خاص pravdatv

الشرع في الكرملين: إعادة تموضع النفوذ  الروسي في سوريا

تُعدّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في أكتوبر 2025 واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية منذ سقوط نظام بشار الأسد، ليس لأنها تجمع بين رئيسٍ جديد مثيرٍ للجدل وحليفٍ دوليٍّ تقليديٍّ لسوريا، بل لأنها تعكس تحوّلًا عميقًا في هندسة النفوذ داخل الجغرافيا السورية. فبينما كانت روسيا، طيلة العقد الماضي، الطرف الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المعادلة السورية، يأتي اليوم من دمشق خطابٌ جديد يطالب بعلاقة “ندّية” و”متكافئة”، في تلميحٍ إلى نهاية زمن التبعية الاستراتيجية والانطلاق نحو سياسة براغماتية تراهن على التوازن بين الشرق والغرب .

الشرع في الكرملين: إعادة تموضع النفوذ  الروسي في سوريا

📰✍️كتب الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور حكيم غريب   -الجزائر

 

 

🔴 زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو – أكتوبر 2025

تُعدّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في أكتوبر 2025 واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية منذ سقوط نظام بشار الأسد، ليس لأنها تجمع بين رئيسٍ جديد مثيرٍ للجدل وحليف دولي تقليدي لسوريا، بل لأنها تعكس تحوّلًا عميقًا في هندسة النفوذ داخل الجغرافيا السورية. فبينما كانت روسيا، طيلة العقد الماضي، الطرف الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المعادلة السورية، يأتي اليوم من دمشق خطابٌ جديد يطالب بعلاقة “ندّية” و”متكافئة”، في تلميحٍ إلى نهاية زمن التبعية الاستراتيجية والانطلاق نحو سياسة براغماتية تراهن على التوازن بين الشرق والغرب.

🔴 السياق الاستراتيجي منذ 2015

فمنذ العام 2015، شكّلت سوريا بالنسبة لموسكو حجر الأساس في استراتيجيتها الإقليمية للعودة إلى المسرح الدولي عبر القوة الصلبة، حين أنقذ التدخل العسكري الروسي نظام الأسد من الانهيار، وثبّت قاعدتين استراتيجيتين في حميميم وطرطوس كمنافذ بحرية وجوية تمنحها عمقًا في البحر المتوسط وامتدادًا نحو إفريقيا. غير أنّ التحولات الأخيرة التي أفرزها سقوط النظام القديم وصعود قيادة جديدة تحمل ماضيًا معقدًا – أحمد الشرع، القائد السابق في التيارات الجهادية – فرضت على الكرملين مراجعة دقيقة لتموضعه ومصالحه.

🔴 المعادلة الدقيقة للزيارة

تأتي هذه الزيارة في سياق معادلة دقيقة تتقاطع فيها ثلاثة اعتبارات رئيسية:

🔵 الأول – التوازن بين الاستمرارية والتغيير: حيث يسعى الشرع إلى طمأنة موسكو بأن “سوريا الجديدة” ستحترم كل الاتفاقات السابقة، مع فتح الباب لمراجعة بعض البنود بما يتلاءم مع سيادة القرار الوطني. أما الكرملين، فيسعى لتثبيت وجوده العسكري عبر عقود طويلة الأمد، وضمان استمرار القاعدتين كمرتكز لوجستي يمتد نحو إفريقيا وحوض المتوسط.

🔵 الثاني – المصالح الاقتصادية والعسكرية: فروسيا التي تواجه عزلة غربية بعد حرب أوكرانيا تنظر إلى سوريا كممر استراتيجي لمشاريعها الدفاعية والطاقة في الجنوب العالمي، بينما ترى دمشق في الشراكة الروسية فرصة لتجاوز العقوبات وبناء منظومة دفاعية جديدة تعيد تشكيل الجيش الوطني على أسس مهنية.

🔵 الثالث – الاعتبار السياسي الرمزي: إذ يدرك بوتين أن لقاءه بالشرع يحمل دلالة مزدوجة: من جهة تثبيت الاعتراف بالنظام الجديد في دمشق، ومن جهة أخرى تأكيد استمرار النفوذ الروسي مهما تبدّلت الوجوه في السلطة.

 

ويأتي هذا “التموضع الجديد” في ظل بيئة إقليمية متشابكة: انفتاح أمريكي مفاجئ على دمشق، تقارب سعودي–تركي–سوري برعاية واشنطن، وتراجع إيراني تدريجي في العمق السوري. كل ذلك يدفع موسكو إلى إعادة صياغة أدواتها، فبدل الوجود العسكري المباشر، قد تعتمد على “القوة الذكية” عبر شبكات اقتصادية وشركات أمنية خاصة واستثمارات في قطاعي الطاقة والإعمار، بما يضمن لها بقاء النفوذ دون استنزاف ميداني .

الزيارة، في جوهرها، ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي بل إعادة ترسيم للحدود الجيوسياسية للنفوذ الروسي في سوريا الجديدة. إنها محاولة من الكرملين لتفادي خسارة نفوذه في بلدٍ كان بوابته الدافئة إلى البحر المتوسط، ومن الشرع لبناء علاقة متوازنة تُنهي زمن التبعية وتُدخل دمشق في عصر الشراكة البراغماتية  .

وهكذا يصبح السؤال المركزي ليس: هل ستبقى روسيا في سوريا؟ بل: كيف ستبقى؟ تحت أي صيغة، وبأي كلفة، ومع أي نوع من الشركاء السياسيين والعسكريين؟

 

🔴 اختبار الكرملين: إعادة تموضع النفوذ في الشرق الأوسط

إنّ “الكرملين” اليوم أمام اختبار حقيقي لمرونة استراتيجيته في الشرق الأوسط؛ اختبارٌ عنوانه الرئيس: إعادة تموضع النفوذ دون خسارة الحضور.

🔵 القواعد العسكرية

الزيارة الحالية تأتي بعد سلسلةٍ من التحركات المتبادلة بين الجانبين  اتصالات رئاسية وزيارات وزارية ومداولات دبلوماسية أعادت طرح ملف القواعد العسكرية بوصفه حجر الزاوية في مستقبل العلاقة. فبالنسبة لموسكو، تمثل القاعدتان في طرطوس وحميميم شريانًا جيوسياسيًا لا يمكن التفريط به: فهما ليسا مجرد نقاط تمركز عسكري بل ممرّات حيوية لمشاريعها اللوجستية والبحرية الممتدة نحو البحر الأحمر وإفريقيا. أما دمشق، فترى في استمرار الوجود الروسي ضمانةً مرحليةً للاستقرار الأمني، لكنها تسعى في المقابل إلى إعادة صياغة الاتفاقيات القديمة بما يحدّ من الطابع “الاحتلالي” ويمنحها هامش سيادة أوسع في إدارة المجال الوطني.

🔵 الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية

في خلفية المشهد، تتقاطع الأبعاد الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية. فروسيا التي تواجه عزلةً متزايدة في أعقاب حرب أوكرانيا تسعى إلى تحويل سوريا إلى منصة انطلاقٍ اقتصادية نحو الأسواق الإفريقية والعربية، من خلال مشاريع إعادة الإعمار والطاقة والنقل. وبالنسبة للقيادة السورية الجديدة، فإن التعاون مع موسكو يتيح فرصةً لتجاوز العقوبات الغربية، خصوصًا مع الانفتاح الأميركي الأخير الذي أفرز “نافذة تفاوضية” حول رفع بعض القيود المالية. لكنّ هذا الانفتاح نفسه هو ما يدفع الكرملين إلى الحذر؛ إذ يدرك أن دمشق اليوم ليست دمشق الأمس، وأن الشرع الذي التقى ترامب في الرياض قبل أشهر لا يمكن اعتباره تابعًا مطلقًا لأي محور. وبالتالي فإن روسيا تتعامل مع سوريا الجديدة بمنطق “الاحتواء المرن” بدل “الوصاية الصلبة”، أي الحفاظ على النفوذ من خلال الاقتصاد والدبلوماسية بدل العسكر وحده.

🔵 الأمن والدفاع

على المستوى الأمني والعسكري، يحمل جدول الزيارة بنودًا حساسة تتعلق بـ إعادة تسليح الجيش السوري وتحديث منظومة الدفاع الجوي بتمويلٍ روسي جزئي، في إطار ما تصفه موسكو بـ “التحصين السيادي ضد التهديدات الإقليمية”. لكن خلف هذا الملف التقني تكمن رهاناتٌ سياسية أعمق: فروسيا تريد التأكد من أن البنية العسكرية السورية الجديدة لن تنزلق نحو تعاون استخباراتي مفرط مع الغرب أو تركيا، وأن القواعد الروسية لن تتحول إلى ورقة تفاوض بيد واشنطن أو الرياض. لذلك يُتوقع أن تسعى موسكو لفرض “ضمانات استراتيجية” في أي اتفاق دفاعي جديد، تشمل مراقبة مشتركة للمجال الجوي، وتبادل بيانات استخباراتية محدودة، وربما إشراك شركات أمنية روسية في حماية بعض المنشآت الحيوية.

 

🔴 الملف الأكثر حساسية في زيارة الشرع إلى موسكو

أما الملف الأكثر حساسية في الزيارة فهو مصير بشار الأسد، إذ تشير التسريبات إلى أن الشرع سيطلب رسميًا من موسكو تسليمه لمحاكمته في دمشق. هذا المطلب، وإن كان يحمل بعدًا قضائيًا ورمزيًا داخليًا، فإنه يضع الكرملين أمام مأزقٍ أخلاقي وسياسي في آن واحد: فروسيا التي قدّمت نفسها حاميةً للشرعية الدولية لا تستطيع بسهولة تسليم حليفها السابق دون أن تهتزّ صورتها كدولةٍ وفيةٍ لحلفائها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن التمسك بالأسد بات عبئًا سياسيًا ومعنويًا على نفوذها في سوريا الجديدة. لذا، من المرجح أن تنتهج موسكو سياسة المماطلة الهادئة، عبر اقتراح تسوياتٍ رمزية تتعلق بمصادرة أموال النظام السابق أو تجميد أصوله بدل تسليمه فعليًا.

تبدو الزيارة إذًا أكثر من حدثٍ بروتوكولي؛ إنها مناورة متبادلة لإعادة تعريف النفوذ والشرعية في مرحلة ما بعد الأسد. فبوتين يسعى إلى تجديد عقد الوصاية بطريقةٍ تضمن استمرار المصالح الروسية بأقل كلفة، بينما يسعى الشرع إلى إرساء نموذج “الندية الذكية” الذي يعيد لدمشق هامش القرار الوطني دون خسارة مظلة الحماية الروسية. وفي هذا السياق، تتحول موسكو من راعٍ لنظامٍ مأزوم إلى شريكٍ في نظامٍ قيد التكوين، فيما تتحول دمشق من ساحة نفوذٍ إلى لاعبٍ يتقن فن المقايضة بين القوى الكبرى.

