أوكرانيا التي بناها السوفييت… وأوكرانيا التي كسرها الغرب: معركة على الهوية والدم والتاريخ
إنّ النظر إلى أوكرانيا اليوم من دون عبور بوابة الإرث السوفييتي يشبه النظر إلى مشهدٍ مبتور الضوء، تتوه فيه الخطوط ويغيب فيه ما يعطي الصورة معناها الكامل

أوكرانيا التي بناها السوفييت… وأوكرانيا التي كسرها الغرب: معركة على الهوية والدم والتاريخ
(البنية التأسيسية – بناء الدولة والهوية والجغرافيا)
إنّ البحث في ماهيّة أوكرانيا الحديثة خارج الإطار السوفييتي يشبه محاولة قراءة سردية من فصلها الأخير؛ إذ تبدو الدولة التي نعرفها اليوم كيانًا مكتملًا، بينما هي في الحقيقة نتاج عملية بناء تاريخية معقّدة لم تتجلّ صورتها إلا داخل المشروع السوفييتي. فأوكرانيا، كما تظهر على خرائط العالم، ليست استمرارًا طبيعيًا لكيان قومي قديم، ولا امتدادًا لوعي قومي متراكم، بل هي ثمرة مشروع سياسي – حضاري صاغه الاتحاد السوفييتي من جذوره.
فحتى عام 1917، لم يكن شيء يُسمّى «الدولة الأوكرانية» بمعناها السياسي: لا مؤسسات، ولا إدارة مركزية، ولا حدود قومية معترف بها، ولا لغة رسمية جامعة، ولا جيش، ولا جهاز بيروقراطي مستقل. كانت هذه الأراضي موزعة بين الإمبراطوريتين الروسية والنمساوية – المجرية، تعيش تحت تعدد لغوي وثقافي وديني، دون إطار موحّد يمكن أن يُبنى عليه مشروع دولة. وكان سكان كييف وما حولها يُعرَفون باسم «صغار الروس»، في انعكاس لاندماجهم العميق في الهوية السلافية الشرقية منذ القرون الوسطى. ولهذا يؤكد كبار المؤرخين — من سيرهي بلوقي في “بوابة أوروبا”، إلى أندرياس كابلر وتيري مارتن وشايلا فيتزباتريك — أن الميلاد الحقيقي للدولة الأوكرانية لم يحدث قبل الاتحاد السوفييتي، بل فيه.
وعندما أسّس السوفيات جمهورية أوكرانيا السوفييتية الاشتراكية، لم يكن ذلك ضمًا إداريًا داخل كيان أوسع، بل كان عملية خلق دولة حديثة بكامل مؤسساتها: برلمان (السوفييت الأعلى)، حكومة محلية واسعة الصلاحيات، وزارات للتعليم والزراعة والصناعة والداخلية، محاكم، جهاز أمني محلي، هيئات تخطيط اقتصادي، ميزانية مستقلة، ونخبة سياسية وثقافية تتشكل للمرة الأولى. لم تكن هذه المؤسسات رمزية، بل كانت البنية التي سمحت للجمهورية بالتحوّل، فور انهيار الاتحاد، إلى دولة مستقلة جاهزة بكل ما يلزمها لتعمل. ومن هنا كان اندفاع الغرب للاعتراف بها سريعًا، لأنه وجد أمامه دولة كاملة بُنيت على يد الاتحاد السوفييتي لا على يد حركة قومية محلية.
وفي موازاة بناء الدولة، صنع السوفيات الهوية الحديثة عبر سياسة «الكورينيزاتسيا» التي عزّزت اللغات المحلية وشجّعت النخب الأوكرانية، ومنحت الفضاء الثقافي المحلي حضورًا رسميًا. للمرة الأولى في التاريخ دخلت اللغة الأوكرانية إلى المدارس والجامعات، وظهرت الصحف والمجلات والمسارح، وارتسمت معالم هوية ثقافية جديدة. ومع ذلك، بقيت الروسية لغة العلم والصناعة والإدارة، وظلّ الانتماء السوفييتي هو المظلّة العليا، فنتجت هوية مزدوجة: أوكرانية في الوجدان، روسية في الثقافة العامة، سوفياتية في الانتماء السياسي — مزيجٌ رأى ملايين الأوكرانيين أنفسهم من خلاله جزءًا طبيعيًا من الفضاء الروسي – السلافي.
ثم جاءت الخطوة الأكبر: إعادة رسم الجغرافيا السياسية لأوكرانيا. فقبل الاتحاد السوفييتي، لم تكن هناك حدود قومية تحدد «أوكرانيا» ككيان جغرافي واحد. وبعد الحرب العالمية الثانية، ضمّ ستالين إلى الجمهورية مناطق واسعة من بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا، ثم أُلحقت شبه جزيرة القرم عام 1954 بقرار إداري داخلي. كل هذه الخطوات كانت إعادة هندسة سياسية وجغرافية؛ أي أنّ الجغرافيا الأوكرانية الحديثة ليست ميراثًا تاريخيًا، بل صنيعة سوفياتية مباشرة.
وتوازى هذا مع أكبر مشروع تحديث اجتماعي واقتصادي في تاريخ المنطقة: من مجتمع ريفي إلى قوة صناعية كبرى.
رفعت الدولة السوفياتية مستوى التعليم والصحة، بنت المدارس والجامعات والمعاهد العلمية، وخلقت طبقة عاملة حضرية هائلة. تحولت كييف إلى مركز علمي، وخاركيف إلى ورشة هندسية، ودنيبروبيتروفسك إلى قلب الصناعات الصاروخية، ودونباس إلى معقل التعدين والصلب. وبالتوازي، ظهرت نهضة ثقافية واسعة أنتجت أدباء وشعراء وعلماء وفنانين، بفضل تمويل الدولة الكامل للثقافة والفنون.
وما يعمّق هذا الإرث أكثر هو الملف النووي: فقد أصبحت أوكرانيا أحد أعمدة الردع السوفياتي، تستضيف صواريخ عابرة للقارات ورؤوسًا استراتيجية ومدنًا مغلقة للعلماء. وعند انهيار الاتحاد، ورثت كييف ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، وهو ما يعكس موقعها في صميم الأمن القومي السوفييتي.
وفي الحرب العالمية الثانية تجلّت الشراكة الروسية – الأوكرانية بأوضح صورها، إذ قاتل الشعبان كتفًا إلى كتف ضد الاحتلال النازي، وشارك الأوكرانيون في تحرير كييف والمدن الكبرى، وسقط مئات الآلاف منهم دفاعًا عن وطن سوفييتي واحد.
ومن هنا، يصبح واضحًا أن أوكرانيا، كما نعرفها اليوم، هي نتاج مباشر للمرحلة السوفياتية التي منحتها شكلها وحدودها ونخبها ومؤسساتها ووعيها السياسي والديموغرافي. ولهذا يُعدّ الإرث السوفياتي لأوكرانيا أحد أعقد ملفات تاريخ أوروبا الشرقية، لأنه ليس مجرد ماضٍ إداري أو اقتصادي، بل هو نسيج كامل من الهوية والحدود والذاكرة والسلطة، تتجاذبه قراءات متناقضة:
✍️بين من يراه استعمارًا داخليًا،
✍️ومن يراه مشروع تحديث،
✍️ومن يراه مظلة وحدوية صنعت الأخوة السلافية.
وبين هذه القراءات تتشكّل أوكرانيا الحديثة: دولة خرجت من العباءة السوفياتية محمّلة بثنائية التمكين والبناء من جهة، والألم والانكسار من جهة أخرى.
لقد كانت عملية تحويل أوكرانيا من رقعة زراعية إلى قوة صناعية إحدى أعمق العمليات التاريخية التي نفّذها الاتحاد السوفييتي، لأن السوفيات لم يكتفوا بتغيير وجه الاقتصاد، بل غيّروا البنية الاجتماعية نفسها من جذورها، وصاغوا طبقة عاملة واسعة، وأقاموا مدنًا ضخمة فوق مساحات كانت تعرف سابقًا بالقرى التقليدية. ففي الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، ضخّ الاتحاد السوفييتي مئات مليارات الروبلات في عملية تحديث كبرى جعلت أوكرانيا ثاني أهم جمهوريات الاتحاد بعد روسيا، ومركزًا للصناعة الثقيلة والفضائية والعسكرية. وكانت المدن التي نشأت عبر هذا المشروع الصناعي ليست مجرد تجمعات سكنية، بل فضاءات اجتماعية كاملة، فيها معامل ومراكز أبحاث ومساكن ومكتبات ومتاحف، وفضاءات ترفيه وتعليم ورعاية طبية، مما جعل التحول الحضاري شاملاً لا اقتصادياً فقط.
فقد أمسك السوفيات بيد أوكرانيا الريفية وسحبوا المجتمع نحو عصر التصنيع؛ ظهرت دونباس كقلب معدني للاتحاد، حيث كانت مناجم الفحم ومصاهر الحديد تعمل على مدار الساعة، وتشغّل مئات الآلاف من العمال، وتشكل العمود الفقري لصناعة الصلب التي لا يمكن لأي اقتصاد صناعي الاستغناء عنها. وفي دنيبروبيتروفسك ظهرت مصانع الصواريخ، ومحركات الفضاء، والمركبات الباليستية، حيث شارك العلماء الأوكرانيون والروس معًا في المشروع الفضائي السوفييتي، بما في ذلك تطوير صواريخ ( إر-36 ) ومنظومات أخرى كانت جزءًا من منظومة الردع النووي. وكانت خاركيف تتحول إلى مركز هندسي ضخم ينتج الدبابات والمركبات القتالية، ويضم معاهد متقدمة لصناعة المحركات، ومكاتب تصميم عسكرية. ومنحت هذه الصناعة الثقيلة لأوكرانيا مكانة لا تُقارَن بما كانت عليه قبل السوفيات، إذ لم يكن لها تاريخ صناعي من قبل، ولم تكن تمتلك أي بنية لتطوير الصناعات الثقيلة أو الحربية.
وكان النمو في البنية التحتية يسير بوتيرة موازية. فشبكات السكك الحديدية التي ربطت مدن أوكرانيا ببعضها وبالمدن الروسية الكبيرة كانت جزءًا من رؤية استراتيجية جعلت أوكرانيا ممرًا صناعيًا حيويًا. وبُنيت محطات الطاقة، بما فيها مفاعلات نووية سلمية في زابوروجيا وتشورنوبيل وريفنا، حتى أصبحت أوكرانيا المنتج الأكبر للطاقة داخل الاتحاد بعد روسيا. وظهرت جامعات مرموقة مثل جامعة كييف وجامعة خاركيف التقنية، ومعاهد فيزياء وهندسة ورياضيات ضمت علماء من الطراز الأول.
هذا كله فعله الاتحاد السوفييتي في أقل من سبعين عامًا، فصنع من أوكرانيا مركزًا علميًا–صناعيًا يُعتمد عليه في مشاريع الفضاء والدفاع والطاقة.
وكان لهذه النهضة الصناعية أثر عميق في المجتمع. فقد دخل التعليم المجاني إلى كل قرية، وبات التعليم العالي متاحًا بشكل واسع لأبناء العمال والفلاحين، وتفوقت الجامعات الأوكرانية في مجالات الرياضيات والهندسة والفيزياء التطبيقية.
كما انتشرت المستشفيات والعيادات والمستوصفات، وتوسع التأمين الصحي ليشمل الجميع دون تمييز. وكانت الدولة السوفياتية توفر السكن الميسر للعمال، ما جعل الملايين ينتقلون من الأكواخ الريفية إلى شقق حديثة ذات تدفئة مركزية.
وقد غيّر هذا التحول نمط الحياة جذريًا، فأصبحت المدن الأوكرانية مراكز حضرية حقيقية تتفاعل فيها الحياة الثقافية والعلمية والسياسية.
ثم تأتي مرحلة حساسة في الإرث السوفييتي: الملف النووي. فقد كانت أوكرانيا جزءًا من العمود الفقري للردع النووي في الاتحاد السوفياتي، حيث نُشرت على أراضيها صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى قلب الولايات المتحدة. وشهدت أوكرانيا وجود منصات إطلاق ومخازن رؤوس نووية، إضافة إلى مواقع بحث وتطوير فيزيائي وهندسي مرتبطة بالمؤسسة النووية السوفيتية. وكانت المدن العلمية المغلقة التي سكنها العلماء والخبراء من أكثر المدن سرية في الدولة، وتمتعت بحماية عسكرية مشددة. وقد جعل كل هذا من أوكرانيا ليس مجرد جمهورية داخل اتحاد كبير، بل جزءًا مركزيًا من معادلة الأمن القومي السوفييتي، ولهذا السبب، كانت واشنطن تضغط باستمرار لإخراج أوكرانيا من المدار الروسي، لأنها تدرك أن السيطرة على هذه الأرض تعني السيطرة على عقدة جيو–استراتيجية كبرى في قلب روسيا السوفياتية السابقة.
