لواقع غير مسبوق، لم يحصل حتى في القرون الوسطى، ولا مع غزوات الأباطرة وفتوحاتهم، ولا حتى عند قبائل الجاهلية.

الصين هدوء وقرارات أوجعت أميركا وتحدّت بلطجة ترامب

✍️🧾كتب : الدكتور محمد هزيمة
كاتب سياسي وباحث استراتيجي | مستشار بالعلاقات الدولية


مفترق طرق عالمي غير مسبوق

العالم كله وقف على مفترق طرق مذهول لواقع غير مسبوق، لم يحصل حتى في القرون الوسطى، ولا مع غزوات الأباطرة وفتوحاتهم، ولا حتى عند قبائل الجاهلية. حروب إبادة، إسقاط أنظمة، انقلابات، ضحايا، دول مدمّرة، أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية، وكان آخر فصولها خطف رئيس دولة عنوة، وقرصنة سفن تجارية، جرائم لم يرتكبها أفراد، ولم تنفذها عصابات منظمة خارجة عن القانون أو قراصنة بحار، بل نفذتها دولة عظمى بنخبة جيشها وأجهزتها، وتفاخر بها كإنجاز.

هي دولة لم تعتبر أنها تقيم أكبر تمثال للحرية، وتحتضن على أراضيها الأمم المتحدة، وهي صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، ومركز تحويل الأموال، ويمثل الدولار وحدة نقدية عالمية، ورائدة في الفضاء وحرب النجوم وغزو الكواكب… إنها الولايات المتحدة الأميركية، التي قامت على أنقاض شعوب، لكنها لم تغيّر عقلية رعاة البقر في سياساتها، رغم براغماتية هدفها حماية مصالح مصانع الأسلحة، شركات النفط، المصارف، والمؤسسات الإعلامية والترفيهية، التي جعلت منها قوة تأثير على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي منذ عقود.

حروب واشنطن المستمرة وفشلها الاستراتيجي

ما أبقى أميركا في حالة حرب دائمة، والمفارقة أنها لم تربح أيًا من حروبها، بما فيها الحرب الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي، لحظة أوصلتها إلى عرش الأحادية القطبية بلا منافس. عاثت حروبًا ودمارًا، نشرت الفوضى، دعمت الإرهاب، وقسّمت الدول. عقود من حرب السيطرة فتحت شهية أميركا لحكم العالم، وإحكام القبضة على الموارد النفطية والثروات الطبيعية، بما فيها الممرات المائية، وصولًا إلى احتكار التكنولوجيا ومحاصرة الاقتصادات النامية والأسواق الناشئة، في مقدّمها الصين، عملاق التكنولوجيا ومارد الاقتصاد، الذي تحوّل خطرًا استراتيجيًا يهدد وجود أميركا على عرش حكم العالم.

بمشاريعها التي تمتد من الشرق الأوسط وقاعدتها المتقدمة إسرائيل، وصولًا إلى الخليج والكاريبي، مرورًا بالقوقاز والبلطيق، وحتى أفريقيا وكل بقعة على وجه الأرض أو في أعماق البحار، تحتاجها أميركا في حرب السيطرة وإحكام قبضتها على العالم بلا منازع. بعد فشل سيف العقوبات بتقطيع أوصال قوى جمعت أقطاب الشرق بمشروع وحدة، تحرّكت الصين بحزم أمام تغوّل أميركا وجشع طموحاتها.

رد الصين الحاسم: استراتيجية “الاستجابة الشاملة غير المتماثلة”

سياسة الصمت الصيني لم تعن الجمود، بل كانت استعدادًا لمواجهة أي عدوان مهما كانت الظروف. اختطاف رئيس فنزويلا وقطع طريق أميركا اللاتينية على الصين كان بمثابة إعلان حرب اقتصادي واستراتيجي، فبادرت بكين إلى سلسلة من الإجراءات العملية والمدروسة:

  • أعلن بنك الشعب الصيني تعليقًا مؤقتًا لجميع المعاملات بالدولار الأميركي مع الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع الأميركي، ما تسبب بخسائر فادحة لشركات الصناعات العسكرية والطيران الأميركية.
  • الشركة الصينية للشبكة الكهربائية بدأت مراجعة تقنية شاملة لعقودها مع موردي المعدات الأميركيين، ما ترجمه فك ارتباط الصين بالتكنولوجيا الأميركية.
  • أعلنت الشركة الوطنية الصينية للبترول إعادة تنظيم استراتيجية الإمدادات العالمية، بإلغاء عقود توريد النفط إلى المصافي الأميركية بقيمة 47 مليار دولار سنويًا.
  • إعادة توجيه النفط من الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ما أدى إلى قفزة في أسعار النفط بنسبة 23% خلال جلسة تداول واحدة.
  • شركة الشحن البحري الصينية، التي تسيطر على 40% من النقل البحري العالمي، نفذت إجراءات لتجنب الموانئ الأميركية الكبرى، مما قلّص حركة الحاويات بنسبة 35%، وهو ما أحدث كارثة لشركات تجارة التجزئة الأميركية.

تحالف الجنوب العالمي

قبل أن تتمكن الحكومة الأميركية من استيعاب الضربة، فعّلت الصين حزمة جديدة من الإجراءات بتعبئة الجنوب العالمي، بعرض قدمه وزير الخارجية الصيني لكل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وإيران وتركيا وإندونيسيا، إضافة إلى 23 دولة أخرى، لمنح شروط تجارية تفضيلية فورية لأي دولة تلتزم بعدم الاعتراف بأي حكومة فنزويلية تدعمها الولايات المتحدة.

الاستجابة كانت سريعة: خلال أقل من 24 ساعة، وافقت 19 دولة، منها البرازيل، الهند، جنوب أفريقيا، والمكسيك، لتشكيل ائتلاف مناهض للولايات المتحدة، موضحًا عمليًا قوة “العالم المتعدد الأقطاب” بقيادة المارد الصيني.

نظام المدفوعات الصيني: بديل عالمي عن الدولار

أعلنت الصين توسيع قدرة نظام المدفوعات العابر للحدود لاستيعاب أي معاملة دولية ترغب في تجنب النظام المالي الأميركي، وحققت معاملات بقيمة 89 مليار دولار في اليومين الأولين، مع فتح البنوك المركزية في 34 دولة حسابات تشغيلية، ما يعجل عملية نزع الاعتماد على الدولار الأميركي كأحد مصادر التمويل الحيوية.

التهديد التكنولوجي: المعادن النادرة

فرضت الصين قيودًا مؤقتة على تصدير المعادن النادرة لأي دولة دعمت اختطاف الرئيس مادورو، ما أثار قلقًا بالغًا لدى عمالقة التكنولوجيا الأميركية، التي تعتمد على سلاسل التوريد الصينية في المكونات الأساسية، إذ باتت أنظمتها الإنتاجية مهددة بالانهيار خلال أسابيع.

خاتمة: الصين تعيد ترتيب العالم

كل قرار صيني لم يكن مجرد رد فعل، بل ضربة مباشرة للاقتصاد الأميركي، أعادت تشكيل المشهد العالمي، وأظهرت أن أميركا لم تعد تسيطر على كل خطوط اللعبة. تحركات بكين، الاقتصادية والاستراتيجية، جسدت قدرة الصين على تحويل العدوان إلى فرصة، وتعزيز مفهوم العالم متعدد الأقطاب، وفرض وقائع جديدة بدون إعلان حرب، مستخدمة الصبر والحزم والقرارات العملية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »