خاص pravdatv
أخر الأخبار

صواريخ “توماهوك” لأوكرانيا.. وغارات إسرائيلية على لبنان: واشنطن توزع النار على الجبهات قراءة تحليلية استشرافية

الفوضى المنظمة: كيف تُعيد واشنطن رسم خريطة النار من أوكرانيا إلى لبنان؟ لم يعد المشهد الدولي اليوم مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل أصبح لوحةً واحدة مرسومة بعناية فائقة في مراكز القرار الأميركية. فكلّ بؤرة توتر ـ من جبهات أوكرانيا المشتعلة شرقًا إلى الغارات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني جنوبًا ـ تمثل خيطًا متصلًا في شبكة هندسة الفوضى التي تعتمدها واشنطن كعقيدة استراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة.

صواريخ “توماهوك” لأوكرانيا.. وغارات إسرائيلية على لبنان: واشنطن توزع النار على الجبهات قراءة تحليلية استشرافية

 

📰✍️الخبير الاستراتيجي و الأمني الأستاذ الدكتور حكيم غريب  -الجزائر

 

 

🧭 الفوضى المنظمة: كيف تُعيد واشنطن رسم خريطة النار من أوكرانيا إلى لبنان؟

لم يعد المشهد الدولي اليوم مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل أصبح لوحةً واحدة مرسومة بعناية فائقة في مراكز القرار الأميركية. فكلّ بؤرة توتر ـ من جبهات أوكرانيا المشتعلة شرقًا إلى الغارات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني جنوبًا ـ تمثل خيطًا متصلًا في شبكة هندسة الفوضى التي تعتمدها واشنطن كعقيدة استراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة.

ففي الوقت الذي تتحدّث فيه الولايات المتحدة عن “دعم الاستقرار” و”نشر الديمقراطية”، تُمارس على الأرض سياسة تقوم على تغذية النزاعات دون حسمها، وإبقاء مناطق الصراع مفتوحة ومشتعلة بما يضمن استمرار نفوذها العسكري والسياسي والاقتصادي. هذه المقاربة ليست جديدة، لكنها بلغت اليوم ذروة خطورتها، إذ تتّخذ شكلاً أكثر وقاحة: توزيع النار في وقت واحد على جبهات متعددة، في الشرق الأوروبي كما في الشرق الأوسط.

في أوكرانيا، تمطر واشنطن كييف بأحدث أنواع الأسلحة والصواريخ البعيدة المدى من طراز توماهوك، لتمنحها القدرة على قصف العمق الروسي، وهي تعلم أن هذه الخطوة لن تغيّر موازين القوى جذريًا، لكنها كفيلة بإطالة أمد الحرب واستنزاف موسكو على المدى الطويل.

وفي الوقت نفسه، تُبارك واشنطن الضربات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، بل وتغطيها سياسيًا ودبلوماسيًا تحت شعار “حق الدفاع عن النفس”، في حين تُضخ مئات الملايين من الدولارات لدعم الجيش اللبناني، في سياق يبدو للوهلة الأولى إنسانيًا وأمنيًا، لكنه في جوهره محاولة ممنهجة لإعادة صياغة ميزان القوى الداخلي على نحو يضعف المقاومة ويحوّل الجيش إلى أداة في هندسة توازن جديد يخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة معًا.

إنها سياسة الفوضى المنظمة التي تتحرك بها واشنطن بين المسرحين الأوروبي والشرق أوسطي، مستفيدة من تراجع النظام الدولي التقليدي وتآكل مصداقية المؤسسات الأممية، لتفرض واقعًا جديدًا قوامه “التوتر الدائم” كأداة للتحكم والسيطرة. فمن الحرب بالوكالة في أوكرانيا، إلى الغارات بالوكالة في لبنان، إلى التواطؤ المعلن في غزة، تبدو الولايات المتحدة اليوم كمن يشعل الحرائق ثم يجلس على مقعد المراقب يدّعي الوساطة.

في الجوهر، لا تختلف صواريخ “توماهوك” الموجهة نحو موسكو عن الصواريخ الإسرائيلية التي تسقط على النبطية أو غزة، فكلاهما وجهان لاستراتيجية واحدة: نقل خطوط النار خارج الأراضي الأميركية، وتحويل حلفائها إلى ساحات اختبار وتجريب، كي تبقى واشنطن القوّة الوحيدة القادرة على التحكم بإيقاع الحرب والسلم.

لكن المفارقة الكبرى أن هذا النهج الذي منحها هيمنة غير مسبوقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأ اليوم يرتد عليها ببطء، إذ تحوّلت الفوضى التي صنعتها إلى نظام عالمي متمرد على أحادية القرار الأميركي.

فروسيا التي استُدرجت إلى حرب استنزاف طويلة الأمد في أوكرانيا لم تنهك بعد، والصين التي تراقب بصمت تستعدّ لتثبيت نفوذها في الشرقين الأدنى والأقصى، بينما إيران وحزب الله يواصلان تثبيت معادلات الردع في المنطقة. وفي ظل هذا التشابك، يصبح لبنان مسرحًا مصغرًا للنظام الدولي القادم: دولة على حافة الانهيار، تتجاذبها القوى الكبرى، ويُعاد عبرها اختبار التوازن بين “الردع والمقاومة” من جهة، و”الهيمنة والوصاية” من جهة أخرى.

إن قراءة ما يجري اليوم بين غارات إسرائيل على لبنان، ودعم واشنطن للجيش اللبناني، وتسليحها لأوكرانيا، تفضي إلى نتيجة واحدة: أن الولايات المتحدة لم تعد تدير العالم من موقع القيادة الأخلاقية، بل من موقع صانع الأزمات. فهي توزّع النار بقدر ما توزّع الخطابات، وتحوّل الحلفاء إلى أدوات، والأعداء إلى ذرائع، والشعوب إلى ساحات اختبار لنزعتها الإمبراطورية المتجددة.

في هذا السياق، يصبح السؤال الأهم:

هل نحن أمام بداية نظام عالمي جديد يُولد من رماد هذه الحروب؟ أم أننا أمام مرحلة انتقالية طويلة تُراد لها أن تبقى في حالة اشتعالٍ دائمٍ يخدم بقاء “الإمبراطورية الأميركية” ولو على حساب العالم بأسره؟

 

 

 أولاً: توماهوك أوكرانيا – هندسة الردع ضد موسكو

لم يكن قرار واشنطن بتزويد كييف بصواريخ “توماهوك” المجنّحة خطوة عسكرية فحسب، بل هو إعلان سياسي واستراتيجي عن تحول نوعي في مقاربة الولايات المتحدة للصراع الروسي–الأوكراني. فالولايات المتحدة تدرك تماماً أن هذه الصواريخ، رغم فعاليتها التكنولوجية العالية، لن تغيّر المعادلة الميدانية بشكل جذري، لكنها تحمل رمزية جيوسياسية كبرى تختزل فلسفة “الردع عبر الوكلاء” التي تحكم التفكير الاستراتيجي الأميركي منذ عقود .

 

🔻 مرحلة جديدة في الحرب: “توماهوك” يدخل الميدان الأوكراني 🔻

من الناحية العسكرية، تمثل “توماهوك” أحد رموز التفوق الأميركي في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وهي السلاح الذي استخدمته واشنطن في معظم حروبها منذ التسعينيات، من العراق إلى يوغوسلافيا مروراً بليبيا وسوريا. واليوم، حين تسمح لأوكرانيا باستخدامها ضد أهداف داخل العمق الروسي، فهي في الواقع تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب عنوانها: نقل المعركة إلى قلب الخصم دون أن تطلق واشنطن رصاصة واحدة.

 

 

إنها استراتيجية الاستنزاف البارد التي تفضّل فيها الولايات المتحدة إدارة الصراع من خلف الستار، عبر تزويد حلفائها بالأدوات التقنية والمعلومات الاستخباراتية التي تمكنهم من إدامة الحرب دون حسمها .

من هنا، تصبح “توماهوك” أكثر من مجرد سلاح، إنها أداة سياسية هندسية لإطالة أمد الحرب وإعادة رسم ميزان الردع في أوروبا الشرقية. فواشنطن، التي فشلت في إضعاف روسيا بالعقوبات الاقتصادية وحدها، تراهن اليوم على إنهاكها عسكريًا واقتصاديًا ومعنويًا، عبر حرب طويلة الأمد تُبقي موسكو مشغولة على حدودها الغربية، وتمنعها من التفرغ لتمددها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى .

وهكذا تُدار المعركة في كييف بأيدٍ أوكرانية، لكن بعقل استراتيجي أميركي هدفه النهائي ليس “نصر أوكرانيا”، بل إعادة صياغة بنية الأمن الأوروبي على مقاس الناتو، وإضعاف أي إمكانية لقيام نظام عالمي متعدد الأقطاب تقوده روسيا أو تشارك فيه كندٍّ للولايات المتحدة .

 

🌍 من الزاوية الجيوسياسية

يحمل تسليم صواريخ “توماهوك” 🚀 إلى أوكرانيا 🇺🇦 دلالات أعمق بكثير. فهو يعني أن واشنطن 🇺🇸 لم تعد تكتفي بتسليح كييف للدفاع عن أراضيها، بل باتت تمنحها القدرة على الضرب في العمق الروسي، وهو تطور غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في عام 2022 ⚔️.

هذا التحول يعكس قناعة أميركية راسخة بأن الصراع لم يعد مجرد دفاع عن “السيادة الأوكرانية”، بل خطوة متقدمة نحو تطويق روسيا 🛰️ داخل حدودها ومحاصرتها جيوسياسيًا واقتصاديًا.

 

 

وبذلك، يتحول الصراع تدريجياً من مواجهة محدودة إلى حرب بالوكالة ذات أبعاد استراتيجية شاملة، حيث لا تُقاس المكاسب بالمساحات الجغرافية، بل بالقدرة على إنهاك الخصم واستنزافه في ميادين متعددة: عسكرية، واقتصادية، ونفسية .

في هذا الإطار، يمكن القول إن “توماهوك” هي النسخة الحديثة من مبدأ كارتر القديم: السيطرة عبر التورط المقنّن. فواشنطن لا تريد الانخراط المباشر في حرب عالمية ثالثة، لكنها تريد في المقابل أن تبقي موسكو غارقة في مستنقع أوكراني لا نهاية له. إنها فلسفة “الحرب من بعيد” التي تتيح لأميركا تحقيق أهدافها دون أن تدفع الثمن البشري والسياسي الكامل .

لكن هذه السياسة، رغم ما تحققه من مكاسب تكتيكية مؤقتة، تنطوي على خطر استراتيجي متصاعد: إذ تقترب واشنطن تدريجياً من الخطوط الحمراء الروسية، وتغامر بإطلاق شرارة مواجهة غير قابلة للضبط، خاصة إذا ما شعرت موسكو أن أمنها القومي بات مهدداً بشكل وجودي .

فالتاريخ الروسي، منذ بطرس الأكبر وحتى فلاديمير بوتين، يعلّم أن روسيا حين تُحاصر، لا تتراجع، بل تنفجر. وهنا يكمن مكمن الخطر الحقيقي: فكل خطوة أميركية نحو تسليح أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى هي خطوة نحو حافة الهاوية النووية .

وربما تدرك واشنطن ذلك، لكنها تراهن على أن بوتين لن يجرؤ على الرد المباشر خوفاً من انهيار النظام الدولي أو اندلاع حرب نووية شاملة. بيد أن هذه المقامرة الاستراتيجية، التي تقوم على قراءة أميركية جامدة لنفسية القيادة الروسية، قد تثبت يوماً ما أنها رهانٌ على فوهة بركان .

 

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار صواريخ “توماهوك” رسالة ردع مزدوجة:

  • إلى موسكو، بأن واشنطن لا تخشى نقل المعركة إلى حدودها.
  • وإلى بكين وطهران، بأن القوة الأميركية ما زالت قادرة على إدارة حروب متعددة في آنٍ واحد.

غير أن هذا “الاستعراض للقوة” يخفي في جوهره مؤشرات ضعف بنيوي، فأميركا التي كانت تفرض الردع من خلال تدخل مباشر، باتت اليوم تفرضه عبر وكلاء وحروب نيابة عنها، أي عبر “قوة الآخرين”. وهو ما يكشف أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، لم تعد قادرة على خوض الحروب الكبرى وحدها، وأن “الهيمنة بالنار قد تحولت إلى “الهيمنة بالتفويض”.

وهكذا، فإن “توماهوك أوكرانيا” ليست مجرد خطوة في حرب، بل فصل جديد في ملحمة الصراع على النظام العالمي القادم، صراع بين إمبراطورية تحاول إطالة عمرها عبر الحروب الصغيرة المتعددة، وقوى صاعدة تراهن على أن الاستنزاف الأميركي سيؤدي في النهاية إلى تفكك النظام الذي حكم العالم لعقود.

 

 

 

 ثانيًا: الغارات الإسرائيلية على لبنان اختبار “نزع السلاح” وضبط ميزان المقاومة

تشهد الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة مشهدًا بالغ التعقيد يتقاطع فيه العسكري بالسياسي، والداخلي بالإقليمي، واللبناني بالإسرائيلي في لحظة دقيقة من تاريخ المنطقة. فمع تجدّد الغارات الإسرائيلية على مناطق الجنوب، خاصة في أطراف النبطية وكفرا، بدا واضحًا أن إسرائيل لا تكتفي بخرق وقف إطلاق النار، بل تسعى إلى فرض معادلة جديدة على الأرض هدفها كسر ميزان الردع الذي حافظ عليه حزب الله منذ حرب تموز 2006.

 

📌 التطورات الأخيرة في لبنان

وفي المقابل، تزامنت هذه الاعتداءات مع تمويل أميركي كبير للجيش اللبناني تحت عنوان “دعم الاستقرار”، لكنه يحمل في طياته رسالة سياسية مزدوجة تتجاوز الشأن العسكري إلى محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي بما يخدم مشروع “نزع سلاح المقاومة”.

تبدو هذه التطورات المتلاحقة كأنها حلقات في سلسلة واحدة، تُدار بخيوط أميركية دقيقة، بحيث يجري الضغط على حزب الله من محورين متوازيين:

  • 🛡 من الخارج عبر الغارات الإسرائيلية التي تستهدف مراكزه ومخازنه في الجنوب والضاحية الجنوبية.
  • ⚔️ ومن الداخل عبر دعم المؤسسة العسكرية وتوسيع دورها بوصفها القوة الشرعية الوحيدة المخولة بحمل السلاح.

بهذه الطريقة، تحاول واشنطن فرض معادلة سياسية – أمنية جديدة في لبنان عنوانها المعلن “دعم الدولة”، لكن مضمونها الحقيقي هو تفكيك منظومة المقاومة وتحويل السلاح إلى ورقة تفاوض داخلية في إطار مشروع إقليمي أوسع يهدف إلى تحييد لبنان عن محور المقاومة الممتد من طهران إلى غزة مرورًا بـدمشق وبيروت.

 

 

من جهة أخرى، تكشف حدة الخلاف بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة عن عمق الانقسام السياسي حيال هذا الملف. فبينما يرى الرئيس جوزيف عون أن أي بحث في مسألة السلاح يجب أن يمر عبر حوار داخلي يراعي خصوصية المجتمع اللبناني وتوازناته الطائفية، يتبنى رئيس الحكومة نواف سلام موقفًا أكثر تشددًا يدعو إلى “حصر السلاح بيد الدولة فورًا” بوصفه المدخل الوحيد لاستعادة السيادة. هذا التباين في الرؤى لا يعكس مجرد خلاف إداري، بل صراعًا في اتجاه الدولة اللبنانية نفسها: هل تسير نحو نموذج “الحياد الإيجابي” كما تريده القوى الغربية، أم نحو “الممانعة المتوازنة” كما تراها قوى المقاومة؟

اللافت في هذا السياق أن التمويل الأميركي الجديد لا يأتي في فراغ، بل في سياقٍ متصاعد من الضغوط الدبلوماسية والإعلامية التي تُمارسها واشنطن عبر أدواتها الدولية، خاصة مجلس الأمن وبعض المنظمات الأممية، لتثبيت “مفهوم الدولة الواحدة المسلّحة”، وهو المفهوم الذي يحمل في جوهره مشروع نزع السلاح دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحزب. فبدل أن تُفرض العقوبات على حزب الله أو يُفتح مسار عسكري ضده، يجري العمل على إضعافه تدريجيًا من الداخل، عبر تحصين مؤسسات الدولة وإغراقها بالمساعدات المشروطة، ما يجعلها تدريجيًا رهينة الدعم الخارجي الذي لا يأتي بلا ثمن .

لكن هذا المشروع الأميركي – الإسرائيلي يصطدم بحقائق الميدان. فحزب الله، رغم الضربات الأخيرة، ما زال يحتفظ بقدراته العسكرية والتنظيمية، وما زال قادرًا على فرض معادلة الردع، كما أن البيئة الشعبية في الجنوب لم تتراجع عن دعمها له رغم الكلفة الاقتصادية والأمنية للحروب المتكررة. وهذا ما يجعل الرهان على تفكيك المقاومة من الداخل رهانًا محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يؤدي الضغط المفرط إلى نتائج عكسية، منها عودة التوترات الطائفية، وانقسام الجيش نفسه بين اتجاهات سياسية متباينة، بما يعيد إلى الأذهان أجواء الانقسام الداخلي التي سبقت الحرب الأهلية في السبعينيات.

استشرافيًا، يمكن القول إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي فإما أن ينجح في تحويل هذا الضغط المزدوج إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس توافقية جديدة توازن بين منطق “المقاومة” ومنطق “الشرعية”، وإما أن ينزلق مجددًا إلى دوامة الصراع الأهلي إذا استُخدم الدعم الخارجي لتصفية حسابات داخلية. وفي كلا الحالتين، سيظل الجنوب ساحة اختبار حقيقية للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إذ تدرك تل أبيب أن أي مواجهة مفتوحة مع حزب الله قد تتحول إلى حرب شاملة، وتدرك واشنطن أن فشل مشروع “نزع السلاح الناعم” سيُفقدها إحدى أهم أوراق نفوذها في المشرق.

 

 

أما على الصعيد الإقليمي، فإن استمرار الغارات على لبنان بالتوازي مع الهجوم الإسرائيلي المستمر على غزة يُظهر أن المنطقة تُدار بمنطق واحد منطق القوة بدل الحوار، ومنطق الفوضى بدل التسويات. فالولايات المتحدة التي ترفع شعار “السلام والاستقرار” هي نفسها من تغذي نار الحرب في أكثر من جبهة، وتستخدم أدواتها المتناقضة لتأمين مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر صواريخ “توماهوك” في أوكرانيا أو عبر دعم الجيش اللبناني في مواجهة حزب الله .

في المحصلة، يمكن القول إن الغارات الإسرائيلية على لبنان ليست مجرد رد عسكري محدود، بل هي جزء من خطة شاملة لإعادة صياغة المشهد اللبناني والإقليمي بما يتوافق مع مشروع أميركي – إسرائيلي طويل المدى. لكن هذه السياسة، رغم دقتها الظاهرية، قد تنقلب على أصحابها، لأن الشعوب التي أنهكتها الحروب ما زالت تحمل في داخلها قدرة متجددة على المقاومة والصمود، ولأن لبنان، رغم هشاشته، ما زال يختزن طاقة حياة تجعله ينهض دائمًا من تحت الركام، محافظًا على هويته وميزانه الفريد بين الحرب والسلم، بين القوة والحق، وبين الدولة والمقاومة .

ثالثًا: واشنطن بين بيروت وكييف.. نارٌ تتبدّل ساحاتها

يشهد العالم اليوم مرحلةً دقيقة من التحولات الجيوسياسية، تتقاطع فيها الجبهات العسكرية والسياسية في مشهد واحد، وإن اختلفت جغرافيتها بين الشرق الأوروبي والشرق الأوسط. فبينما تواصل واشنطن دعمها الواسع لأوكرانيا بالأسلحة المتطورة والمعلومات الاستخباراتية، تُبارك في الوقت نفسه الضربات الإسرائيلية المتصاعدة ضد لبنان وغزة، وتغلف كل ذلك بخطاب “دعم الاستقرار” و“نشر الديمقراطية”. غير أنّ هذا الخطاب لم يعد يُقنع أحدًا، إذ تكشف الوقائع أن السياسة الأميركية الراهنة لم تعد تقوم على احتواء الأزمات، بل على إدارتها وضبطها ضمن حدود الاشتعال القابل للتحكم.

إنها سياسة تقوم على مبدأ: إشعال النار في ساحات متعددة لتبقى اليد الأميركية الممسكة بالمطفأة الوحيدة القادرة على التدخل

 

تبديل ساحات النار: استراتيجية واشنطن لإدارة الصراعات العالمية

تبدو واشنطن اليوم وكأنها تُعيد توزيع أوراق الصراع عبر ما يمكن تسميته بـ“تبديل ساحات النار”. ففي أوكرانيا، تختبر الولايات المتحدة حدود الصبر الروسي ومدى قدرة موسكو على تحمّل حرب طويلة الأمد. أما في لبنان، فهي تختبر قدرة حزب الله على ضبط نفسه في ظل غارات إسرائيلية متكررة، وعلى الصعيد الفلسطيني، تواصل تسليح الاحتلال ودعمه سياسيًا رغم الجرائم المستمرة في غزة.

هذه الجبهات المتباعدة توحي وكأن واشنطن تدير حربًا باردة جديدة بوسائل ساخنة، حربًا لا تحتاج إلى اشتباك مباشر بقدر ما تتغذى من استمرار التوتر، ليبقى العالم في حالة اهتزاز دائم تتيح لها التحكم بمسار الأحداث وتوجيهها بما يخدم مصالحها العليا.

في هذا السياق، يُلاحظ أن الإدارة الأميركية لا تتعامل مع كل ساحة باعتبارها معزولة عن الأخرى، بل تنظر إليها باعتبارها حلقة ضمن منظومة واحدة هدفها النهائي تثبيت مركزية الدور الأميركي في النظام الدولي.

