وجوهٌ مزدحمة… وقلوبٌ فارغة
🌹✍️: فاطمة يوسف بصل
نمشي في الشوارع كأرففٍ ممتلئة، لكنّ الرفّ الأعمق فينا خاوٍ. الوجوه تتلاصق، والأرواح تتباعد كجزرٍ فقدت خرائطها.
نفتح الشاشات أكثر مما نفتح قلوبنا، نعلّق أصواتنا على إشعارات عابرة، ونعود كلّ مساء أخفّ ممّا خرجنا… كأن شيئًا منّا تسرّب في الطريق ولم ننتبه.
نعيش حفلة ضوءٍ دائمة، نبتسم للعدسات، ونطفئ وجعنا خلف الأبواب المغلقة.
نصافح الأيادي، لكنّ القلوب تبقى في جيوبها، باردة… لا تُستَخدم.
اللقاءات اليوم تشبه المرايا: تعكس الوجوه ولا ترى الأعماق.
السؤال عن الحال عملةٌ متداولة بلا قيمة، تُقال ثم تُرمى في الهواء قبل أن تصل القلب.
كم مرّة جلسنا بين كثيرين وشعرنا أننا الكرسي الفارغ؟
كم مرّة تكلّم الصمت فينا ولم يجد أذنًا تُصغي؟
في هذا العالم، الوحدة لا تأتي من الغياب، بل من فائض الحضور الخالي.
العلاقات تُبنى من زجاج، تلمع سريعًا وتنكسر عند أوّل ريح.
نحبّ الانعكاس، لا الأصل، ونطارد الضوء ولو كان بلا دفء.
نحتاج أن نعيد للروابط دمها، أن نُبطئ نبض الكلام، أن ننظر في العيون كمن يبحث عن نفسه في الآخر.
أن نسأل: كيف حالك؟ لا كجملة، بل كيدٍ تمتدّ في العتمة.
نحتاج من يسمعنا دون أن يُصلحنا، ويُمسك وجعنا دون أن يعرضه على الملأ.
كن قلبًا لا يزاحم. وفي عالم الضجيج، كن مساحة صمتٍ آمنة.
فالامتلاء الحقيقي ليس بعدد من نعرفهم، بل بعدد المرّات التي وجدنا فيها من بقي حين سقط الضوء.




