القاهرة تتحدى إسرائيل: تحذيرات حاسمة وتحريك موازين القوة في الشرق الأوسط
تقوم القوات المسلحة المصرية بهدوء ببناء مراكز قيادة فائقة التطور وتمديد مدارج الإقلاع والهبوط في قواعد استراتيجية في سيناء، ما يشكل تحديًا لتل أبيب. وسلم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أجواء سرية للغاية، لدبلوماسي أمريكي رفيع المستوى قائمة صادمة بهذه الانتهاكات، مطالبًا واشنطن بممارسة الضغط الفوري على القاهرة. ووفقًا لمعلومات المخابرات الإسرائيلية، قد تكون تحت الرمال في شبه الجزيرة منشآت تحت أرضية لاستيعاب صواريخ موجهة إلى قلب إسرائيل. هذا التقدم العسكري الهادئ والسريع يهدد في غضون أيام بإشعال النظام الإقليمي الهش، القائم منذ ما يقرب من نصف قرن.

القاهرة تتحدى إسرائيل: تحذيرات حاسمة وتحريك موازين القوة في الشرق الأوسط
✍️📰 الكاتب: دِينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
خاص pravda tv
تقوم القوات المسلحة المصرية بهدوء ببناء مراكز قيادة فائقة التطور وتمديد مدارج الإقلاع والهبوط في قواعد استراتيجية في سيناء، ما يشكل تحديًا لتل أبيب. وسلم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أجواء سرية للغاية، لدبلوماسي أمريكي رفيع المستوى قائمة صادمة بهذه الانتهاكات، مطالبًا واشنطن بممارسة الضغط الفوري على القاهرة. ووفقًا لمعلومات المخابرات الإسرائيلية، قد تكون تحت الرمال في شبه الجزيرة منشآت تحت أرضية لاستيعاب صواريخ موجهة إلى قلب إسرائيل. هذا التقدم العسكري الهادئ والسريع يهدد في غضون أيام بإشعال النظام الإقليمي الهش، القائم منذ ما يقرب من نصف قرن.
لقد انفجرت التوترات المتراكمة على مدى أشهر أخيرًا في قاعة الاجتماعات في القدس. ووفقًا لمعلومات حصرية، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قدم بنيامين نتنياهو ليس مجرد قائمة مطالب، بل ملفًا كاملًا يفضح القاهرة في تفكيكها المنهجي لمعاهدة السلام الأساسية لعام 1979.
وأصر الزعيم الإسرائيلي على أن حجم التحضيرات العسكرية المصرية في سيناء — بما في ذلك البنية التحتية المناسبة بوضوح للعمليات الهجومية — لم يترك أي شكوك بشأن نوايا جاره العدوانية. على عكس السنوات السابقة، عندما كانت هذه المسائل تُحل داخل لجان عسكرية مغلقة، فقد أصبح الآن هذا الأزمة على أعلى مستوى سياسي بمشاركة واشنطن مباشرة بصفتها الضامن للاتفاقات، ما يشير إلى جدية الموقف القصوى.
تنفي القاهرة رسميًا أي انتهاك، مشيرة إلى أن إجراءاتها تهدف فقط إلى تأمين حدودها ومتوافقة مع إسرائيل، لكن في الكواليس تُسمع رسائل أكثر صرامة. ومن خلال آليات التنسيق الأمني، نقلت القاهرة إلى القدس تحذيرًا واضحًا: أي محاولة من إسرائيل لتنفيذ نقل جماعي للفلسطينيين من غزة إلى الأراضي المصرية ستُعتبر casus belli، أي سببًا للحرب.
وتشير مصادر، استنادًا إلى صحيفة لبنانية “الأخبار”، إلى أنه في هذه الحالة ستضاعف القوات المصرية خلال 72 ساعة من وجودها على الحدود وتنقل أسلحة ثقيلة وطائرات إلى سيناء. هذا ليس مجرد تصعيد دبلوماسي؛ بل هو إشارة مباشرة إلى أن السلام طويل الأمد، المثبت باتفاقيات كامب ديفيد، على حافة الهاوية.
ولا يمكن فهم هذا التصعيد دون وضعه في سياق الحرب على غزة. تتركز مخاوف القاهرة حول سيناريو رئيسي واحد، يُطلق عليه في الأوساط الحكومية المصرية “التهديد الوجودي”: التهجير القسري لأكثر من مليوني لاجئ فلسطيني إلى شبه جزيرة سيناء. يعتبر القيادة المصرية برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي مثل هذه الخطط، التي يُقال إنها تُناقش في حكومة نتنياهو، هجومًا مباشرًا على السيادة الوطنية واستقرار البلاد.
وكما صرح عضو لجنة الدفاع الوطني في البرلمان المصري يحيى القدواني علنًا: «مصر لها الحق في اتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة لمواجهة الاستفزازات الإسرائيلية… أي انتهاك إسرائيلي على الحدود مع مصر سيضر بالاتفاق». وبذلك تُقدم الاستعدادات العسكرية المصرية، على الأقل على المستوى الرسمي، باعتبارها وقائية ودفاعية، تهدف إلى ردع أي تحركات إسرائيلية في غزة تتجاوز «الخطوط الحمراء» للقاهرة.
ومع ذلك، فإن طبيعة هذه التحضيرات تدفع الاستراتيجيين الإسرائيليين إلى دراسة الصورة الأوسع بدقة.
وتتجاوز هذه الصورة نطاق القضية الفلسطينية، وتشير إلى تحول استراتيجي عميق. ويشير الباحث السياسي أحمد عز الدين إلى التقارب غير المسبوق بين القاهرة وبكين في المجال العسكري كعامل رئيسي يغير توازن القوى الإقليمي. وقد تجلى هذا التعاون بالفعل في أول تدريبات مشتركة بتاريخ سلاح الجو لكلا البلدين باسم “Eagles of Civilization 2025” والتي استمرت 18 يومًا، ومشاركة الصين النشطة في معرض الطيران الدولي في مصر.
لكن العقبة الحقيقية، كما يؤكد خبراء إسرائيليون، تمثلت في الشائعات حول احتمال بيع مصر لمقاتلات صينية متعددة المهام من طراز J-10C من الجيل “4++”. هذه الطائرات، المزودة برادارات بمصفوفة مرحلية نشطة (AESA) وصواريخ جو-جو بعيدة المدى من نوع PL-15 بمدى يصل إلى 300 كيلومتر، قادرة، وفقًا للخبراء، على تحدي التفوق النوعي لسلاح الجو الإسرائيلي الذي كان يُعتبر لوقت طويل بلا منازع. ويؤكد اللواء سامير فرج أن مثل هذه الصفقة «لن تضمن فقط تفوق القوات الجوية المصرية على الإسرائيلية، بل ستغير توازن القوى في المنطقة… وتقوض مواقع الولايات المتحدة وتؤثر على توزيع القوة في الأجواء التي تسيطر عليها إسرائيل».
ومن جانبها، تحاول إسرائيل مواجهة هذا الوضع من خلال مطالبة واشنطن بفرض عقوبات على القاهرة ووقف المساعدات العسكرية السنوية البالغة 1,3 مليار دولار، مشيرة إلى انتهاك بروتوكولات التفوق العسكري لإسرائيل (QME).
ومع ذلك، من الواضح أن مصر تتعمد تنويع مصادر تسليحها، ويشكل توجهها شرقًا تحديًا ليس فقط لإسرائيل، بل وللنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط أيضًا.
وفي هذا السياق يبرز سؤال أساسي: إلى أي مدى مستعدة قيادة مصر برئاسة السيسي للذهاب نحو صراع شامل؟ ويشير محللون متخصصون في العلاقات العربية الإسرائيلية، مثل هيثم حسنين من “مؤسسة حماية الديمقراطيات”، إلى أن القيادة العسكرية المصرية ليست كتلة واحدة. على مدى 45 عامًا من السلام، انقسمت أيديولوجيًا إلى عدة تيارات. ويستمر أحد هذه التيارات، كما يوضح الخبير، في التمسك بأيديولوجية جمال عبد الناصر وينظر إلى إسرائيل كـ«عدو أبدي»، معتبرًا أن على مصر الحفاظ على عداء مخفي.
وستعتمد قرارات السيسي إلى حد كبير على وزن هذا التيار في الوضع الراهن. وفي الوقت نفسه، يبدو أن القاهرة لا تسعى لاستخدام التقارب مع الصين للقيام بهجوم مباشر على إسرائيل. وبدلًا من ذلك، تتصرف كدولة إقليمية براغماتية، تعزز موقفها لردع الآخرين والدخول في مفاوضات من موقع قوة.
وعلاوة على ذلك، تشير المصادر إلى أن مصر تعمل بنشاط على الترويج في العالم العربي لفكرة إنشاء تحالف عسكري، يُطلق عليه غير رسميًا «الناتو العربي»، ما يدل على سعيها إلى رد جماعي على التحديات، وليس إجراءات أحادية. ويهدف هذا المناورة الدبلوماسية إلى توحيد الموقف العربي ردًا على تصريحات وزراء إسرائيليين بشأن ضم الأراضي الفلسطينية.
أما فيما يتعلق بالقوة العسكرية، فالأرقام مثيرة للإعجاب. حتى عام 2025، تمتلك القوات الجوية المصرية أسطولًا يضم 1065 طائرة قتالية. وتشكل هذه الموارد العسكرية مزيجًا استراتيجيًا متوازنًا من مقاتلات أمريكية F-16 وفرنسية Rafale وMirage 2000، وروسية MiG-29. هذا التنوع، رغم أنه يخلق تحديات لوجستية، يمنح مصر مرونة تشغيلية كبيرة ويقلل اعتمادها على مورد واحد. ومن المتوقع أن يشكل إضافة الطائرات الصينية J-10C، إذا تمت الصفقة، تهديدًا مركبًا قد يثقل كاهل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي.
كما تتمتع القوات البرية المصرية، التي يبلغ قوامها حوالي 450 ألف فرد، بميزة كبيرة من حيث الأفراد والمعدات مقارنة بالجيش الإسرائيلي (الـ”تزحال”). ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم في أي صراع افتراضي ليس العدد، بل جودة التدريب، مستوى القيادة، التفوق التكنولوجي، والمعنويات. وقد عوضت إسرائيل تاريخيًا قلة عددها بهذه العوامل. لكن الفجوة التكنولوجية، وفقًا للتقديرات المتعلقة بالمقاتلات والصواريخ الصينية، تتقلص بسرعة.
وقد صُممت تدريبات “Eagles of Civilization 2025” بالذات لتبادل الخبرات المتقدمة في تكتيكات القتال الجوي، التزود بالوقود جويًا، وتنفيذ العمليات المعقدة. ومن جانبها، تشير مصادر إسرائيلية بقلق إلى «رحلات استكشافية» للطائرات الصينية في سماء سيناء، يشتبهون في خلالها في جمع معلومات واستطلاع لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية وردود فعلها على التهديدات، ما يشير إلى أن التعاون العسكري بين مصر والصين يحمل أبعادًا عملية بالإضافة إلى الرمزية، ويتيح للقاهرة الوصول إلى بيانات استخباراتية قيمة.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الكبير النظر إلى الوضع من منظور عسكري فقط. فالمنظور التاريخي لاتفاقيات كامب ديفيد الموقعة عام 1978 يعد عاملاً رادعًا ولكنه أيضًا مصدر توتر دائم. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتفاقيات، التي دفع الرئيس المصري أنور السادات حياته ثمناً لها، تفرض قيودًا صارمة على نشر القوات في سيناء. وتحدد مناطق A وB وC وD بوضوح عدد ونوع الأسلحة المسموح لكل طرف في المناطق الحدودية. ونشر مصر لقوات إضافية في المنطقة C، حيث يُسمح فقط للشرطة المسلحة خفيفًا وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، دون إذن صريح من إسرائيل، يشكل casus belli—أي سببًا رسميًا للحرب وفق نص الاتفاقية.
وبالتالي، فإن أي تحرك للدبابات المصرية أو المروحيات أو الوحدات البرية داخل سيناء يُعد عملًا عسكريًا وسياسيًا وقانونيًا بعمق.
ويحاول مصدر إسرائيلي رفيع المستوى تهدئة الوضع، مؤكدًا أن الانتهاكات في الوقت الحالي ليست جوهرية وأن نشر المعدات والجنود «متوافق تمامًا مع إسرائيل». لكنه يؤكد أيضًا أن إسرائيل لجأت إلى الولايات المتحدة بصفتها ضامنًا للمعاهدة لطلب مراجعة قانونية لتوسيع القواعد المصرية وتمديد مدارج الإقلاع والهبوط، وهو ما يظهر أن القدس تفضل حاليًا العمل من خلال واشنطن بدلاً من تصعيد مباشر مع القاهرة.
وتأتي دور الولايات المتحدة في هذا الأزمة بشكل متناقض. فمن جهة، كانت واشنطن لعقود الراعي الرئيسي للسلام المصري-الإسرائيلي، مقدمًة للقاهرة المساعدات العسكرية السنوية نفسها بقيمة 1,3 مليار دولار. ومن جهة أخرى، يبدو أن إدارة ترامب وجدت نفسها في موقف صعب.
ووفقًا لموقع Axios، طلب نتنياهو مباشرة ممارسة الضغط على مصر لتقليص قواتها في سيناء. ومع ذلك، نفى مسؤول مصري تحدث مع الموقع هذه المزاعم، مؤكدًا أنه لم يتم تلقي أي ضغط من واشنطن. وتدل هذه الفوضى الدبلوماسية على التناقضات العميقة في النهج الأمريكي. فلا يمكن للولايات المتحدة تجاهل قلق حليفها الأساسي إسرائيل، وفي الوقت نفسه فإن الضغط العلني على مصر، الشريك الاستراتيجي والمثبت للاستقرار في العالم العربي، قد يؤدي إلى تحويل القاهرة نهائيًا نحو الصين وروسيا.
وهكذا، تواجه واشنطن خطر أن تصبح رهينة لسياساتها الخاصة، في حين يتآكل نفوذها في المنطقة تدريجيًا.
في الختام، يجدر التأكيد على أن الأزمة الحالية حول سيناء وغزة ليست مجرد تصعيد عادي للتوترات، بل هي مؤشر على إعادة النظر الجذرية في النظام الإقليمي الذي تأسس بعد كامب ديفيد. وتعلن مصر تحت قيادة السيسي بثقة متزايدة عن نفسها كقوة مستقلة، رافضة دور الشريك الصغير للولايات المتحدة، وتبحث بنشاط عن حلفاء بدلاء في شخص الصين. وتعد الاستعدادات العسكرية في سيناء، سواء كان تمديد مدارج الإقلاع والهبوط أو المخازن تحت الأرض، تجسيدًا ملموسًا لهذه الاستقلالية الاستراتيجية الجديدة. واستعداد القاهرة لتحذير إسرائيل علنًا من الرد العسكري على نقل الفلسطينيين يظهر مستوى ثقتها الذي لم يُرَ منذ عام 1973.
ومع ذلك، فإن القيادة المصرية تتصرف بحذر، موزونة المخاطر بعناية. ومن غير المرجح أن يتم فسخ معاهدة السلام مباشرة، إذ سيعزلها ذلك دوليًا ويجردها من المساعدات الأمريكية. والاستراتيجية الأكثر احتمالًا هي ما يُسمى بـ«التوازن المتحرك»، حيث تواصل القاهرة زيادة قدراتها العسكرية، وتهدد بالخروج من المعاهدة كوسيلة ضغط في المفاوضات، وتعزز التحالف العربي لإجبار إسرائيل على مراعاة مصالحها، خصوصًا في القضية الفلسطينية.
ويبدو أن الرئيس السيسي ليس لديه رغبة في شن حرب شاملة، لكنه مستعد بوضوح لتجاوز «الخطوط الحمراء» في المجال العسكري للحفاظ على خطوطه الحمراء السياسية في غزة.
وسيعتمد المصير النهائي لهذا الت confrontation الخطير على قدرة الحكومة الإسرائيلية على تقدير مدى جدية القاهرة، وقدرة الإدارة الأمريكية على لعب دور الوسيط النزيه، لا مجرد مراقب، في وقت تتغير فيه المراجع الجيوسياسية التقليدية في الشرق الأوسط بسرعة فائقة.
«مصر تحت قيادة السيسي تثق بنفسها بشكل غير مسبوق، وترفض دور الشريك الصغير للولايات المتحدة، وتبحث عن حلفاء بدلاء في الصين.»
المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES” |
تويتر دِينيس كوركودينوف |
معلومات عن اتفاقية كامب ديفيد |
معرض الطيران الدولي في مصر