فحين تشتد الحرب في أوكرانيا، تُستخدم جبهة الشرق الأوسط كورقة ضغط على روسيا عبر حلفائها، سواء في إيران أو لبنان أو سوريا. وعندما يتصاعد التوتر في الجنوب اللبناني أو في غزة، تُوظَّف الأزمة الأوكرانية لتذكير العالم بأن واشنطن ما زالت قادرة على إدارة أكثر من جبهة في وقت واحد.

ومن هنا، يتضح أن النار التي تشتعل في كييف تُغذّي لهيب الجنوب اللبناني، والعكس صحيح، في علاقة تبادلية تحوّل الصراع العالمي إلى شبكة من الأزمات المتداخلة التي تخدم كلها مشروع “الهيمنة عبر الفوضى”.

 

تُخفي هذه الاستراتيجية وراءها قناعة راسخة في الفكر السياسي الأميركي مفادها أن الاستقرار الشامل لم يعد مصلحة مباشرة لواشنطن. فالسلم يُنتج استقلالًا سياسيًا واقتصاديًا لدى الشعوب، بينما تُبقي الفوضى الجميع في حاجة دائمة إلى “الوصاية” الأميركية. لذلك تعمل واشنطن على إبقاء العالم في حالة توتر مستمر: توتر في أوكرانيا يمنع روسيا من التمدد، وتوتر في لبنان يمنع محور المقاومة من التفرغ لبناء نفوذ سياسي داخلي متماسك، وتوتر في الخليج يبقي دوله ضمن دائرة القلق الأمني التي تبرر صفقات السلاح والحماية .

أما في الداخل اللبناني، فقد أفرزت هذه السياسة الأميركية واقعًا مزدوجًا: دعم مالي وعسكري ظاهر للجيش اللبناني، يقابله انسحاب دبلوماسي كامل من أي جهدٍ حقيقي لإيقاف العدوان الإسرائيلي. إنها رسالة مزدوجة المعنى، فبينما تقول واشنطن إنها تدعم مؤسسات الدولة اللبنانية، تُغضّ الطرف عن الخروقات الإسرائيلية المتكررة، بل وتُبررها تحت عنوان “الردع الوقائي”. بهذا السلوك، لا تكتفي واشنطن بإضعاف المقاومة، بل تضع الدولة اللبنانية نفسها في مواجهة مأزقٍ وجوديٍّ بين الولاء لقرارها الوطني والخضوع للتمويل الخارجي المشروط .

 

🇱🇧 السياسة الأميركية في الداخل اللبناني: رسالة مزدوجة

أما في الداخل اللبناني، فقد أفرزت هذه السياسة الأميركية واقعًا مزدوجًا: دعم مالي وعسكري ظاهر للجيش اللبناني 🪖، يقابله انسحاب دبلوماسي كامل من أي جهدٍ حقيقي لإيقاف العدوان الإسرائيلي ✈️.

إنها رسالة مزدوجة المعنى 💬، فبينما تقول واشنطن إنها تدعم مؤسسات الدولة اللبنانية 🏛️، تُغضّ الطرف عن الخروقات الإسرائيلية المتكررة، بل وتُبررها تحت عنوان “الردع الوقائي” ⚔️.

بهذا السلوك، لا تكتفي واشنطن بإضعاف المقاومة ✊، بل تضع الدولة اللبنانية نفسها في مواجهة مأزق وجوديّ ⚖️ بين الولاء لقرارها الوطني والخضوع للتمويل الخارجي المشروط 💰.

 

استشرافيًا، يشير هذا المسار إلى أنّ العالم يتجه نحو نظام دولي قائم على الصراعات المستدامة بدل التسويات النهائية. فالحروب اليوم تُدار لا لتُحسم، بل لتُستثمر سياسيًا واقتصاديًا. في أوروبا، يجري استنزاف روسيا وأوروبا معًا لصالح المجمع الصناعي العسكري الأميركي. وفي الشرق الأوسط، يُعاد توزيع موازين القوة بما يمنح إسرائيل اليد العليا تحت رعاية أميركية. والنتيجة أنّ “النار الأميركية” لا تنطفئ في جبهة حتى تشتعل في أخرى، لتظل واشنطن في موقع “اللاعب المنقذ” في أزماتٍ هي نفسها من أشعلها .

في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ واشنطن اليوم لا تملك مشروعًا للسلام بقدر ما تملك هندسة دقيقة للفوضى. فهي تعرف كيف تُبقي خطوط التماس مفتوحة دون أن تسمح باندلاع حرب شاملة، وتعرف كيف تُشعل النزاعات بالقدر الكافي الذي يُبقي الأطراف المتصارعة بحاجةٍ إليها، دون أن تصل الأمور إلى نقطة الانفجار الكامل التي قد تُفقدها السيطرة. غير أنّ هذه السياسة، رغم ما تحققه من مكاسب ظرفية، تحمل في داخلها بذور انهيارها؛ إذ إنّ التاريخ يُثبت أن النار حين تتوزع على الجبهات لا تبقى دومًا قابلة للضبط، وأنّ الشرارات الصغيرة قد تتحول إلى عواصف كبرى تُسقط إمبراطوريات بأكملها .

من هنا، فإنّ المرحلة المقبلة ستشهد حتمًا تحولًا في موازين القوى العالمية، فروسيا لن تبقى أسيرة حرب استنزاف أبدية، وإيران لن تتراجع عن معادلة الردع الإقليمي، والمقاومة في لبنان وغزة ستظل عنصر توازن مهما حاولت واشنطن إضعافه. ومع كل ضربة إسرائيلية جديدة أو صفقة سلاح تُرسل إلى كييف، يتأكد أن العالم يدخل عهدًا جديدًا لا يُدار بالقوة العسكرية وحدها، بل بالعقول القادرة على قراءة المستقبل وبناء التوازن بين الردع والحكمة، بين القوة والسيادة، وبين مقاومة النار وصناعة السلام الحقيقي .

 رابعًا: مآلات المشهد – نحو نظام عالمي جديد على أنقاض الجبهات

يبدو أن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخه السياسي الحديث، مرحلة يمكن وصفها بـ”التحول الكبير”، حيث تتشكل ملامح نظام عالمي جديد لا يشبه النظام الذي ساد بعد الحرب الباردة، ولا النظام الذي حاولت الولايات المتحدة فرضه عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. إن ما يجري في أوكرانيا ولبنان وغزة، وفي عدد من بؤر التوتر الأخرى، ليس سوى مظاهر متعددة لتحوّل عميق في هندسة القوة الدولية، تتحرك فيه القوى الكبرى والفاعلون الإقليميون وفق منطق جديد قوامه: الردع المتبادل، وإدارة الأزمات بدل حسمها، وتبادل النفوذ بدل السيطرة المطلقة

لقد استنفدت واشنطن خلال العقدين الأخيرين أدواتها التقليدية في فرض هيمنتها على العالم، من الغزو العسكري المباشر كما في العراق وأفغانستان، إلى العقوبات الاقتصادية كما في إيران وروسيا، مرورًا بسياسة الاحتواء والدبلوماسية القسرية كما في كوريا الشمالية والصين. إلا أن هذه الأساليب لم تعد كافية لضمان استمرار الزعامة الأميركية في عالم يتغيّر بسرعة هائلة. فصعود روسيا كقوة عسكرية متجددة، وبروز الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية هائلة، وعودة قوى إقليمية متوسطة مثل إيران وتركيا والهند إلى المسرح العالمي، كلها مؤشرات على أن القرن الحادي والعشرين لن يكون أميركيًّا كما أرادته واشنطن .

ومن هذا المنطلق، يبدو أن الولايات المتحدة تتعامل اليوم مع النظام الدولي الجديد بمنطق الدفاع لا الهجوم، أي بمنطق “إدارة الانحدار” لا “توسيع الهيمنة”. فهي تحاول تأجيل السقوط لا منعه، وإبطاء التحوّل لا إيقافه. وفي هذا السياق، يمكن قراءة ما يجري في أوكرانيا ولبنان وغزة والعراق واليمن بوصفه محاولة أميركية لتمديد عمر التفوق عبر إشعال بؤر الفوضى التي تُبقي خصومها منشغلين ومنهكين، حتى وإن كلّف ذلك تدمير استقرار مناطق بأكملها .

ومع ذلك، فإنّ هذا الخيار الاستراتيجي محفوف بالمخاطر. فالفوضى التي تُدار قد تنفلت في أية لحظة من يد من أشعلها، والمشهد الدولي الحالي يشي بأن واشنطن بدأت تفقد القدرة على التحكم بمستوى التوتر في عدد من الملفات التي خلقتها بنفسها. ففي أوكرانيا، ورغم حجم التسليح الهائل، لم تتمكن من حسم المعركة لصالح حليفها كييف، بل تحوّلت الحرب إلى استنزاف طويل يرهق أوروبا أكثر مما يرهق روسيا. وفي الشرق الأوسط، ورغم الدعم غير المحدود لإسرائيل، لم تستطع كسر إرادة المقاومة في غزة، ولا إسقاط معادلة الردع في لبنان، ولا حتى فرض تسوية سياسية مستقرة في سوريا واليمن والعراق .

 

إنّ هذا العجز المتكرر يكشف تحوّل القوة الأميركية من “قدرة على الحسم” إلى “قدرة على التعطيل”، أي من قوة تصنع النظام إلى قوة تعيق تشكّله. ومن هنا يمكن القول إننا أمام نهاية مرحلة “الهيمنة الأميركية الأحادية” وبداية مرحلة “التعدد القطبي المرن”، حيث تتقاسم القوى العالمية الكبرى النفوذ في مناطق محددة وفق توازنات معقّدة. ولعلّ المشهد الراهن في مجلس الأمن، والعجز الدائم عن اتخاذ قرارات ملزمة في ملفات كبرى كغزة أو أوكرانيا، يُجسّد هذا الواقع الجديد الذي بدأ يتبلور بصمت.

 

أما في الإطار الإقليمي، فيبدو أن الشرق الأوسط، رغم هشاشته السياسية، سيكون أحد المختبرات الكبرى للنظام العالمي الجديد. فلبنان وسوريا وغزة والعراق واليمن تمثل نماذج متباينة لتأثير هذا التحول في مفهوم السيادة والأمن. فالدولة التي كانت تحتكر القرار السياسي والأمني لم تعد اليوم الكيان الوحيد المؤثر، بل باتت تتقاسم الفعل مع قوى غير تقليدية تمتلك شرعية المقاومة، أو شرعية القبيلة، أو حتى شرعية الاقتصاد الموازي. وهذا يعني أن النظام الدولي الجديد لن يقوم على مركزية الدولة الوطنية بقدر ما سيقوم على تعددية الفاعلين داخل الحدود نفسها .

من ناحية أخرى، فإنّ مآلات هذا التحوّل لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي الذي يشهد بدوره انقلابًا جذريًا في بنيته. فالعقوبات الغربية على روسيا كشفت هشاشة النظام المالي العالمي القائم على الدولار، ودَفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تجارية ونقدية جديدة، مثل نظام التسويات بالعملات المحلية بين روسيا والصين والهند، أو مشروع العملة المشتركة بين بعض دول “البريكس”. هذه التحولات الاقتصادية تحمل في طياتها مؤشرات أولية على تراجع هيمنة الاقتصاد الأميركي، وهو ما سيجعل واشنطن أكثر عدوانية في الدفاع عن مصالحها، وأكثر اندفاعًا نحو سياسة “حافة الهاوية” للحفاظ على ما تبقى من نفوذها .

استشرافيًا، يمكن القول إنّ العقد القادم سيشهد نظامًا دوليًا متعدّد المراكز، لا تديره قوة واحدة، بل مجموعة من القوى الإقليمية والعالمية المتنافسة. وسيكون ميزان هذا النظام قائمًا على مزيج من الردع العسكري والتكامل الاقتصادي والتوازن السياسي، بدلاً من التفوق المطلق الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي

 

 

العالم الجديد والتحولات الكبرى

وفي هذا النظام الجديد، ستتراجع قدرة واشنطن على فرض قراراتها منفردة، وستصعد قوى بديلة تسعى إلى صياغة مفهوم جديد للشرعية الدولية يقوم على المصالح المتبادلة لا الإملاءات الخارجية. أما الشعوب، فستكون أمام خيارين تاريخيين: إما أن تستثمر هذه التحولات لبناء استقلال حقيقي، أو أن تبقى رهينة لعبة الكبار وصراعاتهم المفتوحة.

لبنان نموذج مصغّر للتحولات العالمية

إنّ لبنان اليوم نموذج مصغّر لهذا التحول العالمي. ففيه تتجسد كل تناقضات النظام الدولي الجديد: دولة تعيش على حافة الانهيار، مقاومة تفرض معادلاتها رغم الحصار، تدخل خارجي يختبئ خلف شعارات “الدعم والاستقرار”، وصراع داخلي بين هوية وطنية تبحث عن خلاصها وولاءات سياسية متشعبة. وهذا كله يعكس ملامح عالمٍ جديد يولد من رحم الأزمات، عالمٍ لم تتحدد ملامحه بعد، لكنه يعلن بوضوح نهاية زمن الأحادية الأميركية، وبداية عصر التوازن بين القوى.

 

 

وهكذا، يمكن القول في الخلاصة إنّ النار التي توزعها واشنطن اليوم على الجبهات المختلفة لن تُنتج نظامًا خاضعًا لها، بل نظامًا يتجاوزها. فالفوضى التي تصنعها لا تلد الخضوع، بل تلد المقاومة. والهيمنة التي تُفرض بالقوة لا تُعَمِّر طويلًا، لأن الأمم، مهما ضعفت، لا تموت، بل تعود من تحت الركام كما يعود لبنان، وكما تعود الشعوب التي دفعت ثمن هذه الحروب من دمائها وأحلامها .

وعند تلك اللحظة الفارقة، حين تنطفئ النيران التي أشعلتها الإمبراطورية الأميركية، سيولد عالم جديد لا تملك فيه واشنطن إلا مقعدًا بين الآخرين، لا عرشًا فوقهم .

🧾الخاتمة

في نهاية هذا المشهد الملتهب، تتكشف الحقيقة الكبرى التي حاولت واشنطن طَمرها تحت رماد الشعارات البراقة أنها لم تكن يومًا حارسةً للسلام، بل مهندسةً للفوضى. فكل جبهة أشعلتها لم تكن بحثًا عن الاستقرار، بل بحثًا عن مزيد من السيطرة. من كييف التي تحترق بصواريخ “توماهوك”، إلى بيروت التي تُقصف بغطاء دبلوماسي أميركي، إلى غزة التي تُحاصر بنيران إسرائيلية مدعومة من البيت الأبيض، تتجلى الهيمنة الأميركية في أقبح صورها إمبراطوريةٌ تحكمها المصالح، وتعيش على الأزمات، وتتنفس من دخان الحروب .

 

لقد تحولت واشنطن من دولةٍ تزعم قيادة العالم إلى قوةٍ تتقن صناعة الانهيار، ومن راعيةٍ للنظام الدولي إلى مُشعلةٍ لشرارات الفوضى العالمية. إنّها تُوزع النار على الجبهات كما يوزع التاجر بضاعته، لا فرق بين موتٍ في الجنوب اللبناني أو في الشرق الأوكراني، طالما أن مصانع السلاح تعمل، وأسواق النفط تتحرك، وعناوين النفوذ تُكتب باسمها. لكنها، في غمرة هذا الغرور الإمبراطوري، تغفل أنّ النيران لا يمكن أن تُروّض إلى الأبد، وأن الشرارة التي تزرعها اليوم قد تشتعل غدًا في عقر دارها.

 

 

من لبنان الذي يقف شامخًا على تخوم المقاومة رغم الجراح، إلى غزة التي تحوّلت إلى رمزٍ عالمي للصمود، إلى شعوبٍ تنهض من تحت الركام لترفض الإملاءات وتكتب تاريخها بدمائها، يبرز مشهدٌ واحدٌ لا لبس فيه أن زمن الانكسار العربي قد انتهى، وأن زمن الشعوب بدأ. فالدماء التي تسيل اليوم ليست هزيمة، بل حبرٌ يُكتب به فجرُ التوازن الجديد، والعواصف التي تهب ليست نهايات، بل مخاضُ ولادة عالمٍ أكثر عدلًا، وأكثر تمردًا على منطق القوة المنفلتة .

لقد آن للنظام الدولي أن يُعيد تعريف العدالة بعيدًا عن وصاية واشنطن، وآن للبشرية أن تقول لا للإمبراطوريات التي تُشيّد مجدها فوق جماجم الأبرياء. فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تمحو، والحقّ وإن طال ليله يعود في النهاية ليرسم ملامح الفجر من رماد النار .

وهكذا، تُطوى صفحةٌ من تاريخٍ كُتب بلغة القنابل، لتُفتح أخرى بلغة الإرادات. فواشنطن قد تملك السلاح، وقد تملك المال، لكنها فقدت شيئًا أعظم من كليهما فقدت أخلاق القيادة، وسقط عنها قناع الحارس العادل .

ومن رحم الجبهات التي أحرقتها، سينهض العالم الجديد عالمٌ لا تملك فيه أميركا قرار الحرب، ولا تحتكر فيه تعريف السلام. عالمٌ تصنعه إرادة الشعوب، لا مؤتمرات البيت الأبيض، وتكتبه دماء المقاومين، لا توقيعات الطغاة .

فالتاريخ، كما علّمنا دائمًا، لا يكتب أسماء الذين أشعلوا الحرائق، بل أسماء الذين عبروا النار وخرجوا منها أحرارًا .

 

📰 صواريخ “توماهوك” لأوكرانيا.. وغارات إسرائيلية على لبنان: واشنطن توزع النار على الجبهات

الخبير الاستراتيجي والأمني: الأستاذ الدكتور حكيم غريب – الجزائر

✍️📰🧾التعريف بالكاتب:
الأستاذ الدكتور حكيم غريب، خبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، عمل في القطاع الأمني ويدرس في برامج الدكتوراه في الدراسات الاستراتيجية وبرامج الماستر في العلوم السياسية، متخصص في مكافحة الإرهاب بكل أشكاله. له العديد من المقالات المنشورة في المجلات المتخصصة، وشارك في ندوات ومؤتمرات دولية، كما شارك في عمليات مكافحة الإرهاب خلال العشرية السوداء في الجزائر.

📌 أبرز نقاط المقال :

  • 📌 الفوضى المنظمة لواشنطن: إدارة الأزمات العالمية ليست عشوائية، بل ضمن شبكة هندسة استراتيجية متكاملة، مع ربط كل بؤرة توتر من أوكرانيا إلى لبنان وغزة بهدف استمرار النفوذ الأميركي.

 

  • 📌 تسليح أوكرانيا بصواريخ “توماهوك”: خطوة سياسية واستراتيجية لتمديد الصراع وإطالة استنزاف روسيا، ومنح كييف القدرة على ضرب العمق الروسي دون تدخل أميركي مباشر. المصدر

 

  • 📌 الدلالات الجيوسياسية لصواريخ توماهوك: رسالة مزدوجة لموسكو وبكين/طهران لإظهار القدرة على إدارة حروب متعددة، وتعكس التحول من “القوة المباشرة” إلى “الهيمنة بالتفويض”. المصدر

 

  • 📌 استراتيجية الاستنزاف البارد: إدارة الحرب عن بُعد عبر حلفاء أوكرانيين لإعادة رسم ميزان الردع في أوروبا ومنع قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب بقيادة روسيا. المصدر

 

  • 📌 الغارات الإسرائيلية على لبنان: محاولة لكسر ميزان الردع الذي حافظ عليه حزب الله منذ حرب 2006، مع تزامن الدعم المالي والعسكري الأميركي للجيش اللبناني. المصدر

 

  • 📌 السياسة الأميركية المزدوجة في لبنان: دعم الجيش اللبناني مقابل غض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية، وتحويل الجيش إلى أداة ضمن مشروع “نزع السلاح الناعم”. المصدر

 

  • 📌 تباين الرؤى الداخلية اللبنانية: الرئيس جوزيف عون يفضل الحوار الداخلي، بينما رئيس الحكومة نواف سلام يدعو لحصر السلاح بيد الدولة فورًا، ويعكس صراعًا على هوية الدولة. المصدر

 

  • 📌 تبديل ساحات النار – استراتيجية واشنطن: إشعال النار في عدة جبهات ليبقى “المطفأة الأميركية” هي الأداة الوحيدة للتحكم، وعلاقة تبادلية بين أوكرانيا ولبنان وغزة. المصدر

 

  • 📌 الاستراتيجية الأميركية في إدارة الأزمات العالمية: إبقاء العالم في حالة توتر دائم لضمان اعتماد الدول على الوصاية الأميركية، ودعم إسرائيل وتزويد أوكرانيا بالأسلحة في أوروبا لخدمة نفس الهدف. المصدر

 

  • 📌 مخاطر السياسة الأميركية: الفوضى قد تنفلت عن السيطرة، واقتراب واشنطن من الخطوط الحمراء الروسية، مع احتمال مواجهة نووية. المصدر

 

  • 📌 نظام عالمي جديد: نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية الأميركية وبداية التعدد القطبي المرن، حيث تبقى روسيا وإيران وحزب الله والمقاومة في لبنان وغزة عناصر توازن رئيسية. المصدر

 

  • 📌 مستقبل لبنان والمشرق: لبنان أمام مفترق طرق بين إعادة بناء الدولة على أسس توافقية أو الانزلاق إلى صراعات داخلية، مع استمرار الجنوب كساحة اختبار للسياسات الأميركية والإسرائيلية. المصدر

 

  • 📌 الاستنتاج العام: الولايات المتحدة لم تعد تدير العالم من موقع القيادة الأخلاقية، بل من موقع صانع الأزمات، بتوزيع النار على الجبهات وتحويل الحلفاء إلى أدوات. المصدر

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »