اخبار دولية
أخر الأخبار

آسيا الوسطى بين نفوذ بوتين وطموحات ترامب…!

استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قمة "C5+1" في البيت الأبيض بحضور رؤساء كازاخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، وتركمانستان.

آسيا الوسطى بين نفوذ بوتين وطموحات ترامب…!

 كتب د. سعد خلف – موسكو

✍️ 


📍 قراءة في إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي بين موسكو وواشنطن بعد قمة «C5+1»


🗓 البيت الأبيض، 6 نوفمبر 2025

استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قمة “C5+1” في البيت الأبيض بحضور رؤساء كازاخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، وتركمانستان.

خرجت القمة الأولى على مستوى الرؤساء في هذه الصيغة بسلسلة تفاهمات تجارية، خصوصًا في مجال المعادن النادرة، أبرزها هو اتفاق تطوير واحد من أكبر مكامن التنجستن في كازاخستان عبر مشروع مشترك يمنح الطرف الأمريكي حصة 70% مقابل 30% للشريك السيادي الكازاخي، بينما تُقدر تكلفة التطوير بحوالي 1.1 مليار دولار مع إمكانية التمويل من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي بمبلغ يصل إلى 900 مليون دولار.

هذا المشروع يمنح واشنطن موطئ قدم مباشر في أحد المعادن الحرجة لصناعات التسليح والفضاء والطاقة… والأهم أنه يقلل من الاعتماد الأمريكي على الإمدادات الصينية.

ومن هنا يظهر البعد الجيوسياسي الذي يتحرك فيه ترامب، فهو يسعى لتثبيت حضور واشنطن في سلاسل توريد المعادن الحرجة، وفي الوقت نفسه يعمل على هندسة شراكات نقل برية وممرات تجارية عبر آسيا الوسطى بعيدًا عن النفوذين الروسي والصيني المسيطرين في المنطقة.

ترامب عمل على توظيف الظرف الراهن بعد “تهدئة”… نسبية… مع بكين في ملف المعادن النادرة توصل إليها خلال لقائه الأخير مع شي جين بينغ في كوريا الجنوبية، والتقط بهذه الخطوة فرصة لدعوة قادة العواصم الخمس إلى واشنطن، حيث توصل معهم إلى مثل هذه التفاهمات.

🔍 قراءة في الدلالات الجيوسياسية:

النظر لهذه القمة من الزاوية التي تناولتها أعلاه يجعلنا نقرأها في سياق سعي واشنطن لتجاوز الصين وخفض الاعتماد عليها في معادن نادرة وحرجة، لكنها تأتي، في رأيي، وبلا شك في سياق تنافسي مفتوح مع موسكو في فنائها الخلفي التاريخي ومسرح نفوذها التقليدي.

منطقة آسيا الوسطى كانت ولا تزال على رأس قائمة الأولويات في الوثائق المفاهيمية للسياسة الخارجية الروسية منذ دخول بوتين الكرملين.

🏛 خلفيات وتقاطعات:

اللافت أن وزارة الخارجية الأمريكية بقيادة ماركو روبيو دفعت خطابًا مؤسسيًا عن ضرورة توسيع الشراكة الأمريكية مع خماسي آسيا الوسطى بمناسبة الذكرى العاشرة لصيغة “C5+1″، وهو خطاب يأتي عقب تسريبات—not معلومات مؤكدة—أن مكالمة لافروف وروبيو الأخيرة كانت السبب المباشر في فشل عقد قمة بوتين–ترامب في بودابست.

ويُقال إن روبيو هو أكثر أعضاء إدارة ترامب تشددًا تجاه روسيا، وأن هذا قُدّر كـ”فشل” للوزير لافروف، ولذلك غاب عن اجتماعات مجلس الأمن الروسي الأخيرة بشأن تصعيد لغة الخطاب النووي والوضع في أوكرانيا.

🌐 دلالات القمة الأمريكية:

انعقاد هذه القمة في البيت الأبيض يمكن اعتباره مسعى أمريكيًا لإعادة رسم خريطة التوازنات في آسيا الوسطى على نحو عملي.

فهي المرة الأولى منذ تأسيس هذه الصيغة عام 2015، التي يستضيف فيها رئيس أمريكي القادة الآسيويين الخمسة في واشنطن.

ووفقًا للتفاهمات، لم تُعقد لأغراض رمزية فقط.

فقد أعلن ترامب بصراحته المعهودة:”آسيا الوسطى منطقة غنية للغاية بالموارد… والولايات المتحدة تريد أن تكون شريكها الاستراتيجي في استغلال هذه الثروة.”

وهذا خطاب يعلن نهاية مرحلة الإهمال الأمريكي للمنطقة، وبداية مشروع اقتصادي موجه ضد روسيا والصين معًا.

🧾 خطوات مؤسسية موازية:

اللافت ايضا في هذا السياق تناغم الفعل المؤسسي الأمريكي،والترتيب الترامباوي العميق، فقبيل الاجتماع قدم الكونغرس مشروع قانون لإلغاء تعديل جاكسون-فانيك المفروض على دول آسيا الوسطى منذ الحقبة السوفيتية،وفي الخطوة   إشارة إلى استعداد واشنطن لفتح صفحة جديدة للتجارة والاستثمار الأمريكي في المنطقة على نطاق واسع 

أما ماركو ربيو، والذي يبدو أنه يقود هذا المشروع الأمريكي الجديد، تحدث عن “فرصة جديدة تتطابق فيها المصالح الوطنية للطرفين”، أي واشنطن وخماسي آسيا الوسطى. روبيو أكد في تصريحاته أن التركيز في العمل سينتقل من إدارة الأزمات إلى الاستثمار في الموارد. أما ترامب فكعادته وجه اتهامات لاذعة لأسلافه وسابقيه من الرؤساء الأمريكيين بأنهم “تجاهلوا المنطقة” وأعاد التأكيد مجددا على أن المعادن النادرة واليورانيوم والغاز ستكون هي محور العلاقات الجديدة.

 

⚖️ الأرقام تتحدث:

  • حجم التبادل التجاري لدول آسيا الوسطى مع الصين: 94.8 مليار دولار (2024)
  • ومع روسيا: 45 مليار دولار
  • ومع الولايات المتحدة: 4.2 مليار دولار فقط

بالطبع مع الحكم على أن النتائج… المعلنة… للقمة تجاوزت الطابع السياسي، فإن هذا التحرك الأمريكي جاء بلا شك في سياق تنافسي مع موسكو وبكين، فحجم التبادل التجاري لدول آسيا الوسطى مع الصين تجاوز 94.8 مليار دولار بنتائج عام 2024، ومع روسيا 45 ملياراً، بينما لا يتعدى مع الولايات المتحدة 4.2 مليارا.

 

 

🇷🇺 الموقف الروسي وتعليق الكرملين

الكرملين، وفقا متابعتي لرد فعله على هذا الحدث، اختار أسلوب التعامل الهادئ، فالمتحدث الرئاسي دميتري بيسكوف قال إن روسيا ” مرتبطة مع دول آسيا الوسطى بعمليات تكامل متطورة ومتنامية في إطار رابطة الدول المستقلة والاتحاد الاقتصادي الأوراسي“. وعلق بلغة دبلوماسية إن ” من الطبيعي أن تنفتح هذه الدول على شركاء أخرين”.

لكنه في الوقت نفسه ذكّر بأن موسكو تمتلك صيغة خاصة بها مع خماسي آسيا الوسطى هي صيغة ” روسيا-آسيا الوسطى” والتي تعقد اجتماعاتها المنتظمة… وهذا الكلام يوحي بالطبع بأن الكرملين لا يعتبر الحضور الأمريكي، على الأقل حتى هذه اللحظة، تهديدا مباشرا، ولكن ظاهرة يجب مراقبتها… والأهم تطويقها اقتصاديا.

هذا الخطاب الرسمي الروسي يخفي مع ذلك، في رأيي، قلقا متزايدا خصوصا انه من وحي ما قرأته من تعليقات الأوساط التحليلية الروسية المعنية بهذه المنطقة، تشكل لدي انطباع بأن هناك قراءة موحدة لهذه الخطوة الأمريكية تشير إلى أن واشنطن، نعم، لا تسعى إلى إقصاء موسكو.. فوراً.. لكنها تؤسس لتآكل نفوذها الاقتصادي على المدى المتوسط من خلال التمويل الذي سوف تضخه والتكنولوجيا التي ستدخلها وطبعا التجارة الحرة.

وموسكو، في رأيي أيضا، تدرك أن القوة الأمريكية في هذا السياق لا تكمن في حجم الاستثمارات فقط، فهي ما زالت صغيرة الحجم، ولكن في قدرة واشنطن على إدماج العواصم الخمس داخل شبكة مالية غربية… خارج النظام الأوراسي الذي يقوده بوتين منذ دخوله الكرملين.

 

🧩 قراءة ختامية:

هذا الخطاب الرسمي الروسي يخفي، في رأيي، قلقًا متزايدًا، خصوصًا أن تعليقات الأوساط التحليلية الروسية تشير إلى قراءة موحدة لهذه الخطوة الأمريكية، مفادها أن واشنطن لا تسعى إلى إقصاء موسكو فورًا، لكنها تؤسس لتآكل نفوذها الاقتصادي على المدى المتوسط عبر التمويل والتكنولوجيا والتجارة الحرة.