في العمق، تعكس زيارة الشرع إلى الكرملين نقطة تحوّل في ميزان القوة الإقليمي، فروسيا التي استخدمت سوريا بوصفها منصةً لاستعراض قوتها في العقد الماضي تجد نفسها اليوم مضطرةً إلى التكيف مع مشهدٍ أكثر توازنًا، حيث لم تعد دمشق رهينة محورٍ واحد، بل فاعلًا يفاوض من موقعٍ متعدد الاتجاهات. وإذا كانت حقبة الأسد قد كرّست “سوريا التابعة”، فإن مرحلة الشرع تفتح الباب أمام “سوريا المتعددة المحاور” التي تتعامل مع الجميع بمنطق المصلحة الوطنية أولًا، ومع روسيا بمنطق الشراكة لا الوصاية.

هكذا، يُختزل اللقاء بين بوتين والشرع في معادلةٍ دقيقة: نفوذ روسي يعاد هندسته، وسوريا جديدة تعيد رسم علاقاتها الخارجية وفق واقعية ما بعد الحرب. إنها لحظة اختبار لمرونة الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط، ولقدرة القيادة السورية الجديدة على تحويل التوازنات إلى مكاسب سيادية. وبقدر ما يُمكن لهذه الزيارة أن تُعيد الدفء إلى العلاقات التقليدية بين البلدين، فإنها أيضًا تُعلن بداية مرحلة جديدة.

 

 

وفي المقابل، وجدت موسكو نفسها أمام سؤال وجودي في المشرق: هل تبقى راعية نظامٍ تغيّر وجهه وملامحه، أم تتحول إلى شريكٍ في هندسة “سوريا الجديدة” وفق مقاربةٍ واقعية تحفظ مصالحها دون أن تلطّخ سمعتها مجددًا بملفات الاستبداد والدم؟

 

🔴 زيارة الشرع: إعادة تعريف قواعد اللعبة والنفوذ الروسي

من هنا، تُفهم زيارة الشرع على أنها محاولة متبادلة لإعادة تعريف قواعد اللعبة.

فروسيا، التي تواجه إنهاكًا اقتصاديًا بعد حرب أوكرانيا وتضييقًا غربيًا خانقًا، لم تعد قادرة على تحمّل أعباء انتشارٍ عسكري طويل في الشرق الأوسط دون مقابل سياسي واقتصادي واضح. لذلك فإنها تميل اليوم إلى تحويل نفوذها العسكري في سوريا إلى رأسمالٍ سياسي واقتصادي يمكن تسييله: عبر عقود الطاقة والإعمار والموانئ، وإعادة توظيف قاعدتي حميميم وطرطوس كمحطاتٍ لوجستية تمتد نحو إفريقيا، لتكونا أداتين في دبلوماسية ما بعد السلاح.

أما دمشق، فهي تدرك أن مفتاح الاعتراف الدولي يمرّ عبر موسكو بقدر ما يمر عبر واشنطن والرياض، وأن الحفاظ على علاقة متوازنة مع الكرملين ضروريٌ لضمان الاستقرار الداخلي، لا سيما أن الجيش السوري لا يزال يعتمد على المنظومات الروسية في تسليحه وتكوينه. لكنها، في الوقت ذاته، تسعى إلى فك الارتباط العضوي الذي كبّلها في عهد الأسد، لتتحول العلاقة من “تحالف أمني تابع” إلى “شراكة سيادية مرنة”، وهو ما عبّر عنه الشرع صراحة حين تحدّث عن “الندية والاحترام المتبادل” كإطارٍ جديدٍ للعلاقات مع موسكو.

في العمق، تُدرك القيادة الروسية أن الشرع ليس امتدادًا للأسد، بل نتاجٌ مغاير لزمنٍ جديدٍ في سوريا ما بعد الحرب.

استشرافيًا، تمثّل هذه الزيارة بداية هندسة مرحلة جديدة من النفوذ الروسي القائم على المرونة لا الصلابة، وعلى الشراكة الاقتصادية بدل السيطرة العسكرية.

فموسكو التي كانت تعتمد على القوة والمستشارين صارت تراهن على العقود والشركات، وعلى الدبلوماسية الاقتصادية بدل الوصاية العسكرية. ومن المرجح أن تتطور العلاقة الروسية–السورية في السنوات الثلاث المقبلة على ثلاثة مسارات متوازية:

  • مسار التحصين العسكري–الرمزي: حيث تُبقي روسيا على القاعدتين كرمزٍ لحضورها العالمي، لكن دون توسيعٍ ميداني، مع إدماجهما تدريجيًا في منظومةٍ أوسع من الشراكات اللوجستية مع إفريقيا والبحر الأحمر.
  • مسار الاقتصاد السياسي: عبر دخول شركات روسية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والمرافئ، بما يحوّل النفوذ العسكري إلى “قوة ناعمة اقتصادية”، ويؤمّن لموسكو موقعًا تنافسيًا في الإعمار دون الاصطدام بالغرب.
  • مسار التوازن الدبلوماسي: إذ ستسعى روسيا إلى الحفاظ على دورها كضامنٍ في سوريا دون الانجرار إلى محورٍ ضد واشنطن أو أنقرة، خاصة بعد اللقاء بين الشرع وترامب الذي فتح الباب أمام موجة انفتاحٍ أمريكيٍ مشروط.

في المقابل، يبقى ملف الأسد الشرارة التي قد تعيد خلط الأوراق.

فمطلب دمشق تسليم الرئيس المخلوع ليس تفصيلًا قانونيًا، بل إشارة رمزية إلى القطع مع الماضي. غير أن موسكو لن تفرّط بسهولة في ورقةٍ كهذه يمكن أن تستخدمها في مساوماتٍ لاحقة مع واشنطن أو الأمم المتحدة.

وبالتالي، ستتعامل روسيا مع هذا الملف بسياسة “المراوحة الهادئة”: لا رفضٌ علنيّ ولا قبولٌ قاطع، بل إدارةٌ للوقت والمواقف وفق منطق “الربح بالتأجيل”، إلى أن تنضج صفقةٌ دولية تتيح لها مقايضة هذا الملف بامتيازات اقتصادية أو أمنية.

 

 

🔴 منقذ الأمس وشريك الغد… بين بوتين والشرع

🟦 الولايات المتحدة وحلفاؤها لن يُمانعوا استمرارَ نفوذٍ روسي “مخفض الكلفة” في سوريا

ما دام: (أ) يضمن الاستقرار الحدِّي ويمنع الفراغ الأمني، (ب) لا يعيد إنتاج منظومة الأسد، (ج) لا يُحوِّل القواعد إلى منصات ضغط على الجوار أو البحر المتوسط. أي انفتاح اقتصادي واسع على موسكو سيصطدم بسقف قانوني–سياسي (عقوبات أميركية وأوروبية على كيانات داعمة للنظام السابق، وآليات مثل «قيصر» بصيغتها المُحدَّثة) ما لم تقترن الشراكة الروسية بخطواتٍ ملموسة على مسار العدالة والحوكمة والعودة الآمنة للنازحين. بعبارة أخرى: الغرب يقبل “روسيا الضامن” لا “روسيا الوصيّ”، ويكافئ السلوكَ المسؤول بتخفيفٍ انتقائيّ للعقوبات، لا برفعٍ شامل.

🟩 حسابات موسكو مع هذا السقف الغربي

ستتعامل روسيا مع القيود عبر تحويل النفوذ العسكري إلى رأسمالٍ اقتصادي–لوجستي أقلّ استفزازًا: توسعة الاستخدام الثنائي لطرطوس/حميميم في الإغاثة والربط الإفريقي، عقود طاقة وإعمار بواجهات تجارية غير مُعاقَبة، وتمويلات عبر مصارف بديلة/مقايضة سلع بدل الدولار. كذلك ستفصل موسكو بين ملف القواعد (أمن قومي روسي) وملف الأسد (ورقة تفاوضية لا تُحسَم سريعًا)، مرجِّحةً تسوياتٍ مالية/قانونية رمزية على التسليم القضائي المباشر. بذلك تُبقي لنفسها هامش مقايضة مع واشنطن وبروكسل دون كسرٍ فظٍّ لقواعد العقوبات.

🟨 تركيا: شريكٌ لا غنى عنه في معادلة الانخراط المنخفض

تحتلّ تركيا موقعًا مفصليًا في أي هندسة جديدة للنفوذ في سوريا، ليس فقط لثقلها الجغرافي–الديمغرافي على الحدود الشمالية، بل لأنها تمسك بمفاتيحٍ متشابكة: أمنُ الحدود، ديناميات إدلب والشمال، اقتصادُ المعابر وسلاسل الإمداد، توازنات الطاقة واللاجئين، والاشتباك المعقّد مع كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة. لذلك فإن أي تموضعٍ روسي “مخفض الكلفة” في سوريا لن يكتمل دون تفاهم عملانيّ مع أنقرة يوفّر سقفًا مستقرًا لإدارة النفوذ بدل صراعه.

تتطلّع أنقرة إلى بيئة حدودية آمنة تمنع تَشكّل تهديدات عبر الحدود (وحدات مسلحة، مسيّرات، تهريب سلاح ومخدرات)، بينما تسعى موسكو إلى خفض الاحتكاك العسكري مع تركيا لتجنّب استنزافٍ مباشر. المدخل الواقعي هنا هو تهدئة موجَّهة تُصاغ على شكل بروتوكول ضبط ميداني (نِقاط مراقبة مشتركة/إخطار مسبق بتحركات جوية/مسارات آمنة للقوافل). هذه التهدئة ليست “سلامًا” بقدر ما هي إدارة دقيقة للتماس تمنع المفاجآت وتحوّل الحوادث الفردية من شراراتِ تصعيدٍ إلى ملفاتٍ تقنية تُغلق سريعًا.

🟦 إدلب والشمال: من “حكم الوقائع” إلى “حكم الترتيبات”

الشمال السوري قائمٌ اليوم على “حكم الوقائع” (قوى محلية، هياكل حوكمة، اقتصادات ظل). ما تحتاجه أنقرة وموسكو هو انتقالٌ تدريجي نحو “حكم الترتيبات”: قواعد اشتباك واضحة، تقسيم وظيفي للمسؤوليات الأمنية، وإطار إنساني–خدمي يمنع الانهيارات. موسكو معنيةٌ بخفض حضور التشكيلات غير المنضبطة ومنع تمدّدها جنوبًا؛ وأنقرة معنيةٌ بحماية خطوطها اللوجستية ومصالحها التجارية وتفادي موجات نزوحٍ جديدة. التوازن العملي: ضبط إدلب أمنيًا مقابل توسيع نافذة التنمية والخدمات في الشمال برعاية تركية–محلية، مع دور روسي في الفصل والمراقبة الجوية.

الواقعية تقتضي الفصل بين التطبيع السياسي الشامل (وهو بعيد) والتطبيع الوظيفي (ممكن وقابل للتدرّج): فتح قنوات أمنية مباشرة، معالجة ملفات ميدانية (مفقودون/موقوفون/جثامين)، تحسين عودةٍ طوعية ومدروسة لفئات من اللاجئين عبر مسارات آمنة مُختارة، وتوسيع التجارة المقنّنة. هنا تستطيع موسكو أن تلعب دور المُيسِّر الضامن: تُقلّص فجوات الثقة، وتقدّم آليات تحقق مشتركة، وتربط كل خطوةٍ بمكاسب مقابلة (ترتيبات أمنية، تسهيلات لوجستية، أو إعفاءات موضعية)

أنقرة عضوٌ في الناتو، وتحتفظ بقنوات تشغيلية مع واشنطن في ملفات الشمال وشرق الفرات. أي تموضع روسي ناجح يحتاج خطوط تفادٍ ثلاثية (روسيا–تركيا–الولايات المتحدة) تمنع تضارب المهام الجوية والاستطلاعية، وتحدّد خرائط تنسيقٍ فوق مناطق الحساسية. الهدف ليس “تفاهمًا سياسيًا كبيرًا”، بل هندسة ميدانية دقيقة تسمح لكل طرفٍ بالعمل ضمن هامشٍ آمن دون اختبار الخطوط الحمر.

قبولُ تركيا بتموضعٍ روسيٍّ جديد في سوريا ممكنٌ ومشروط: أمنُ حدودٍ مُحكَم، دورٌ اقتصاديٌ معتبر، وخارطة طريقٍ إنسانية–خدمية تُخفّف ضغط اللاجئين. مقابل ذلك، تحصل موسكو على بيئة استقرارٍ تكفل استمرار قواعدها ونفوذها بكلفةٍ أقلّ واحتكاكٍ أدنى. ما يجمع الطرفين هو براغماتية الميدان: إدارةُ التماس لا كسره، وتحويلُ مناطق النزاع إلى مناطق ترتيباتٍ تدريجية، تُراكم الثقة وتُقلّص مفاجآت النار.

تمام ✅ إليك نفس النص **كاملًا دون أي اختصار أو تحريف** داخل **صندوق أنيق لوردبرس (WordPress)** بخلفية رمادية خفيفة وحد أسود، بأسلوب احترافي وجمالي:

“خطوط التفادي” مع الناتو والولايات المتحدة

تشكل مسألة خطوط التفادي بين روسيا من جهة، والناتو والولايات المتحدة من جهة أخرى، أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري الجديد. فالوجود الروسي في سوريا بعد 2015 لم يكن مجرد دعمٍ لنظام الأسد، بل تحوّل إلى اختبار ميداني لعلاقات موسكو بالحلف الأطلسي، حيث تداخلت الأجواء والخرائط والمصالح في فضاءٍ واحد يضم طائرات روسية وأميركية وتركية وإسرائيلية في نطاق جغرافي محدود. واليوم، مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو وإعادة تعريف الوجود الروسي، تُطرح مسألة خطوط التفادي مجددًا، ولكن في سياقٍ سياسي مختلف: لم تعد المسألة عسكرية بحتة، بل إطارًا لإدارة النفوذ وتوزيع الأدوار في سوريا ما بعد الحرب.

خلال السنوات الأولى للتدخل الروسي، اكتفى الطرفان الأميركي والروسي بما سُمّي “خطّ منع التصادم”، وهو قناة اتصال عسكرية فورية بين قاعدة حميميم ومركز القيادة الأميركية في قطر. الهدف حينها كان تقليل احتمالات الحوادث الجوية.

أمّا اليوم، فالحاجة تجاوزت هذا المفهوم إلى ما يمكن تسميته بـ إدارة التماس، فالأمر لم يعد مرتبطًا فقط بالحوادث، بل بتوزيع النفوذ، وتحديد “نطاقات النفوذ الجوي” و”الممرات الإنسانية” و”المناطق الأمنية الرمادية” التي لا تريد واشنطن لموسكو أن تتحرك فيها بحرية، ولا ترغب موسكو في أن تبقى حكرًا على الأميركيين أو حلفائهم الأكراد.

إن “خطوط التفادي” الجديدة بين موسكو والناتو ليست جدارًا للفصل بقدر ما هي هندسةٌ دقيقة للتعايش الإجباري في جغرافيا مزدحمة بالقوى الإقليمية والدولية. روسيا تُدرك أن زمن التنافس المطلق انتهى، والولايات المتحدة تفهم أن الانسحاب الكامل مستحيل. وبين الإدراكين، تتكوّن معادلة سورية هجينة:

وإذا نجحت هذه الصيغة في البقاء لعامين متواصلين دون خروقات كبرى، فستتحول سوريا من ساحة حربٍ بالوكالة إلى نموذجٍ لسلامٍ جيوسياسي هشّ، لكنه واقعي ومستدام.

الرؤية المستقبلية: إعادة تموضع النفوذ الروسي في سوريا

تتجه موسكو نحو نمط نفوذٍ منخفض الكلفة وعالي القابلية للإدارة: تثبيت القواعد كرمز ردعي وسيادي، وتوسيع أثرها عبر وظائف لوجستية–إنسانية–تجارية بدل الاستخدام القتالي الكثيف. المعنى العملي: ترشيد الأثر العسكري وتضخيم الأثر المؤسسي عبر شركات وبعثات تقنية واتفاقات خدمات طويلة الأجل.

تتمحور الرؤية المستقبلية حول تحويل سوريا من ساحة استنزاف إلى ساحة ترتيبات تُدار فيها القوى الكبرى بقواعد تماس ثابتة وأدوار اقتصادية متكاملة. نجاح موسكو سيكون بقدر ما تُقلِّص البصمة القتالية وتُعظّم البصمة المؤسسية–اللوجستية، وبقدر ما تُحوّل القواعد من منصات صراع إلى مفاصل ربط بين المتوسط والبحر الأحمر وإفريقيا.

 

النتيجة المتوخاة: نفوذٌ أطول عمرًا، أقل ضجيجًا، وأكثر قابلية للتفاوضومعادلة سورية جديدة تتسع لشراكات متوازنة، لا لوصاياتٍ مُكلفة 

 

🔹 الاستراتيجية الروسية في سوريا: القوة العسكرية تتحوّل إلى نفوذ اقتصادي وجيوسياسي

🟦 التحول المفاهيمي للوجود الروسي

لم تعد موسكو تنظر إلى وجودها في سوريا باعتباره مجرد منصّة لعرض القوة العسكرية، بل كأصل استراتيجي قابل للتحويل: قاعدة حميميم ومرسى طرطوس أصبحا أصولًا جيو-اقتصادية يُمكن تسييلها عبر وظائف لوجستية، خدماتية، وإسنادية. التحول المفاهيمي هذا يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية المحيطة بالقواعد، استحداث وظائف مدنية (مرافئ تجارية، مستودعات، مراكز صيانة) وربطها بسلاسل إمداد إقليمية، بحيث يصبح الوجود الروسي أقل إثارة للتحفّظ الغربي وأكثر قابلية للاستخدام المشترك أو التنسيق الدولي تحت ذرائع إنسانية وتجارية.

🟩 فصل الملفات الاستراتيجية

استراتيجية النجاح تقوم على فصل الملفات الثلاثة: حفظ القواعد (أمنياً) كحالة منفصلة عن صفقات الإعمار والطاقة (اقتصادياً)، وكذلك عن ملف العدالة الانتقالية ومصير رموز النظام السابق (سياسياً-قضائياً). هذا الفصل يمكّن موسكو ودمشق من استعمال كل ورقة في توقيتٍ مختلف دون أن تؤثر اختلالات أحد المسارات على بقية المكونات؛ مثلاً، يمكن التوقيع على عقود طاقة مع شركات روسية بينما يُبقي ملف الأسد كقضية تفاوضية مفتوحة على مستوى دولي.

🟨 تحويل طرطوس إلى مركز لوجستي اقتصادي

لتحويل النفوذ إلى قيمة اقتصادية، يجب تطوير طرطوس إلى مركز لوجستي مزدوج الاستخدام: تحديث الأرصفة، إنشاء مناطق صناعية وخدمية خفيفة، مراكز إصلاح، وتشكيل اتحادات شركات روسية-محلية تقدم خدمات بحرية مدنية. بوابة طرطوس بهذه الصورة تتيح لموسكو إبرام عقود نقل وإمداد مع دول إفريقية وعربية، وتقديمه كمنفعة متبادلة للفاعلين الإقليميين، ما يقلّل من حدة رفض الغرب ويزيد من الشرعية العملية لوجودها.

🟦 أدوات التمويل المبتكرة

في مواجهة قيود العقوبات، ستحتاج روسيا إلى أدوات تمويل مبتكرة: عقود مقايضة (نفط/بُنى تحتية)، استخدام عملات محلية أو عملات بديلة، وممرّات تمويل عبر دول وسيطة أو بنوك صديقة. هذا التمويل الجزئي يتيح تنفيذ مشاريع سريعة العائد (كهرباء، صيانة محطات، مصافي صغيرة) بدلاً من مشاريع طويلة الأجل معرضة للمخاطر القانونية.

🟩 تقليل المخاطر العسكرية

أهم ما يضمن استدامة التموضع هو تقليل مخاطر الحوادث العسكرية. لذلك يجب تصميم نظام تنسيق (روسيا–تركيا–الولايات المتحدة) على مستوى عملياتي: إخطار مسبق للطلعات، مسارات طيران متفق عليها، مركز اتصالات للحوادث، وتحالفات تقنية لمشاركة معلومات عن المناورات. هذه الآليات تقلل احتمال التصعيد وتحوّل الحوادث إلى ملفات تقنية تُحل داخليًا بسرعة.

🟨 الشراكات الاقتصادية الإقليمية

لابدّ من صيغة مشاركة في العوائد الاقتصادية مع دول إقليمية فاعلة (تركيا، مصر، الأردن، دول خليجية) عبر عقود بنّاءة؛ إشراك القطاع الخاص الخليجي في مشاريع إعادة الإعمار، وفتح مشاريع إنشائية للشركات التركية في الشمال، وتقديم تسهيلات تجارية للأردن ومصر. هذه الشراكات تقلّل من العزلة السياسية وتحوّل النفوذ الروسي إلى عنصر مربح مشترك، ما يجعل رفض الغرب أقل فاعلية.

🟦 ملف بشار الأسد

ملف بشار الأسد حساس جداً؛ موسكو لن تسلّمه بلا صفقة كبرى. الخيار الأكثر واقعية هو ربط أي نقاش حول الأسد بتسويات مالية وقانونية: تجميد أصول، محاكمات رمزية داخلية مشروطة بآليات رقابة دولية، أو آليات تعويضات. بهذا الشكل، تتحول القضية من استحقاق انتقامي إلى ملف تفاوضي يمكن استخدامه لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية لاحقة.

🟩 تمكين البنى المحلية والطوارئ

لكي تقلل روسيا من كلفة التدخل المباشر، عليها تمكين بنى محلّية (جمارك، شركات صيانة، ورشات صغيرة) وتدريبها، ما يخلق شبكة خدمات محلية تعتمد على عقود صيانة روسية لكنها تُدار محليًا. هذا النهج يُخفض الاحتكاك السياسي ويرسّخ طابعًا شريكياً عمليًا بدل التبعية المطلقة.

من الضروري تصميم سيناريوهات للطوارئ تشمل:
(a) حادث جوي أو بحري — استجابة: وقف عمليات جوية وتعليق مؤقت للأنشطة المعرضة،
(b) هجوم إرهابي كبير — استجابة: زيادة تواجد قوات أمنية خاصة وتفعيل مراكز معلومات مشتركة،
(c) تغيير أميركي مفاجئ في السياسة — استجابة: تحويل العقود إلى صفقات مدفوعة مسبقًا أو مقايضة سلع.
وجود خطط تنفيذية مسبقة يقلّل الاحتكاك ويضمن مرونة إدارية.

نجاح الاستراتيجية يعتمد على الرواية الإعلامية

نجاح الاستراتيجية يعتمد أيضًا على الرواية الإعلامية: إبراز دور القواعد في توزيع المساعدات، دعم إعادة الإعمار، تأمين ممرات إغاثة، وإعادة بناء خدمات أساسية.
سردية تؤكد أن الوجود الروسي يخدم السوريين وتبرز مشاريع إنسانية ملموسة تُضعف أحادية الخطاب المعادي.
هذا الجانب الإعلامي ليس مجرد تكتيك دعائي، بل جزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى بناء صورة إيجابية على الأرض، تُظهر مساهمة الوجود الروسي في تحسين حياة السوريين اليومية، وتوفير احتياجاتهم الأساسية.

مؤشرات واضحة لتقويم النجاح

لتقويم النجاح، يجب تحديد مؤشرات واضحة يمكن الاعتماد عليها كمقياس فعلي لمدى تأثير الاستراتيجية، وهي تشمل ما يلي:

  • 🟢 عدد العقود المدنية الموقعة كل 6 أشهر: متابعة هذه العقود تعطي مؤشراً على مدى التقدم في العلاقات المدنية والتجارية، وتوضح قدرة الفرق الروسية على تنظيم المشاريع وتنفيذها بالشكل المطلوب.
  • 🟢 نسبة التحسّن في ساعات الكهرباء في المحافظات المستهدفة: قياس التحسن في البنية التحتية للطاقة الكهربائية يعكس نجاح المشاريع والخطط العملية على الأرض، ويؤثر بشكل مباشر في حياة المواطنين وجودة الخدمات.
  • 🟢 مستوى انخفاض نشاطات التهريب عبر المرافئ: يعتبر مؤشرًا أمنياً مهماً، يعكس فعالية الإجراءات الروسية في مراقبة الحدود والمنافذ البحرية، وضمان استقرار السوق وتقليل الفساد والنشاطات غير القانونية.
  • 🟢 عدد الحوادث الجوية بين الأطراف خلال فترات زمنية محددة: يعكس هذا المؤشر مستوى التنسيق والالتزام بالقواعد الأمنية بين مختلف الأطراف، ومدى قدرة روسيا على الحفاظ على استقرار الحركة الجوية في المناطق المتأثرة.
  • 🟢 نسب توظيف السوريين في المشروعات الروسية: يعد هذا المؤشر معيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، يوضح مدى استفادة المجتمع المحلي من المشاريع، ويساهم في تعزيز الثقة المتبادلة بين الأطراف.

متابعة هذه المؤشرات بشكل دوري يوفر غاية تقييمية عملية، ويتيح للقيادة الروسية تعديل السياسات بما يضمن استمرار النتائج الإيجابية وتقليل السلبيات المحتملة.

الإطار الزمني للتحول ومراحل التنفيذ

التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها؛ لذا يجب وضع إطار زمني عملي يبدأ بتجارب ميدانية تدريجية، لضمان تقييم النتائج وضبط الاستراتيجيات وفقًا لكل مرحلة. ويمكن تقسيم هذه المراحل على النحو التالي:

  • 🟠 المرحلة الأولى (0–6 أشهر):
    • تنفيذ آليات اتصال فعّالة بين القواعد الروسية والسلطات المحلية.
    • تقليص الطلعات الجوية غير الضرورية لضبط الموارد والتركيز على المشاريع الحيوية.
    • جمع البيانات الميدانية لتقييم الوضع الأولي وتحديد الأولويات.
  • 🟠 المرحلة الثانية (6–18 شهرًا):
    • توقيع وتنفيذ عقود للطاقة والخدمات المدنية.
    • بدء مشاريع إعادة الإعمار الأولية مثل ترميم البنى التحتية للمياه والكهرباء.
    • تعزيز التعاون مع القطاع المحلي لتسهيل عمليات التنفيذ وزيادة المصداقية.
  • 🟠 المرحلة الثالثة (18–36 شهرًا):
    • توطين الصناعات والخدمات اللوجستية المتقدمة لضمان استدامة المشاريع.
    • تدريب وتوظيف الكوادر السورية في المشاريع لتقوية القدرات المحلية.
    • تقييم شامل للتأثير الاستراتيجي على المدى الطويل، وإجراء التعديلات اللازمة بناءً على النتائج الواقعية لكل مرحلة.

المقاربة التدريجية تُبقي الخيارات مفتوحة وتتيح تعديل السياسات باستمرار، مما يضمن فعالية الاستراتيجية واستدامة تأثيرها على مختلف الأصعدة الأمنية والاقتصادية والخدمية.

إذا شعرت تركيا أو دول خليجية أو حتى إسرائيل أن الوجود الروسي يتجاوز دوره المعلن، فستزداد محاولات تقويضه سياسياً أو عمليًا. بالتالي فإن الحفاظ على “شباك ثقة” دبلوماسي دائم وشفافية جزئية في العقود والشراكات ضروريان لتفادي حشد إقليمي ضد مشاريع موسكو .

 

روسيا وسوريا بين واقعية البقاء واستشراف الشراكة الجديدة

من جهةٍ أخرى، تسعى سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع إلى رسم صورةٍ مختلفة عن نموذج التبعية الذي طبع علاقة دمشق بموسكو في الماضي. فهي اليوم دولة تبحث عن التوازن، تُدرك أهمية روسيا في حماية مجالها الجوي والدفاعي، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تخفيف ثقل الحضور الروسي عبر توزيع الشراكات الاقتصادية والسياسية على أكثر من محور. هذه المقاربة البراغماتية تجعل العلاقة بين الطرفين علاقة شدٍّ وجذب: شدٌّ من موسكو التي تريد ضمان مصالحها التقليدية في طرطوس وحميميم، وجذبٌ من دمشق التي تريد التحرر من صورة الوصاية.

وفي قلب هذا المشهد، تتبدّل طبيعة الدور الروسي من قوّةٍ عسكرية إلى قوةٍ تيسيرية تعمل على إدارة التوازنات الإقليمية، وتوظيف وجودها في سوريا كمختبرٍ لنموذج جديد من النفوذ العالمي: نفوذٍ لا يقوم على فرض الإرادة بل على صياغة “شبكات مصالح” تمتد إلى تركيا والخليج وإفريقيا.

إنّ ما يجري ليس انسحابًا ولا هيمنة، بل تحوّل نحو نمط نفوذٍ ذكيٍّ وقابلٍ للحَوْكمة، يجمع بين الردع والمرونة، بين البقاء والتكيّف، وبين الدفاع عن المصالح الروسية وضمان الحد الأدنى من السيادة السورية.

لكن هذا التموضع الجديد يواجه تحدياتٍ معقدة: استمرار العقوبات الغربية، هشاشة البنية السورية بعد الحرب، تناقض أجندات القوى الإقليمية، وتقلّبات الميدان التي قد تُفجّر “تفاهمات خطوط التفادي” في أي لحظة. وإذا كانت موسكو قد نجحت حتى الآن في تجنّب التصادم المباشر مع الولايات المتحدة وتركيا، فإنّ الحفاظ على هذا التوازن يتطلّب دبلوماسية يقظة وقدرة عالية على المناورة، لأن أيّ خللٍ ميداني قد ينعكس على شرعية وجودها برمّته.

إنّ روسيا اليوم أمام اختبارٍ حقيقيٍّ لقدرتها على تحويل النصر العسكري إلى مكسبٍ سياسي واقتصادي مستدام، وسوريا أمام اختبارٍ أصعب: كيف تُعيد بناء دولتها دون أن تُبدّد استقلال قرارها. وبين هذين الاختبارين، تتشكّل خريطة الشرق الأوسط الجديدة، حيث لم تعد القوة تُقاس بالاحتلال، بل بالقدرة على البقاء الذكيّ، والتكيّف مع عالمٍ تتغير قواعده كل يوم.

وهكذا، يمكن القول إنّ “إعادة تموضع النفوذ الروسي في سوريا” ليست نهاية مرحلةٍ بقدر ما هي بداية عصرٍ جديدٍ من النفوذ المرن، تُعيد فيه موسكو تعريف حضورها في المنطقة، وتعيد دمشق اكتشاف موقعها بين الشرق والغرب. وفي هذا التوازن الدقيق، تُكتب فصول “الشراكة البراغماتية” بين بوتين والشرع: شراكةٍ قد لا تكون مثالية، لكنها تمثل الخيار الواقعي الوحيد لبقاء الطرفين معًا في عالمٍ لم يعُد يتسامح مع الحروب الطويلة، ولا مع التحالفات العمياء.

الشرع في الكرملين: إعادة تموضع النفوذ الروسي في سوريا

📰✍️📚كتب الخبير الاستراتيجي والأمني: الأستاذ الدكتور حكيم غريب – الجزائر

🔴 زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو – أكتوبر 2025

تُعدّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية منذ سقوط نظام بشار الأسد… 

أبرز نقاط المقال:

  • ✅ التوازن بين الاستمرارية والتغيير: سوريا الجديدة تحترم الاتفاقات السابقة مع موسكو، وتطالب بالندية.
  • ✅ المصالح الاقتصادية والعسكرية: موسكو تستخدم سوريا منصة استراتيجية، ودمشق تسعى لتطوير الجيش وتجاوز العقوبات.
  • ✅ الاعتبار السياسي الرمزي: لقاء بوتين والشرع يعزز الاعتراف بالنظام الجديد ويؤكد استمرار النفوذ الروسي.
  • ✅ القواعد العسكرية: طرطوس وحميميم تمثلان شريانًا جيوسياسيًا، ودمشق تسعى لإعادة صياغة الاتفاقيات.
  • ✅ الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية: موسكو تريد منصة اقتصادية نحو إفريقيا، ودمشق نافذة تفاوضية لتخفيف العقوبات.
  • ✅ الأمن والدفاع: إعادة تسليح الجيش السوري وتحديث منظومة الدفاع الجوي مع ضمانات روسية استراتيجية.
  • ✅ ملف بشار الأسد: الشرع يطالب بمحاكمته، وموسكو تتجه للمماطلة الرمزية والتسويات المالية/القانونية.
  • ✅ العلاقة مع تركيا: تفاهمات تشغيلية وميدانية لتقليل الاحتكاك العسكري وحماية الحدود.
  • ✅ إدارة خطوط التفادي مع الناتو والولايات المتحدة: هندسة دقيقة للتعايش في جغرافيا مزدحمة بالقوى الدولية.
  • ✅ التحول من القوة العسكرية إلى النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي: طرطوس وحميميم تُستخدم كأصول استراتيجية ولوجستية.
  • ✅ مؤشرات النجاح: عقود مدنية، تحسين الكهرباء، تقليل التهريب، التنسيق الجوي، توظيف السوريين.
  • ✅ الرواية الإعلامية: إبراز دور القواعد الروسية في الإغاثة والخدمات الأساسية لدعم الصورة الإيجابية.
  • ✅ الاستراتيجية المستقبلية: تحويل سوريا إلى منصة ترتيبات اقتصادية–أمنية–دبلوماسية منخفضة الكلفة وعالية المرونة.

إنّ روسيا اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل النصر العسكري إلى مكسب سياسي واقتصادي مستدام، وسوريا أمام اختبار أصعب: كيف تعيد بناء دولتها دون أن تُبدّد استقلال قرارها. إعادة تموضع النفوذ الروسي في سوريا ليست نهاية مرحلة، بل بداية عصر جديد من النفوذ المرن والشراكة البراغماتية بين بوتين والشرع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »