بين إضاءة برج تشاملجا (إسطنبول)، ومنع إضاءة صخرة الروشة: رمزية الضوء في خدمة السياسة
لم تعد الإضاءات على المعالم الشهيرة مجرد مبادرات رمزية أو بروتوكولية، بل تحولت إلى أدوات سياسية مكشوفة، تُستعمل لتلميع تحالفات آنية وتغطية تناقضات دامية. فالضوء الذي كان رمزًا للفرح أو التضامن، صار وسيلةً لتزوير الذاكرة الجماعية، وللتلاعب بمشاعر الشعوب، ولإرسال رسائل سياسية مبطنة من فوق رؤوس الناس.
بين إضاءة برج تشاملجا (إسطنبول)، ومنع إضاءة صخرة الروشة: رمزية الضوء في خدمة السياسة
✍️📰 عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

لم تعد الإضاءات على المعالم الشهيرة مجرد مبادرات رمزية أو بروتوكولية، بل تحولت إلى أدوات سياسية مكشوفة، تُستعمل لتلميع تحالفات آنية وتغطية تناقضات دامية.
فالضوء الذي كان رمزًا للفرح أو التضامن، صار وسيلةً لتزوير الذاكرة الجماعية، وللتلاعب بمشاعر الشعوب، ولإرسال رسائل سياسية مبطنة من فوق رؤوس الناس.
ففي تركيا، حين أمر رجب طيب أردوغان بإضاءة برج تشاملجا، بدا كمن يتحدى ذاكرة وطنية حساسة؛ إذ إن اليمن ارتبط في العقل الباطني التركي، وفي الذاكرة المتوارثة بجروح الغزو العثماني لليمن، وسقوط عشرات الآلاف من الجنود.
هذه الصفحة التاريخية السوداء لا تزال تُروى في البيوت والكتب والأغاني الشعبية بوصفها رمزًا للموت المجاني. ومع ذلك، جرى القفز عليها تحت عنوان “الأخوة اليمنية – التركية” في خطاب دبلوماسي خادع، ألقته السفارة اليمنية في أنقرة لتغطية حقيقة أن السياسة تُكتب على حساب الذاكرة والدماء.
ولم يكن المشهد في الإمارات أقل وضوحًا. قبل عامين أُضيء برج خليفة في دبي احتفاءً بالعلاقة بين الإمارات وحزب الإصلاح في جنوب اليمن.
هنا أيضًا، تحوّل الضوء إلى إعلان سياسي ضخم في سماء مدينة، حيث لا مكان للصدفة ولا للبراءة. فالمبنى الذي يُعد أعلى برج في العالم تحوّل إلى شاشة دعاية للتحالفات الإقليمية، وكأن وجدان الناس مجرد خلفية تزين الصورة.

أما في لبنان، فجاء منع إضاءة صخرة الروشة ليكشف هشاشة السلطة المحلية. فالقرار لم يكن بريئًا، ولم يكن بدافع “الحياد” أو “الحفاظ على صورة لبنان”، بل عكس خضوعًا سافرًا لإملاءات خارجية.
فالدولة لم تحترم مشاعر الملايين من كل الطوائف الذين شيّعوا سماحة السيدين الشهيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، ولم تُفكر في رمزية هذه المناسبة التي تعني معظم اللبنانيين، ولا سيما جمهور المقاومة الكثير الكثير.
بل على العكس، بدا المنع كأنه كمين سياسي مدبّر هدفه جر حزب الله إلى ردة فعل عنيفة تهدد الاستقرار الداخلي. غير أن الحزب، ببرودة أعصابه، فوّت الفرصة على رئيس الحكومة، مفضّلًا التماسك على الانجرار للفوضى.
هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال أعمق: أين هيبة الدولة؟ وهل يُختزل دورها اليوم في ضبط ألوان أضواء المعالم، بينما يُثبِّت الاحتلال الإسرائيلي وجوده داخل الأراضي اللبنانية ويكثِّفه على الحدود وفي السماء والبحر دون أي رادع؟
والأرقام وحدها تكفي لفضح العجز: فأكثر من 4500 اعتداء إسرائيلي منذ وقف إطلاق النار الأخير في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، من دون أن تحرك الحكومة ساكنًا، ومن دون تقديم أي شكوى إلى مجلس الأمن.




