سوريا كانت قلب العروبة النابض… واليوم تبحث عن قلبٍ جديد ينبض بالحكمة والمصالحة
من الحرب إلى المصالحة... سوريا بين الماضي المجيد والحاضر المأزوم

سوريا كانت قلب العروبة النابض… واليوم تبحث عن قلبٍ جديد ينبض بالحكمة والمصالحة
✍️📰 كتب أ. إدريس احميد – صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي
من الحرب إلى المصالحة… سوريا بين الماضي المجيد والحاضر المأزوم
بهذه العبارة يمكن تلخيص مسيرة بلدٍ قدّم الكثير للأمة العربية، ودفع أثمانًا باهظة دفاعًا عن قضاياها، لكنه اليوم يقف أمام مفترق طرق بين ماضٍ مجيد وحاضرٍ مثقل بالأخطاء والتحديات.
لقد كانت سوريا رمزًا للصمود والعروبة، خاضت حروبًا ضد الاحتلال الإسرائيلي في أعوام 1967 و1973 و1982، واحتضنت ملايين العرب والفلسطينيين والعراقيين، ووقفت ضد التطبيع والتنازل عن الجولان.
لكنها في المقابل عانت من قبضةٍ داخليةٍ حديدية حجبت عنها الحرية والتطور، وأدخلتها في دوامةٍ من الصراع الداخلي بعد عام 2011.
سوريا والتضحيات القومية
بكل صراحة وشفافية، قدّمت سوريا تضحياتٍ كبيرة من أجل الدفاع عن قضايا الأمة العربية — وهذا قولٌ واحد لا جدال فيه.
فقد شاركت في حروب 1967 و1973 و1982، وأنهت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 رغم ما شاب تلك المرحلة من أخطاء.
كما احتضنت مليوني فلسطيني تمتعوا بحقوقٍ واسعة، واستقبلت ثلاثة ملايين عراقي بعد احتلال العراق سنة 2003، وفتحت أبوابها للعرب دون تأشيرة دخول.
كان الشعب السوري — ولا يزال — شهمًا، مؤمنًا بالقضايا العربية، ورافضًا للتطبيع مع الكيان الصهيوني. ولهذا السبب تحديدًا، حوربت سوريا وتعرضت للتضييق والتدخل لإسقاط نظامها.
قبضة داخلية وأخطاء متكررة
في المقابل، مارس النظام السوري قبضة حديدية مفرطة، في وقتٍ كان فيه السوريون يستحقون الحرية وتداول السلطة والتقدم.
فالإنسان السوري ملهم ومبدع وواعٍ، ومن الظلم أن يُحرم من المشاركة السياسية.
استمر النظام في النهج ذاته حتى بعد انتصاره على الفصائل المسلحة بعد عام 2011، حين كان من المفترض أن يفتح باب الحوار مع المعارضة الوطنية الداخلية، لكنه اختار الصمت والجمود — وهو خطأ كبير ما زال صداه قائمًا.
من حافظ إلى بشار: الفارق بين الحنكة والتحديات
فترة حكم الرئيس حافظ الأسد تميزت بسياسة خارجية قوية وحكيمة.
قال عنه الرئيس الأمريكي نيكسون عقب لقائه عام 1976: “إنه زعيم يتفوق بدهائه السياسي على قوة السلاح.”
كما أشار الرئيس كلينتون إلى أنه يمتلك حنكةً ودهاءً فاقا توقعات واشنطن، وكتب عنه الصحفي البريطاني باتريك سيل مشيدًا بذكائه وصلابة مواقفه.
أما في عهد الرئيس بشار الأسد، فقد واجهت سوريا متغيرات دولية معقدة ومشكلات في لبنان، إضافةً إلى اغتيالاتٍ طالت شخصياتٍ بارزة مثل غازي كنعان وآصف شوكت وعددٍ من القيادات العسكرية في دمشق — أحداثٌ كارثية أسهمت في إضعاف النظام وتهيئة المناخ لانفجار الوضع الداخلي.
ثم جاءت الحرب على سوريا تحت مسمى “الربيع العربي” لتشكل أخطر مراحل تاريخها الحديث.
الفوضى والعنف بعد 2011
بعد الحرب، دخلت سوريا مرحلة جديدة اتسمت بتعدد القوى وتداخل المصالح الإقليمية والدولية.
مارست بعض الفصائل المسلحة جرائم بحق الأبرياء تحت شعار “الثورة”، فهل يُعقل أن يمارس المظلوم الظلم؟
دخلت البلاد عناصر غير سورية، وتعقد المشهد أكثر.
وهنا يُطرح السؤال: أيهما أولى؟ المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، أم انتخابات شكلية غابت عنها مدنٌ كبيرة وقطاعاتٌ واسعة من الشعب؟
ولا يمكن تجاهل القضية الكردية التي ظلت مصدر توترٍ مزمن داخل الجغرافيا السورية.
هوية المسلحين واستهداف السيادة
أمّا التحدي الأكثر خطورة فمتمثل في تحديد هوية المسلحين الذين استلموا السلطة فعليًا. هذه مشكلة بالغة الأهمية لأنها تفتح الباب أمام التدخلات الخارجية وتخدم أجندات مشبوهة. سوريا مخترقة لأجل إشغالها في فوضى طائفية وتنظيم ولاءاتٍ متعددة داخل الساحة الوطنية.
لذلك، لا بد من كشف مصادر التمويل والقيادة والارتباطات الإقليمية والدولية لتلك الميليشيات؛ فغياب هذا التحديد يجعل من أي عملية إصلاح أو مصالحة مسارًا هشًا معرضًا للتفكيك من الخارج.
بناء دولة مستقرة يبدأ أولًا بمعرفة من يسير فيها ومن يدير شبكات القوة خارج شرعية الدولة.
الذاكرة الوطنية المهددة
من المؤسف أن تُلغى ذكرى حرب أكتوبر 1973، التي سُجل فيها النصر العربي المشترك بين الجيشين السوري والمصري، فذلك خطأ تاريخي جسيم يمثل سابقة خطيرة ويثير الشكوك حول توجهات السلطة الحالية.
وكذلك فإن إلغاء الاحتفال بـ عيد الشهداء ومناسبات وطنية أخرى يمثل طمسًا للذاكرة الوطنية السورية التي توحد الشعب وتمنحه هويته الجامعة.
خاتمة: نحو سوريا جديدة
اليوم، تتعرض سوريا لاستباحة أجوائها وأراضيها من أطرافٍ متعددة، وسط تراجعٍ في القرار الوطني المستقل.
ومع كل ذلك، لا يزال الأمل قائمًا في أن تنهض سوريا من جديد عبر مشروع وطني جامع، يكرّس المصالحة والعدالة، ويعيد للإنسان السوري مكانته المستحقة.
فالأوطان لا تُبنى بالانتقام أو الإقصاء، بل بالحكمة والمصالحة والاعتراف المتبادل بالخطأ.
وفي ظل الواقع العربي المتردي، وما نتج بعد عملية “طوفان الأقصى” والعدوان على لبنان، وما رافقه من مساعٍ لإسقاط النظام السوري ضمن مخطط صهيوني لإضعاف الدول العربية، تبدو المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.
لقد أصبح من الصعب اليوم أن تقوم دولة سورية ترفض السياسات الصهيونية في استباحة الأراضي وإجبارها على التطبيع، خصوصًا في ظل غموض هوية الحكام الجدد وتعدد الولاءات.
لذلك، أمام السوريين طريقٌ طويل يبدأ باستعادة القرار والإرادة الوطنية، وبناء دولة ديمقراطية تعددية.
ولن يتحقق ذلك إلا عبر مصالحة وطنية حقيقية وعدالة انتقالية تُنصف الجميع.
وعند تحقيق ذلك، قد تعود سوريا لتكون قلب العروبة النابض من جديد… ولكن بنبضٍ أكثر ووعيًا وعدلًا.



