كتب أيوب نصر:النظرية الإقليمية: كيف تُقسّم الدول العربية من اليمن إلى الصومال؟
على الإختلاف الأحداث وطريقة سيرها بين الصومال واليمن، ومن قبلهما السودان والعراق أيضًا، إلا أن رائحة النظرية الإقليمية تفوح منها وآثارها تظهر واضحة عليها، ولعلك تسأل: ما هي النظرية الإقليمية؟ وما علاقتها بما يحدث في البلدان التي جئت على ذكرها؟ وسأجيبك باختصار شديد لكنه غير مخل.

كتب أيوب نصر:النظرية الإقليمية: كيف تُقسّم الدول العربية من اليمن إلى الصومال؟
على الإختلاف الأحداث وطريقة سيرها بين الصومال واليمن، ومن قبلهما السودان والعراق أيضًا، إلا أن رائحة النظرية الإقليمية تفوح منها وآثارها تظهر واضحة عليها، ولعلك تسأل: ما هي النظرية الإقليمية؟ وما علاقتها بما يحدث في البلدان التي جئت على ذكرها؟ وسأجيبك باختصار شديد لكنه غير مخل.
المقدمة الفكرية
ولابد لي من مقدمة أؤصل بها وأبني عليها ما سيحمله الآتي من هذا المقال، حتى أكون أنا وأنت على بينة منه ولا ينفصل أحدنا عن الآخر أو عن ما سيكتب، وأما قبل فأقول: إن السياسة تبدأ من الفكر وتنتهي إلى الفكر، وكل فكر له منطلقات عقلية ومسلمات ذهنية يبدأ منها، وحدود ينتهي إليها، تنبني هذه الحدود وتقوم تلك المنطلقات على عقيدة دينية، وعقيدة أدبية وعقيدة لغوية وتراكمات تاريخية، ولهذا فإنه لا يمكن- بحال من الأحوال- فصل العقيدة الدينية، والعقيدة الأدبية والعقيدة اللغوية، والعقيدة السياسية لشخص ما، أو مجموعة ما.
وزيادة في التوضيح، واسترسالًا في البيان، أقول: إن كل فكر يعبر عنه بالكتابة والكلام، والكتابة والكلام إنما يعبران عن نفس صاحبهما وفكره، فلا تخلو كتابة أو كلام من شيء أو أشياء من نفس صاحبهما، بما في هذه النفس من توجهات أدبية، ودينية، وميول غريزية وسياسية.
أصول النظرية الإقليمية
وعلى هذا الذي حدثتك به، من استحالة فصل العقائد الدينية والأدبية واللغوية والتراكمات التاريخية والسياسية بعضها عن بعض، وأنها حلقات مترابطة شديدة الاستحكام، على كل هذا كانت الأهداف الغربية وما تصبو إلى تحقيقه في الدول العربية، يروج لها أدبيًّا في نظريات أدبية، لتحقق بعد حين أهدافًا سياسية وإستراتيجية وجيوسياسية.
في مرحلة مرض الخلافة العثمانية وتنازع روحها، ظهرت دعوة إلى قيام “الجامعة العربية”، وذلك في مقابل “الخلافة الإسلامية”، وهي دعوة سياسية روج لها وقعدت أفكارها أدبيًّا حتى تلقى القبول عند الناس، وتجد مكانًا لها في نفوس العامة، وهذا نوع من صناعة الرأي العام.
وقد حمل هم هذه الدعوة وما سيلحقها من تطور، عبر مرور السنوات وتوالي الأيام، طلبة البعثات العلمية الذين وقعوا تحت تأثير أساتذتهم، من يهود ومستشرقين ومبشرين في فرنسا وإنجلترا وغيرها من دول الغرب.
الجامعة المصرية ودعم الإنجليز
وبعدها، وبدعم من الإنجليز، ظهرت الدعوة إلى “الجامعة المصرية”، بقصد هدم الروابط القائمة بين مصر والدول العربية، وهكذا يسهل هدم الجامعة العربية. واتخذت هذه النظرية من الدعوة إلى العامية المصرية والإعراض عن العربية منطلقًا لها.
فحمل هم الدعوة إليها أحمد لطفي السيد، رئيس صحيفة “الجريدة”، التابعة لحزب الأمة المنحاز آنذاك إلى الاستعمار الإنجليزي، وكتب في مقالاته سنة 1912، دعا فيها إلى التقريب بين العربية والعامية، وإدخال هاته في تلك، وهو ما يساعد على تفكك الأواصر والروابط التي تجمع بين ساكني هذه البقعة الأرضية الممتدة من المحيط إلى ما بعد الخليج.
وقد كتب الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ساعتها في مجلة “البيان” فصلًا يرد فيه دعاوى لطفي السيد، ووقف موقفًا جريئًا كما هي عادته.
أحمد ضيف والنظرية الإقليمية
ثم عاد أحمد ضيف من البعثة الدراسية، وقد ظهرت دعوته في كتابه “مقدمة لدراسة بلاغة الأدب” سنة 1921، الذي أنشأه في الأصل للترويج للنظرية الإقليمية، وهي الأساس الذي سيقوم عليه تقسيم العراق والسودان إلى أقاليم.
حيث قال في مقدمته: “أما كبار العلماء، وأساتذة الأدب، فلا يجدون في هذه الآراء ما يشفي غلتهم، أو يسكن من حب الاستطلاع لديهم، فعليهم أن يرجعوا إلى كتب الفرنجة، وفيها كل تفصيل لما أجملناه وأوجزناه”.
وهذا يعني أن على كبار العلماء، والأساتذة الأدباء، أن يرجعوا إلى كتب الفرنجة، كما قال، فإن فيها تفصيل ما أوجزه وجمله. ومن هذا الذي أوجزه وأجمله، قوله: ”إنها ليست آداب أمة واحدة، وليست لها صفة واحدة ، بل هي آداب أمم مختلفة المذاهب والأجناس والبيئات”، ومعنى كلامه الذي لا يقبل تأويلًا، ولا يحتمل ليًّا، هو أن هذه المنطقة ليست أمة واحدة، ولا شعبًا واحدًا؛ وإنما هي شعوب متغايرة، وأمم متباينة، يصدر كل منها عن ثقافة ولغة ودين غير الذي يصدر عنه الآخر، فلا تثريب عليها إذا طالبت بانفصالها، أو التمكين لها من خلال حكم ذاتي، أو ما شابه.
ثم خلف من بعده أمين الخولي، فحرص على التقعيد لهذه النظرية، وقد نقد ساطع الحصري هذه النظرية في كتابه: “الإقليمية.. جذورها وبذورها”.مبينًا خطورة هذه النظرية وأبعادها.
التطبيق السياسي للنظرية
وتوالت الأيام، ،ومرت السنون ،وظهرت هذه النظرية في لباسها الجديد، حيث كتب طه حسين، سلامة موسى، وحسين هيكل سنة 1933، مقالات يدعون فيها إلى الفرعونية، وأن على كل قطر عربي أن يعود إلى تاريخه القديم، بإحياء الفرعونية في مصر، والفينيقية في لبنان، والبابلية في العراق.
وقد تزامن كل هذا مع “الظهير البربري في المغرب”، فتدبر، وقد وقف في وجه هذه الدعوة مجموعة من حملة الأقلام، ورواد الإصلاح، وزناد القرائح، نذكر منهم عبد الرحمن عزام، ومحب الدين الخطيب، وزكي مبارك، وغيرهم مما لا يسع المجال لذكر أسمائهم ولا نقل أقوالهم.
فكما ترى فهذه النظرية التي بدأت أدبية لم يمض عليها وقت طويل حتى أصبحت أداة سياسية لتقسيم البلدان إلى أقاليم، وقد دعمها جو بايدن حين كان نائبا للرئيس الأمريكي باراك اوباما، حين دعم سنة 2011 تقسيم السودان وبعدها تقسيم العراق إلى أقاليم (إقليم سني وإقليم شيعي وإقليم كردي).
وهذه النظرية نفسها هي الأساس للتقسيم الثاني للسودان، وما تحاول فعله دولة الكيان في الصومال هو جزء من هذه النظرية ويقوم عليها، وكذلك الدعوات إلى تقسيم اليمن، ولا أستبعد بعد حين أن يعمل على تقسيم المملكة العربية السعودية،
وذلك أن تاريخ بداية هذه النظرية قريب من بداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين، فنتج عنها تفتيت الكيانات العربية الكبرى وقيام دويلات صغيرة عبر مئة عام من ظهر النظرية الإقليمية، والمملكة العربية السعودية هي واحدة من هذه الكيانات العربية الكبرى التي تمتد على مساحة شاسعة وعدد سكان متزايد،
وللسيطرة التامة للكيان على المنطقة فلابد من خلوها من كيانات ودول كبيرة مساحة وتعدادا سكانيا
اللحظة الفاصلة: إرادة عربية قوية أم تفكك محتوم؟
إن الحرب الروسية الأوكرانية منذ بدايتها كانت تنبئ على أنها بداية لتحول من التحولات العالمية الكبرى التي يعرفها تاريخ الجنس البشري، وكان جديرًا بالدول العربية أن تعي هذا مع بدايته وتعمل على تقوية جبهتها الداخلية سواء القطرية أو العربية. ولا أظن الوقت تأخر، فقط يلزمنا إرادة سياسية قوية وفهم عميق لما يحدث حولنا.
📌 أبرز نقاط المقال:
✍️رائحة النظرية الإقليمية واضحة في أحداث اليمن والصومال والسودان والعراق.
✍️السياسة تبدأ وتنتهي بالفكر، وتتأثر بالعقائد الدينية والأدبية واللغوية والتاريخية.
✍️الأهداف الغربية روجت لهذه النظرية أدبيًا قبل أن تتحول لأداة سياسية وجيوسياسية.
✍️الجامعة العربية والجامعة المصرية كانت منبرا لتطبيق النظرية الإقليمية.
✍️أحمد ضيف وأمين الخولي أسهموا في التأسيس للنظرية الإقليمية وتقسيم البلدان العربية.
✍️الدعوات إلى الفرعونية والفينيقية والبابلية دعمت فكرة تفكيك الدول العربية.
✍️جو بايدن (نائب أوباما سابقًا) دعم تقسيم السودان والعراق إلى أقاليم سنة 2011.
✍️التقسيمات المقترحة تشمل اليمن والصومال وربما السعودية مستقبلاً.
✍️الحرب الروسية-الأوكرانية تشير إلى تحولات عالمية كبرى يجب على الدول العربية إدراكها.
✍️ضرورة إرادة سياسية قوية وفهم عميق لمواجهة هذه التحولات والحفاظ على وحدة الدول العربية.




