كتب أيوب نصر:حين تسقط الذرائع وتبقى الجغرافيا: فنزويلا في قلب الصراع الأوراسي–الأمريكي
قبل شهرين، أو أكثر قليلاً، وجّهت القوات البحرية الأمريكية صاروخًا إلى قارب صيد فنزويلي، تحت شعار محاربة تهريب المخدرات. ثم، بعد ذلك، نشرت الولايات المتحدة قواتها أمام الساحل الفنزويلي، وكانت العلّة ابتداءً، كما أشرت آنفًا، هي محاربة عصابات المخدرات.

حين تسقط الذرائع وتبقى الجغرافيا: فنزويلا في قلب الصراع الأوراسي–الأمريكي
الصاروخ الأول… وبداية الذريعة
قبل شهرين، أو أكثر قليلاً، وجّهت القوات البحرية الأمريكية صاروخًا إلى قارب صيد فنزويلي، تحت شعار محاربة تهريب المخدرات.
ثم، بعد ذلك، نشرت الولايات المتحدة قواتها أمام الساحل الفنزويلي، وكانت العلّة ابتداءً، كما أشرت آنفًا، هي محاربة عصابات المخدرات.
ثم تطوّر الوضع، وتطوّرت العلّة؛
فأمّا الوضع فأصبح حصارًا شاملًا،
وأمّا العلّة فأصبحت ـ بحسب الرواية الأمريكية ـ استعادة الأراضي والأصول التي سرقتها فنزويلا من الولايات المتحدة.
وعلى حدّ تعبير ترامب، فإن الحصار والتواجد العسكري:
«سيزداد حجمًا حتى تعيد فنزويلا إلى الولايات المتحدة الأمريكية كل النفط والأراضي والأصول الأخرى التي سرقتها منا سابقًا».
وهذا التضارب في العلل يدفعنا إلى إعادة البصر مرتين، والنظر كُرّتَين، في الأسباب التي تحمل الولايات المتحدة على فتح هذه الجبهة، وخصوصًا في فترة رئيسٍ كلّ همّه ـ نظريًا ـ هو إيقاف الحروب للحصول على جائزة نوبل للسلام.
هل المخدرات هي السبب؟
وبغضّ النظر عن مسألة تورّط الطبقة الحاكمة في فنزويلا مع عصابات المخدرات من عدمها، فليس هذا ما يدفع الولايات المتحدة إلى شنّ حرب، وإسقاط النظام، والمغامرة بفقدان ترامب للأغلبية في الانتخابات النصفية.
وإلا كان لزامًا على الولايات المتحدة أن تشنّ حربًا على دول أخرى هي أقرب جغرافيًا من فنزويلا.
أمّا مسألة سرقة فنزويلا للنفط والأراضي والأصول الأمريكية، فهذا مما لا علم لنا به، الأمر الذي يُنبئ بأن العلّة الحقيقية وراء هذا التصعيد شيء آخر غير الذي ذُكر.
حين تحترق الورقة الأوكرانية
في الصراع الجيوسياسي بين الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا، وبين روسيا، أصبحت الورقة الأوكرانية محروقة، ويتم استغلالها اليوم فقط لإلهاء الجانب الروسي، عبر لعب دور العصا والجزرة بين الأمريكي والأوروبي.
وفي الوقت نفسه، يُدار الصراع الجيوسياسي الحقيقي والقوي في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وهما المنطقتان المشكّلتان للفضاء ما بعد السوفياتي، أو ما يُعرف بـ أوراسيا وفق المفهوم السياسي، وهي الحديقة الخلفية للروس.وهذا جانب من الصورة.
الحديقة الخلفية الأمريكية… الوجع الحقيقي
أمّا الجانب الآخر من الصورة، فهو في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية، أي أمريكا الجنوبية، والتي تشكّل وجعًا حقيقيًا للأمريكيين، بالنظر إلى العلاقات التاريخية التي تربط دول المنطقة بروسيا منذ أيام الاتحاد السوفياتي.
ولهذا، فإن هذه المنطقة أكثر أهمية للولايات المتحدة من غيرها؛فهي خاصرتها الرخوة.
الحرب هنا ليست على النظام الفنزويلي الحالي، ولا على كارتيلات المخدرات، بقدر ما هي حرب لاسترجاع أرض ومنطقة يعتبرها الأمريكيون أرضًا تابعة لهم، وتمّت سرقتها ـ كما أعلن ترامب وجاهر.
فنزويلا كما يراها ترامب: أرض مسروقة
فالذي يراه ترامب، وترى معه الولايات المتحدة، أن هذه الأرض ـ أي فنزويلا ـ أخذها، أو سُرقت كما جاء في التعبير الترامبي، مادورو ونظامه في حرب وكالة لصالح روسيا.
وهي، في الأصل، أرض أمريكية، وما تحتها من نفط هو نفط أمريكي، ولن يُفكّ الحصار البحري حتى تتمّ إعادتها إلى أصحابها الأصليين، كما قال.

✍️بدأت الأزمة بإطلاق صاروخ أمريكي على قارب صيد فنزويلي بذريعة مكافحة تهريب المخدرات.
✍️تطور الوضع لاحقًا إلى حصار شامل وفقًا لتصريحات ترامب.
✍️التناقض بين الذرائع الحقيقية للمواجهة الأمريكية يشير إلى أن هناك دوافع جيوسياسية أوسع.
✍️الورقة الأوكرانية أصبحت محروقة ويُستغلها الغرب لإلهاء روسيا.
✍️جنوب القوقاز وآسيا الوسطى تمثل الحديقة الخلفية لروسيا، بينما أمريكا الجنوبية تمثل خاصرة الولايات المتحدة الرخوة.
✍️الولايات المتحدة تعتبر فنزويلا منطقة استراتيجية يجب استرجاعها وفق التصور الأمريكي، بما فيها النفط والأراضي.