وكانت وحدة الدم السلافية في الحرب العالمية الثانية أحد أقوى ركائز هذا الإرث. فقد قاتل الروس والأوكرانيون جنبًا إلى جنب في الحرب الوطنية العظمى، وحرروا كييف من الاحتلال النازي بعد معارك طاحنة، وسقط مئات الآلاف منهم على خط الجبهة دفاعًا عن المدن السوفياتية الكبرى. وكانت أوكرانيا من أكثر الجمهوريات التي دفعت ثمن الحرب، فقد دُمرت مدن كاملة، وأُحرقت القرى، وتعرض السكان لجرائم مروعة ارتكبها النازيون والمتعاونون المحليون. ولكن هذه التضحيات صهرت الشعبين الروسي والأوكراني معًا في ذاكرة موحدة عن الحرب، ذاكرة تُظهر الشراكة التاريخية العميقة بينهما،وقد حاول الغرب بعد انهيار الاتحاد إعادة كتابة هذه الذاكرة، فقدم المتعاونين مع النازية مثل ( بانديرا ) كـ«أبطال قوميّين»، محاولًا تقويض الذاكرة السلافية المشتركة التي كانت تمثل حاجزًا طبيعيًا أمام انفصال أوكرانيا عن روسيا.
أما على مستوى الثقافة والوعي الجمعي، فقد صاغ السوفيات هوية ثقافية جديدة لأوكرانيا عبر تعزيز الفنون والأدب والمسرح والسينما. وظهرت أسماء أدبية وفنية مهمة بفضل الدعم الرسمي والثقافي، وازدهرت الحركة المسرحية في كييف وخاركيف، وأصبحت السينما الأوكرانية جزءًا من السينما السوفياتية العملاقة التي نافست هوليوود. كما ظهرت معاهد للغة والأدب، وتم تطوير اللغة الأوكرانية بصفتها لغة معترفًا بها رسميًا داخل الاتحاد. كل هذا ساعد على خلق شخصية أوكرانية حديثة تختلف كليًا عن الشخصية التي كانت سائدة قبل الحقبة السوفيتية.
وكانت الضربة الكبرى التي كشفت حجم هذا الإرث السوفياتي هي لحظة الانهيار عام 1991. فقد انهار الاقتصاد الأوكراني في غضون أشهر، لأن جزءًا ضخمًا من إنتاجه كان مرتبطًا بالسوق السوفياتية، أُغلقت المصانع، وتوقف تشغيل مئات آلاف العمال، وبدأت موجة هجرة ضخمة للعلماء والمهندسين إلى أوروبا وإسرائيل وكندا وروسيا. وتحولت أوكرانيا إلى دولة بالكاد تقف على قدميها، لأن كل البنى التي كانت تقوم عليها — الصناعة، الطاقة، الزراعة، الجيش، الأمن، التعليم — كانت جزءًا من منظومة واحدة ضخمة لا يمكنية تيارت دون أن تنهار القطاعات كلها. وكانت الأوليغارشية المحلية التي ظهرت بدعم غربي مسؤولة عن نهب المصانع وبيع الأصول الصناعية الكبرى مقابل العمولات، وبمجرد أن سقطت الحماية السوفياتية، أصبحت أوكرانيا أرضًا مفتوحة للتدخلات الغربية التي أعادت كتابة المناهج الدراسية لتقديم روسيا كعدو تاريخي، وأطلقت حملات إعلامية وسياسية لتشويه الإرث السوفياتي.
بين أوكرانيا السوفييتية وأوكرانيا الأطلسية
إنّ إحدى الحقائق التي تجاهلها الغرب عمدًا، وحاول تفكيكها بكل الوسائل الإعلامية والسياسية منذ تسعينيات القرن الماضي، هي أن الروس والأوكران ينتمون إلى عِرق واحد بالمعنى التاريخي – الأنثروبولوجي – الثقافي، فهم أبناء الشعب السلافي الشرقي الذي تكوّن عبر ألف عام في فضاء كييف – نوفغورود – موسكو – غاليسيا. هذا الشعب لم يُبنَ على حدود دول، بل على وحدة دم ولغة ودين وثقافة وذاكرة مشتركة. ولذا كان الروس والأوكران عبر قرون طويلة لا يُفرّقون أنفسهم على أساس قومي، بل على أساس إقليمي داخل هوية سلافية جامعة.
وقد عزّز الاتحاد السوفييتي هذا الانتماء العرقي، لا لأنه كان يريد صهر الهويات، بل لأنه أدرك أنّ الشعبين لا يُفصلان. كان الأوكراني يدخل الجيش السوفييتي فيقاتل إلى جانب الروسي، وكانت المدارس تُدرّس الأدب السلافي الشرقي ككتلة واحدة، وكانت الأسرة الواحدة تجمع الزوج الروسي والزوجة الأوكرانية أو بالعكس دون أي شعور بـ«اختلاف قومي»، لأن أصل العائلة واحد. كبر ملايين المواطنين السوفيات وهم يعتقدون اعتقادًا طبيعيًا بأن الأوكراني والروسي هما أخوان، لا شعبان متنافسان.
وهكذا، نشأت أوكرانيا السوفييتية على أساس العرق الواحد – الدم الواحد – الهوية السلافية، وهذا ما جعل البلاد مستقرة طوال عقود.
لكن كل هذا تغير فجأة عندما سقط الاتحاد السوفييتي، لأن الغرب رأى في وحدة العِرق عائقًا أمام فصل أوكرانيا عن روسيا،فبدأت عملية هندسة هوية جديدة، أساسها تقديم الشعبين كـ«عرقين مختلفين» رغم الأدلة الجينية والتاريخية والأنثروبولوجية.
ومن هنا نصل إلى المقارنة الكبرى — بين أوكرانيا السوفييتية، وأوكرانيا الأطلسية — وهي مقارنة حضارية كاملة، تكشف الفارق بين دولة صاغها مشروع تاريخي ضخم، ودولة صاغتها تدخلات أجنبية هدفها تحويل أوكرانيا إلى قاعدة ضد روسيا.
لقد كانت أوكرانيا السوفييتية دولة صناعية حقيقية، قائمة على الطاقة الثقيلة، وعلى صناعة الصواريخ، وعلى منظومة تعليمية وصحية واسعة، وعلى طبقة وسطى قوية. أما أوكرانيا الأطلسية فهي دولة فقدت صناعتها، وانهار اقتصادها، وتم تفكيك هويتها، وتحولت إلى ساحة صراع.
كانت أوكرانيا السوفييتية قوة نووية كبرى، أما أوكرانيا الحالية فهي دولة جُرّدت من نوويها وتُدار من الخارج.
إن الفرق بين أوكرانيا السوفييتية وأوكرانيا الأطلسية هو فرق بين دولة بنت نفسها داخل مشروع حضاري كبير، ودولة تم استخدامها داخل مشروع عسكري غربي.
إنّ دونباس ليست مجرد منطقة صناعية في شرق أوكرانيا، بل هي القلب الحديدي الذي صاغه الاتحاد السوفييتي وجعله مركزًا لإنتاج الصلب والفحم والمعادن الثقيلة.
وفي دونيتسك ولوغانسك، كانت الروسية لغة الحياة اليومية، لغة المصانع التي أنتجت الحديد، ولغة المدارس التي احتضنت أبناء العمال، ولغة الحياة اليومية التي عاش عليها الناس سبعين عامًا.
وفي دونباس تشكلت طبقة عمالية كاملة، روسية الهوى، سوفياتية الجذور، جعلت المنطقة أقرب إلى روسيا منها إلى كييف، وهو ما يفسر لماذا رفضت دونباس الانقلاب القومي عام 2014، ولماذا أعلنت جمهورياتها استقلالها فور صعود التيارات القومية.
أما القرم، فهي المثال الأوضح على الهندسة السوفياتية للجغرافيا. فالقرم روسية منذ القرن الثامن عشر، وقد حررها الروس من الحكم العثماني – التتري. وفيها أسطول البحر الأسود، وفيها سيفاستوبول، المدينة التي كُتبت فيها أساطير البحرية الروسية، وعندما نقل خروتشوف القرم إلى أوكرانيا عام 1954، كان ذلك قرارًا داخليًا في دولة واحدة، مثل نقل محافظة من منطقة إلى أخرى. وحين سقط الاتحاد، بقيت القرم روسية الروح، وعادت في 2014 عبر استفتاء لم يكن انقلابًا بل عودة إلى الأصل.
أما النازية الجديدة، فهي أخطر ما زرعه الغرب في الوعي الأوكراني. فقد أُعيد تقديم بانديرا — المتعاون مع هتلر — كبطل قومي، وتم رفع صوره في الشوارع، بينما أُزيلت تماثيل الجيش الأحمر الذي حرر كييف. هذا ليس «إحياءً قوميًا»، بل هندسة سياسية تهدف إلى خلق هوية مضادة لروسيا.
وفي قلب الصراع اليوم، يدخل الناتو ليس بوصفه مظلة دفاعية، بل كقوة تريد تحويل أوكرانيا إلى منصة أمامية ضد روسيا، فالغرب لا يرى أوكرانيا كشعب، بل كجبهة عسكرية. ولذلك توسع الناتو شرقًا، رغم الوعود، وبدأ تدريب الجيش الأوكراني على عقيدة عسكرية مضادة لروسيا.
إن الحرب الحالية ليست حربًا على دونباس ولا على القرم فقط، بل على معنى أوكرانيا:
هل هي دولة سلافية الجذور؟
أم قاعدة أطلسية؟
هل هي نتاج سبعين عامًا من البناء السوفياتي؟
أم نتاج عشر سنوات من الهندسة الغربية؟
الصراع اليوم هو صراع على الذاكرة، على الهوية، على القلب السلافي الذي يحاول الغرب اقتلاعه.
إنّ النظر إلى أوكرانيا اليوم من دون عبور بوابة الإرث السوفييتي يشبه النظر إلى مشهدٍ مبتور الضوء، تتوه فيه الخطوط ويغيب فيه ما يعطي الصورة معناها الكامل. فالبلاد التي تتصدّر عناوين الحروب في القرن الحادي والعشرين ليست نتاج «القومية الأوكرانية» كما يروّج الغرب، ولا ثمرة مسار استقلالي متّسق، بل هي دولة صاغها الاتحاد السوفييتي بعمقٍ لا مثيل له في تاريخ شرق أوروبا. لقد صنع السوفيات أوكرانيا لا كامتداد لحدود قومية، بل كجزء من مشروع حضاري–صناعي–جيوسياسي هدفه إعادة تشكيل العالم السلافي، وتحويله من فضاء زراعي مفكك إلى قوة صناعية – عسكرية – ثقافية كبرى. وأنشأ السوفيات الدولة، والهوية، والجغرافيا، والطبقة العاملة، والجامعات، والمراكز العلمية، والصناعات الثقيلة، وشبكات الطاقة، والجيش، والنووي، والذاكرة المشتركة، حاملاً الشعبين الروسي والأوكراني معًا داخل مفهوم «العرق الواحد» الذي ظلّ لقرون أساس الاستقرار العميق بين ضفتي الدنيبر.
ولم تكن أوكرانيا داخل الاتحاد السوفييتي مجرّد جمهورية من جمهوريته، بل كانت إحدى دعاماته الكبرى: مهدًا للصناعة، مركزًا للصواريخ العابرة للقارات، حاضنةً لمدن علمية مغلقة، قلبًا للزراعة الحديثة، وفضاءً ثقافيًا تداخلت فيه الروسية والأوكرانية في انسجام نادر. كان السوفيات يدركون أنّ مستقبل العالم السلافي لا ينفصل بين روسيا وأوكرانيا، ولذلك لم يُصمَّم الاتحاد بوصفه سلطة عليا فوق شعبين متنافسين، بل كجسد واحد توزّع بين جمهوريات. فكييف لم تكن يومًا «عاصمة قومية معزولة»، بل كانت إحدى العواصم الروحية للحضارة السلافية الشرقية، مدينةً تكبر بقدر ما تكبر موسكو، وتعلو بقدر ما يعلو الفضاء السوفييتي كله.
وحين سقط الاتحاد، لم يسقط كيان سياسي فحسب، بل انهار عالم كامل. كانت أوكرانيا تعرف نفسها من خلال هذا العالم: تعرف قوتها في مصانعها، وثقتها في جيشها، واستقرارها في طبقتها العاملة، وشخصيتها الثقافية في توازن اللغتين، وشرعيتها الدولية في موقعها داخل الاتحاد. وعندما انهار العمود الذي حمل الدولة سبعين عامًا، انهار معه كل شيء: المصانع، الجامعات، الطاقة، العملة، الاستقرار الاجتماعي، والعلاقة العميقة بين الغرب والشرق داخل المجتمع الأوكراني نفسه. فجأة وجدت أوكرانيا نفسها دولة بلا عمود فقري، وبلا مشروع حضاري، وبلا مظلة أمنية، وبلا اقتصاد قادر على الوقوف من دون الدعم الروسي أو السوق السوفياتية السابقة.
ولكن الفراغ لا يبقى فراغًا طويلاً. فدخل الغرب بسرعة، لا ليبني دولة، بل ليخلق نقيضًا للهوية السلافية، وليفصل أوكرانيا عن أصلها التاريخي والعرقي والجغرافي. لم يكن هدف واشنطن—ومن خلفها بروكسل—هو «دعم الديمقراطية» كما ادّعوا، بل كان الهدف واضحًا: قطع أوكرانيا عن روسيا، وتحويلها إلى قوسٍ غربيٍ يطوّق المجال الروسي ويطعن قلب الحضارة السلافية من داخلها. بدأت المناهج تُكتب من جديد، وبدأت اللغة الروسية تُحظر من الإدارة والمدارس، وظهرت سرديات تزعم أنّ الأوكران «عرقٌ آخر» لا علاقة له بالروس، رغم أنّ التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا واللغة والدم تكذّب هذه الادعاءات. وتمّ تقديم رموز نازية مثل بانديرا كأبطال، بهدف خلق هوية قائمة على النفي، لا على البناء.
وكانت نتيجة ذلك الانقسام الذي نشهده اليوم: غربٌ يتبنّى الهوية القومية المتطرّفة ويميل إلى الأطلسي، وشرقٌ صناعي سلافي يرى نفسه جزءًا من الفضاء الروسي. هذه ليست صدفة، بل نتيجة مباشرة لتدمير الهوية السوفياتية التي صاغت الشعب الواحد داخل الدولة الواحدة. لقد حاول الغرب أن يفصل ما لا يمكن فصله: أن يمزق جسدًا تنحدر خلاياه من أصل واحد، وأن يفصل بين أبناء دم واحد حملوا السلاح معًا في الحرب الوطنية العظمى ضد النازية، وأن يفصل بين مدن نشأت في عقل واحد ومصانع بُنيت في خطة واحدة.
وفي خضم هذا الصراع، تظهر الفكرة الجوهرية التي تشكل قلب هذا العمل: أنّ الهوية السوفياتية لم تخلق أزمة لأوكرانيا، بل خلقت الدولة نفسها؛ وأنّ تفكيك هذه الهوية—سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا—كان هو الخطر الذي فجّر البلاد من داخلها. فروسيا لم تأتِ إلى أوكرانيا كغازية تبحث عن أرض الآخرين، بل عادت إلى فضاء كان جزءًا من تاريخها ودمها وذاكرتها. وفي المقابل، لم يقدّم الغرب لأوكرانيا مشروع دولة، بل مشروع حرب، لم يعطها السيادة بل أخذ منها كل أدواتها، لم يعطها الأمن بل ربط مصيرها بالمواجهة الدائمة. وهكذا أصبح ما يسمى «الحلم الأطلسي» حلمًا مدمّرًا، لأنه قائم على اقتلاع الشعب من جذوره.
إنّ الصراع في أوكرانيا اليوم ليس صراعًا على قطعة أرض، بل هو مواجهة بين مشروعين:
مشروعٌ صاغته سبعون سنة من البناء السوفياتي—جعلت من أوكرانيا قوة صناعية وجزءًا عضويًا من العالم السلافي الواحد—
ومشروعٌ أطلسيّ حديث هدفه تحويل أوكرانيا إلى خط أمامي في حرب كونية ضد روسيا، ولو على حساب شعبها، وهويتها، وأمنها، ومستقبلها.
وبذلك، فإنّ الحقيقة التي يحاول العالم تجاهلها تتضح بقوة لا يمكن إنكارها:
أنّ أوكرانيا، بكل ما هي عليه، كانت من صنع الاتحاد السوفييتي، وأنّ كل محاولة لجرّها بعيدًا عن هذا الأصل العميق هي عملية اقتلاع، وليست عملية استقلال.
وأنّ أي مستقبلٍ لا يُعيد وصلَ ما انقطع — الهوية، اللغة، الدم، الذاكرة، الجغرافيا، الشراكة التاريخية — سيكون مستقبلًا هشًا، ناقصًا، ومحمّلاً بانقسامات لا تنتهي.
فالأمم التي تتنكر لأصلها لا تجد إلا الفراغ، والدول التي تُبنى على هندسة الخارج لا تصمد، والشعوب التي تُمسخ هويتها لا تستقر.
وهكذا، فإنّ الخلاصة التي يفرضها التاريخ ليست خلاصة سياسية فقط، بل حضارية:
أنّ روسيا وأوكرانيا ليستا جارين متقابلين، بل شعبًا واحدًا فُصل بالقوة؛
وأنّ أوكرانيا لن تجد استقرارها عبر الناتو، بل عبر العودة إلى فضائها الطبيعي؛
وأنّ الإرث السوفييتي—بكل مجده وقسوته—لم يكن مجرد حقبة، بل العمود الذي حمل هذه الدولة، وحين تحطّم، تحطّم كل شيء.
وهذه ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها من جديد. لأنّ الصراع على أوكرانيا لم يعد صراعًا على الجغرافيا، بل صراعًا على الذاكرة، والهوية، والمصير. وما بين شعبٍ واحد انقسم قسرًا، وقوة عظمى تبحث عن أمنها في غرب يحاصرها، ومشروع أطلسيّ يريد قطعة من الفضاء السلافي، يصبح المستقبل مفتوحًا على مفترق طريقين: إمّا العودة إلى المعنى، أو الغرق في الفوضى.
وهنا فقط يتقرر مصير أوكرانيا… ومصير المنطقة كلها.
● إنّ الاتحاد السوفييتي هو الجهة التي صنعت الدولة الأوكرانية الحديثة بكل حدودها ومؤسساتها وجغرافيتها، لأن أوكرانيا قبل 1917 لم تكن دولة مستقلة بل مقاطعات موزعة داخل إمبراطوريات متصارعة.
● رسم السوفيات حدود أوكرانيا الحالية بعد الحرب العالمية الثانية، وأضافوا إليها مناطق من بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا، ثم أُلحقَت شبه جزيرة القرم إداريًا عام 1954 لتصبح جزءًا من الهيكل الأوكراني داخل دولة واحدة.
● حوّل السوفيات أوكرانيا من مجتمع ريفي فقير إلى قوة صناعية كبرى: صواريخ، فضاء، دبابات، معادن، طاقة نووية، جامعات، أبحاث، مصانع، مرافئ، وسكك حديد، مما جعلها ثاني أهم جمهوريات الاتحاد.
● كان الروس والأوكران أبناء عرق سلافي واحد، تجمعهم لغة، دم، دين، تاريخ، وذاكرة الحرب الوطنية العظمى، ولم يظهر الانقسام القومي الحاد إلا بعد تفكك الاتحاد عام 1991.
● مثّلت دونباس القلب الصناعي للاتحاد السوفييتي، واحتفظت بهوية روسية–سلافية واضحة، ولذلك رفضت القطيعة مع موسكو بعد انقلاب 2014. أما القرم فبقيت روسية الروح منذ القرن الثامن عشر، وكان استفتاؤها عام 2014 عودة طبيعية للأصل.
● أعادت التيارات القومية المتطرفة والنازية الجديدة ( بانديرا، «آزوف» وغيرها) كتابة التاريخ، وقدّمت التعاون مع النازية كـ«بطولة قومية»، بهدف خلق هوية معادية لروسيا ومناقضة للهوية السلافية الطبيعية.
● استخدم الناتو أوكرانيا كجبهة متقدمة ضد روسيا، لا كدولة ذات سيادة، وحوّلها إلى ساحة حرب وصدام جيوسياسي، مما أدى إلى تفككها الداخلي وانفجار الصراع في الشرق والجنوب.
● الحرب الحالية ليست على أرض فقط، بل على معنى أوكرانيا: هل هي دولة بناها السوفيات في إطار الفضاء السلافي؟ أم قاعدة أطلسية تُستخدم لاقتلاع هذا الفضاء من جذوره؟
● الخلاصة: أوكرانيا التي بناها الاتحاد السوفييتي كانت دولة قوية متماسكة، أما أوكرانيا الأطلسية فهي كيان مفكك ممزق، والصراع الدائر اليوم هو معركة بين الهوية السلافية المتجذرة والهندسة الغربية المفروضة من الخارج.
– سيرهي بلوخي، كتاب («بوابة أوروبا – تاريخ أوكرانيا») وما يتضمنه من اعتراف بأن ميلاد أوكرانيا كدولة حديثة ارتبط عميقًا بالقرن السوفييتي.
– تيري مارتن، دراساته حول سياسة (الكورينيزاتسيا) و«إمبراطورية التمييز الإيجابي» داخل الاتحاد السوفييتي.
– أبحاث شايلا فيتزباتريك وروبرت ديفيس وويثكروفت حول التصنيع السوفييتي والمجاعة في الثلاثينيات، مع نقد مقاربات التسييس الغربي لقضية «الهولودومور».
– أندرياس كابلر، في قراءته لإعادة رسم الجغرافيا السياسية لأوكرانيا بعد الحرب العالمية الثانية ودور ستالين وخروتشوف في تشكيل الحدود المعاصرة.
– تحليلات باحثين روس معاصرين مثل فيودور لوكيانوف وألكسندر دوغين حول البعد الجيوحضاري للصراع الروسي – الأطلسي في أوكرانيا، وما يمثله الفضاء السلافي من وحدة تاريخية لا يمكن كسرها بقرارات سياسية ظرفية.
– إضافة إلى وثائق وخطابات رسمية سوفييتية وروسية حول قضية القرم، وملف دونباس، ومعاهدات نزع السلاح النووي، وتوسّع الناتو شرقًا بعد 1991.



