كيف تدير واشنطن المسرح الخليجي بأيدٍ آسيوية؟
في صحراء السياسة الدولية القاحلة، حيث لا ينمو إلا نبات المصلحة الشائك، تهب على منطقتنا رياح عاتية من التغيير. ومعها، ترتفع أصوات تحتفي بما تسميه "فجر الاستقلال الخليجي"، وتهلل لاتفاقيات الرياض وأبوظبي مع إسلام آباد ونيودلهي، وتصورها كطلقة تمرد شجاعة في وجه الهيمنة الأمريكية.

كيف تدير واشنطن المسرح الخليجي بأيدٍ آسيوية؟
كتب مشتاق هاشم العلوي 📰✍️
في صحراء السياسة الدولية القاحلة، حيث لا ينمو إلا نبات المصلحة الشائك، تهب على منطقتنا رياح عاتية من التغيير. ومعها، ترتفع أصوات تحتفي بما تسميه “فجر الاستقلال الخليجي”، وتهلل لاتفاقيات الرياض وأبوظبي مع إسلام آباد ونيودلهي، وتصورها كطلقة تمرد شجاعة في وجه الهيمنة الأمريكية.
إنها رواية براقة، مُرضية للغرور القومي، ومُسكنة لآلام عقود من التبعية. لكنها، لمن يملك بصيرة تتجاوز وهج العناوين، رواية خادعة كسراب الظهيرة، لا تروي عطش الباحث عن الحقيقة. الحقيقة، هي أكثر عمقًا، وأشد برودة، وأقرب إلى لعبة شطرنج كبرى يديرها لاعب خفي لا يزال يمسك بأهم الخيوط.
ما نشهده ليس تمردًا على المهندس، بل هو تنفيذ متقن لتصميمه الجديد. “فن القيادة من خلف الستار”: لفهم جوهر هذه التحركات، يجب أن ندرك أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط كمسرح لتدخل عسكري مباشر، بل كشبكة مصالح معقدة يجب إدارتها عن بعد.
لقد انتقلت من دور “الشرطي” المُكلف والمُرهَق، إلى دور “المهندس المعماري” الذي يضع التصاميم ويترك التنفيذ لشركاء إقليميين موثوقين. وهنا يكمن مفتاح فك الشفرة، فبدلاً من أن يترك حلفاؤها الخليجيون، القلقون من تراجع دورها، يبحثون عن بدائل حقيقية قد تقودهم إلى أحضان بكين أو موسكو، سارعت واشنطن لتقديم “حلول آمنة” تقع ضمن فلكها الاستراتيجي.
إن هذه الحلول لم تأتِ من فراغ، بل تم اختيارها بعناية فائقة:
باكستان والهند. هذه الأدوات الجديدة في يد المهندس:
- باكستان: ليست مجرد دولة إسلامية تمتلك سلاحًا نوويًا، وهو ما يطمئن الخليج شكليًا. الأهم من ذلك، أنها “حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج الناتو” (مصدر).
- هذا التصنيف الرسمي يعني أن أي تعاون عسكري أو نووي بينها وبين السعودية سيظل تحت المراقبة الأمريكية، مرهونًا بضوء أخضر من واشنطن. إنها “مظلة نووية” بالوكالة، تخدم الردع الإقليمي دون أن تخرج عن السيطرة الأمريكية.
- الهند: ليست مجرد قوة اقتصادية عالمية، بل هي حجر الزاوية في “الحوار الأمني الرباعي” (Quad)، وهو التحالف الذي تقوده أمريكا بهدف رئيسي هو احتواء النفوذ الصيني. وبالتالي، فإن تعميق العلاقات الإماراتية-الهندية لا يخدم فقط التنويع الاقتصادي لأبوظبي، بل يربطها بشكل أعمق بالمنظومة الاستراتيجية الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ.
إذًا، الحلفاء الجدد للخليج ليسوا أصدقاء عشوائيين، بل هم شركاء لواشنطن تم اختيارهم بعناية لخدمة استراتيجيتها الكبرى.
عبر هذه الهندسة الدقيقة، تحقق الولايات المتحدة عدة أهداف بضربة واحدة: توزيع الأعباء، واحتواء الخصوم، والسيطرة عن بعد. وبهذا تحافظ على نفوذها المطلق، لكن بأدوات أكثر ذكاءً وأقل تكلفة.
إن ما يراه البعض “تمردًا” هو في حقيقته عملية “إعادة تموضع” محسوبة داخل النظام الأمريكي نفسه. الخليج لا يغادر القفص الذهبي، بل يتعلم كيفية الطيران في مساحات جديدة، وهي مساحات صممها وحدد أبعادها حارس القفص نفسه.
لكن الخسارة الصامتة في لعبة الكبار وفي خضم هذه الرقصة المعقدة، تُدفع القضية الفلسطينية بهدوء إلى هامش التاريخ. هذا الترتيب الأمني الجديد، الذي يضع مواجهة إيران كأولوية قصوى، يجعل من إسرائيل “شريكًا موضوعيًا” لا “عدوًا تاريخيًا”. التحالفات التي تُبنى اليوم ليست لتحرير القدس، بل لحماية الرياض وأبوظبي من صواريخ طهران. لقد تحولت القضية الفلسطينية من “قضية وجود” مركزية إلى “ملف إنساني” تتم إدارته بالمساعدات الاقتصادية والهدنات المؤقتة، بينما تُبنى الجسور مع إسرائيل لخدمة الهدف الأسمى الجديد: احتواء إيران.
إن القراءة السطحية للأحداث هي تخدير للعقل العربي،أما القراءة العميقة، فتقتضي أن نرى اليد الخفية للمهندس الذي يعيد طلاء جدران البيت بنفس ألوانه القديمة، ويوهم الساكنين بأنهم بنوا بيتًا جديدًا. الاتفاقيات الأخيرة ليست شهادة ميلاد لاستقلال خليجي، بل هي شهادة نضج للاستراتيجية الأمريكية التي أصبحت أكثر دهاءً وقدرة على التكيف. هي ليست ثورة، بل هي “تطور مُسيطر عليه”. وعلى العقل العربي، الباحث عن الحقيقة، أن يتخلى عن الأماني العاطفية ويتسلح ببرودة المنطق.
عليه أن يتعلم كيف يقرأ حركات الظل، لا أن ينبهر بمسرح العرائس المضيء. ففي عالم السياسة، ما لا تراه هو غالبًا ما يتحكم في كل ما تراه. ومن لا يتقن قراءة لعبة الأمم، سيظل دائمًا مجرد قطعة شطرنج على رقعتها، لا لاعبًا يحركها.