وموسكو تدرك أن القوة الأمريكية لا تكمن فقط في حجم الاستثمارات، بل في قدرتها على إدماج العواصم الخمس داخل الشبكة المالية الغربية، خارج النظام الأوراسي الذي يقوده بوتين.

وفي هذا السياق، فإن فقدان موسكو لموقعها كوسيط إلزامي في تدفقات الموارد عبر آسيا الوسطى سيضعف وبالتبعية قدرتها على ضبط التوازن الإقليمي في هذه المنطقة كما هو الحال الآن 

🪙 نحو “إدارة التآكل” الروسية:

الرد العملي الذي يجب أن تتخذه موسكو على هذه  الخطوات و المساعي الأمريكية هو أن تقوم وبسرعة  بتوسيع صلاحيات الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لتشمل قطاع التعدين والمعادن الحرجة، إضافة إلى إنشاء صناديق استثمار سيادية مشتركة مع كازاخستان وأوزبكستان لمنافسة التمويل الأمريكي.

وذلك لا السياسة الواقعية لموسكو في هذا الاتجاه تتماشى مع ما يُعرف في العلاقات الدولية بمصطلح “إدارة التآكل” — أي الحفاظ على أقصى قدر ممكن من الاعتمادية الاقتصادية لهذه الدول على روسيا، بدلًا من محاولة استعادة الهيمنة السابقة.


🗺

 

📌 أبرز نقاط مقال: آسيا الوسطى بين نفوذ بوتين وطموحات ترامب

🗓 القمة الأمريكية – آسيا الوسطى (C5+1)
استضاف ترامب قادة خمس دول: كازاخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان.
تم توقيع تفاهمات اقتصادية، أبرزها مشروع تطوير **التنجستن في كازاخستان**: 70% للجانب الأمريكي، 30% للكازاخي، بتكلفة 1.1 مليار دولار، مع تمويل أمريكي محتمل 900 مليون دولار.
الهدف: تأمين المعادن النادرة وتقليل الاعتماد على الصين.

🌐 الأبعاد الجيوسياسية للقمة
جزء من استراتيجية أمريكية لإعادة ترتيب التوازنات في آسيا الوسطى بعيدًا عن النفوذ الروسي والصيني.
تأتي بعد تهدئة نسبية مع الصين حول المعادن النادرة بعد لقاء ترامب وشي جين بينغ.
الهدف: تأسيس شبكة شراكات تجارية ونقل برية عبر آسيا الوسطى ودعم الاقتصاد الأمريكي.

🏛 موقف المؤسسات الأمريكية
– وزارة الخارجية بقيادة ماركو روبيو: توسيع الشراكة الأمريكية مع آسيا الوسطى.
– الكونغرس قدم مشروع لإلغاء تعديل جاكسون-فانيك، لفتح الاستثمار والتجارة.
– ترامب ركّز على أن المعادن النادرة، اليورانيوم، والغاز ستكون محور العلاقات الجديدة.

💹 التوازن التجاري في آسيا الوسطى
– التبادل التجاري مع الصين: 94.8 مليار دولار (2024)
– مع روسيا: 45 مليار دولار
– مع الولايات المتحدة: 4.2 مليار دولار فقط
النتيجة: المنطقة مهملة أمريكيًا سابقًا، والقمة تهدف لتعزيز حضور واشنطن.

🇷🇺 الموقف الروسي
– الكرملين اختار التعامل الهادئ دبلوماسيًا.
– روسيا مرتبطة مع آسيا الوسطى عبر الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ورابطة الدول المستقلة.
– توجد صيغة روسية خاصة “روسيا–آسيا الوسطى” لعقد الاجتماعات المنتظمة.
– القلق الروسي: تآكل النفوذ الاقتصادي طويل المدى عبر التمويل والتكنولوجيا الحرة الأمريكية.

🪙 استراتيجية موسكو المستقبلية (إدارة التآكل)
– توسيع صلاحيات الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لتشمل التعدين والمعادن الحرجة.
– إنشاء صناديق استثمار سيادية مشتركة مع كازاخستان وأوزبكستان.
– الهدف: الحفاظ على الاعتماد الاقتصادي للمنطقة على روسيا بدلاً من استعادة الهيمنة المباشرة.

⚖️ الخلاصة الجيوسياسية
– القمة تمثل بداية مشروع اقتصادي واستراتيجي أمريكي في آسيا الوسطى.
– موسكو تراقب التحركات الأمريكية، مع التركيز على ضبط النفوذ الإقليمي.
– آسيا الوسطى غنية بالموارد الحيوية (المعادن النادرة، اليورانيوم، الغاز)، وتصبح ساحة تنافس استراتيجي بين واشنطن وموسكو وبكين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »