اخبار دولية
أخر الأخبار
نداء إلى مصر…. اليمن على حافة الانشطار
إلى أرض الكنانة، وقلب العروبة النابض... إلى مسرى جمال عبد الناصر، وقِبلة البعث الأولى...

نداء إلى مصر…. اليمن على حافة الانشطار
✍🏻 مشتـاق هاشم العلوي
إلى أرض الكنانة، وقلب العروبة النابض… إلى مسرى جمال عبد الناصر، وقِبلة البعث الأولى… إلى الشقيق الأكبر الذي لم يسأل يوماً عن ثمن، بل سكب دماء أبنائه طاهرة زكية على رمال تهامة وصخور جبال صنعاء، ليعتق شعبه في شمال اليمن من جحيم الإمامة وظلامها. إلى السند الذي قاوم معنا المستعمر البريطاني في الجنوب، فكان صوته مدداً، وسلاحه عوناً، حتى أشرقت شمس الحرية على عدن.
إليكِ يا مصر نكتب اليوم، ومرارة الحاضر تكاد تقتل حلاوة الماضي. فبعد أكثر من ستين عاماً على تلك الانتصارات التي صنعناها معاً بدم واحد وحلم واحد، ها هي أمواج الرجعية والتفتيت تعود لتضرب شواطئنا بقسوة. تعود لتمزق وطننا، لا إلى شطرين كما كان، بل لتبعثره “قارة جديدة” من الكانتونات المتناحرة، وتشيّع حلمنا الكبير الذي توّجناه بوحدةٍ قبل أكثر من ثلاثين عاماً، إلى مثواه الأخير.
نكتب إليكِ اليوم، وقد تخطفتنا كارثة الانشطار، ليس بقوة عدو خارجي فحسب، بل بخيانة وفشل نُخبةٍ يمنيةٍ رخيصة، باعت كل شيء، وفرّطت بكل منجز وطني. نخبةٌ أدارت ظهرها لتاريخها وتضحيات شعبها، وذهبت تتسكع على أبواب العواصم، تستجدي الفتات من هذا الإقليم أو ذاك، وتستبدل مشروع الوطن بمشروع الوظيفة لدى الغريب. لقد حوّلوا اليمن إلى ساحة للصراعات بالوكالة، وأحالوا السياسة إلى لغة الميليشيات، فصمت صوت العقل، وارتفع صوت المدفع الذي لا يطلق إلا بأوامر تأتي من وراء الحدود. لقد تركوا وطنهم يغرق، وذهبوا يبحثون عن طوق نجاة شخصي في عواصم لم تكن يوماً صديقة لليمن ولا لشعبه.
وها نحن اليوم ندفع ثمن تلك الخيانة غالياً. فمن رحم هذا الفشل، يولد وحش الانشطار الذي ينهش جسد اليمن قطعة قطعة. لم يعد الأمر قصة “انفصال” الجنوب عن الشمال، بل أصبح كرنفالاً مجنوناً لاستدعاء كل هويات الماضي السحيق. في أقصى الشرق، تستيقظ “دولة المهرة” بلسانها وتاريخها الخاص. وبجوارها، ترفع حضرموت، سلطنات الأمس، صوتها مطالبةً بكيانها المستقل. وفي شبوة، أرض الممالك القديمة والذهب الأسود، تتعالى الأصوات بأن “ثروة شبوة لأهل شبوة”.
والكارثة لا تقف عند هذا الحد. ففي الغرب، تحلم تهامة بالتحرر من هيمنة الجبل. وفي قلب اليمن، تستدعي تعز وإب إرث الدولة الرسولية. وفي مأرب، وريثة مملكة سبأ، ينمو شعور مرير بالخذلان. وفي أقصى الشمال، في حجة وصعدة، يتجذر مشروع الإمامة الجديدة. وأما في عدن، بوابة العالم وباب المندب، التي كانت يوماً طريق البخور وعاصمة التنوير، يتم اختزالها اليوم في “مشروع القرية المناطقي المريض”، الذي يريد أن يقيم دولة على أساس جهوي ضيق، مستبدلاً عالمية عدن بضيق أفق مناطقي قاتل.
كل طرف يستل من كتاب التاريخ الصفحة التي تروق له، وينصب نفسه وريثاً لمملكة بائدة أو سلطنة منسية، غير مدرك أنه بهذا الفعل لا يحيي مجداً قديماً، بل يؤسس لفوضى أبدية، ويحول وطناً واحداً إلى مقبرة جماعية لأوطان صغيرة ولدت ميتة.
ولو تُرك اليمنيون لهذا الجنون وحده، لربما أفاقوا منه يوماً. لكن المأساة الكبرى أن هذا الانشطار الداخلي وجد من يغذيه ويسقيه ويرعاه من خارج الحدود. لقد وجدنا أنفسنا بين فكي كماشة: “الجار الذي تعامل بسوء، والغريب الذي جاء غازياً”.
فمن جهة، جاء الغريب الفارسي بمشروعه التوسعي، لابساً عباءة الدين والطائفة، باحثاً عن موطئ قدم على خاصرة الجزيرة العربية. وجد في كذبة المظلومية التاريخية ضالته، وفي جماعة مسلحة أداته، فحوّل أقلية في شمال الشمال إلى خنجر مسموم في قلب اليمن وجسد الأمة العربية، لا يخدم إلا أجندة سيده في طهران.
ومن جهة أخرى، ويا للأسف، لم يكن الجار القريب بأفضل حالاً. فبدلاً من أن يكون حضناً وسنداً في مواجهة هذا الغزو، تعامل معنا كملف أمني، أو كأسهم في بورصة المصالح والنفوذ. انقسم الجيران أنفسهم، فدعم هذا طرفاً لخدمة مصالحه البحرية، وساند ذاك طرفاً آخر لتأمين حدوده، وتحول “التحالف” الذي استنجدنا به لإنقاذ الدولة، إلى مظلة تتصارع تحتها المشاريع الصغيرة، وتُصفى تحت سقفها الحسابات الإقليمية على حساب دمنا وأرضنا. لقد أصبحنا ساحة لتنافس الحلفاء، بقدر ما نحن ساحة للحرب مع الأعداء، وهو ما فاقم من عزلتنا وضاعف من مأساتنا.
وفي خضم هذا الليل المظلم، حيث لا بصيص ضوء في الأفق، وحيث أُغلقت كل الأبواب في وجوهنا، لم يعد أمامنا إلا أن نعود إلى البدايات. أن نعود إلى الأصل. أن نولي وجوهنا شطر القاهرة، لا كخيار بين خيارات، بل كضرورة وجودية، وكفعل كرامة أخير.
لماذا مصر؟ لأننا جربنا الجميع وفشلوا. جربنا الاعتماد على الذات فباعتنا نخبنا في سوق النخاسة الإقليمي. وجربنا الجار القريب، فتعامل معنا كغنيمة حرب أو كابوس أمني. وجربنا مواجهة الغريب وحدنا، فاستنزف دمنا ومزق أرضنا. أما مصر، فلم تكن يوماً طامعة في أرضنا أو ثروتنا. عندما أتت إلينا، أتت حاملة مشروعاً للأمة، وعندما ضحت، ضحت من أجل مبدأ. تاريخها معنا هو تاريخ الشقيق الذي يعطي ولا يأخذ، ويبني ولا يهدم.
إننا لا نطلب من مصر أن تخوض حرباً جديدة على أرضنا، فالأرض لم تعد تحتمل المزيد من الدماء. ولكننا نطلب منها ما هو أسمى وأهم: نطلب منها أن تفتح “حضنها السياسي” لليمن، وأن تتبنى مشروع “إنقاذ الدولة اليمنية” كقضية أمن قومي عربي. نطلب منها أن تستدعي ما تبقى من شرفاء اليمن، من أحزاب قومية وشخصيات وطنية لم تتلوث، وأن ترعى حواراً يمنياً-يمنياً على أرضها المحايدة، هدفه ليس تقاسم السلطة، بل “استعادة الدولة”.
نطلب من مصر، بمكانتها وثقلها، أن تقول للعالم أجمع: “اليمن ليس ساحة متروكة للفوضى، ولا غنيمة لأحد.
إن أمنه من أمننا، ووحدته خط أحمر”. نطلب منها أن تقود جهداً دولياً وإقليمياً يفرض على الجميع وقف دعم الميليشيات، وسحب البساط من تحت أقدام أمراء الحرب، والبدء في مسار سياسي حقيقي تحت إشراف مصري مباشر وبضمانة دولية.
إنه نداء أخير، قد لا يتكرر. نداء من شعب يقف على حافة الهاوية، ينظر إلى تاريخه فيرى مصر، وينظر إلى جغرافيته فيرى مصر، وينظر إلى مستقبله فلا يرى أملاً إلا في مصر. إننا اليوم نرتمي في أحضانكم، لا كلاجئين، بل كأبناء يعودون إلى بيت أبيهم، يطلبون الحماية والمشورة والسند.
إن إنقاذ اليمن اليوم هو إنقاذ للعروبة ذاتها. فإما أن نترك هذا البلد العريق، أصل العرب ومنبعهم، ليتحول إلى خناجر مسمومة في خاصرة الأمة، وساحة للفوضى التي ستفيض على الجميع، أو أن ننتشله اليوم قبل الغد، ليعود كما كان دائماً، عمقاً استراتيجياً وسنداً لأمته العربية.
إن التاريخ يسجل، ولن يرحم المتقاعسين. ولسان حال كل يمني حر اليوم يردد: لقد أخطأنا الطريق عندما ابتعدنا عنكم، وها نحن نعود، فهل تفتحون لنا الباب يا أهلنا في مصر؟ هل تعيدون صوت العروبة الصادق ليجلجل من جديد فوق جبال صنعاء وسواحل الحديدة وسهول عدن؟ إننا ننتظر، والتاريخ ينتظر، والأمل كله معقود عليكم.
✍🏻 مشتاق هاشم العلويباحث وكاتب سياسي
أبرز نقاط المقال
✍️دور مصر التاريخي: سند اليمن وشريك في تحريره من الإمامة والاحتلال البريطاني.
✍️كارثة الانشطار الداخلي: نخبة يمنية خائنة حولت السياسة إلى ميليشيات وفوضى.
✍️تعدد المشاريع الانفصالية: مطالب استقلال في المهرة، حضرموت، شبوة، تهامة، تعز، إب، مأرب، الشمال وعدن.
✍️تدخل القوى الخارجية: إيران تدعم ميليشيات شمالية، والجيران يستغلون الوضع لمصالحهم.
✍️العودة إلى مصر: اليمنيون يطلبون من مصر قيادة مشروع إنقاذ الدولة والوحدة.
✍️تحذير من الفوضى: إنقاذ اليمن اليوم يعني حماية العروبة ووحدته.



