اتهامات البلطيق المتكررة.. تمهيد لتصعيد جوي بين روسيا والناتو
أصدرت وزارة الدفاع الروسية بيانا نفت فيه بشكل قاطع الاتهامات الاستونية بأن مقاتلات روسية اخترقت مجالها الجوي. وأكدت موسكو في بيان الدفاع الصادر صباح السبت 20 سبتمبر 2025 أن طائراتها التزمت بالمسار الجوي المقرر ولم تنحرف عنه. كما أكدت أن خط الرحلة مر فوق.. المياه الدولية.. في بحر البلطيق وعلى مسافة تزيد عن.. ثلاثة كيلومترات.. من جزيرة فايندلو (جزيرة تقع في أقصى شمال استونيا).

اتهامات البلطيق المتكررة.. تمهيد لتصعيد جوي بين روسيا والناتو
سعد خلف – موسكو كتب الدكتور ✍️📰📰
أصدرت وزارة الدفاع الروسية بيانا نفت فيه بشكل قاطع الاتهامات الاستونية بأن مقاتلات روسية اخترقت مجالها الجوي. وأكدت موسكو في بيان الدفاع الصادر صباح السبت 20 سبتمبر 2025 أن طائراتها التزمت بالمسار الجوي المقرر ولم تنحرف عنه. كما أكدت أن خط الرحلة مر فوق.. المياه الدولية.. في بحر البلطيق وعلى مسافة تزيد عن.. ثلاثة كيلومترات.. من جزيرة فايندلو (جزيرة تقع في أقصى شمال استونيا)
تقول الرواية الإستونية، إن 3 مقاتلات روسية من طراز “ميغ-31” دخلت المجال الجوي الإستوني قرب جزيرة فايندلو دون إذن، وبقيت داخله قرابة 12 دقيقة دون خطط طيران أو تواصل مع مراقبة الحركة الجوية في إستونيا، مع إغلاق أجهزة الإرسال.
يوم 12 سبتمبر2025، تناولت في مقال سابق حادثاً مشابه، وهو اتهام وارسو لموسكو باختراق مسيراتها الأجواء البولندية… وكان النفي الرسمي الروسي هو سيد الموقف، ولا يزال.. وفي حالة حادثة إستونيا أيضا واتهام تالين لموسكو، يبقى الإنكار الروسي الرسمي هو الرد الوحيد على هذا الاتهام.
لكن هذا النفي المتكرر لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد.. رد تقني.. على شكوى.. عابرة.. بل يتحول، في رأيي، إلى جزء من معادلة أوسع للصراع الروسي الأطلسي، في مسرحه الجديد.. المحتمل بشدة.. وأقصد به مسرح البلطيق. فكل حادثة جوية أو بحرية تقع باتت تكتسب أهمية استراتيجية تتجاوز الآن طابعها التكتيكي، الذي كنا نصنفها به سابقا، لندرة الحدوث وظروفه الزمانية.
وإذا قرأنا النفي الروسي بعين تحليلية، نراه يركز على ثلاثة أبعاد رئيسية: أولاً، الالتزام بالقانون الدولي، عن طريق الإشارة إلى أن تحليق المقاتلات الروسية كان فوق المياه الدولية، حسبما جاء في بيان الدفاع المشار إليه أعلاه. وهو ما اعتبره يعكس حرص موسكو.. مجدداً.. على تقديم.. ذريعة.. مادة قانونية أو سياسية.. تستخدم ضدها.
ثانيا، الصورة الإعلامية، حيث تسعى موسكو إلى إظهار أن الاتهامات البلطيقية ليست سوى جزء من.. حملة دعائية.. أطلسية. وثالثا، يحاول الكرملين التحكم في مستوى التصعيد.. فبيان الدفاع الروسية قد تمت صيغته بلغة.. فنية تقنية.. هادئة تظهر إدراك موسكو.. لخطورة الاحتكاك المباشر في أجواء البلطيق، في الوقت الراهن.
فمنذ بداية الحرب الأوكرانية، تحولت دويلات البلطيق إلى خط أمامي لحلف الناتو في مواجهة روسيا. وأي حادثة، حتى وإن بدت محدودة، يتم استغلالها من جانب تالين أو فيلنيوس أو ريغا كذريعة لتبرير مطالباتها بزيادة الوجود الأطلسي على أراضيها.
وإذا نظرنا إلى التوازن العسكري في البلطيق، نرى أنه يعكس ذلك، فعلى مستوى القوات الجوية تمتلك روسيا في مسرح كلينينغراد (هي الجيب الروسي المشرف على بحر البلطيق والمجاور لبولندا وهذه الدويلات ويرتبط بإقليم روسيا البري عبرها) والبلطيق، حسب البيانات المتاحة بالطبع، ما يقارب 120 إلى 140 طائرة مقاتلة من طرازات سو27 وسو30 وسو35، إضافة إلى قاذفات سو34 وطائرات استطلاع.
في المقابل يعتمد الناتو، في هذه المنطقة، على نحو 90 إلى 110 طائرة موزعة بين بولندا ودول البلطيق الثلاث، مع تناوب دوري للطائرات الأمريكية هناك.
وفي مجال الدفاع الجوي، تُظهر روسيا تفوقا نوعيا بفضل منظومات اس400 واس300 المطورة التي تغطي معظم المجال الجوي للبلطيق. أما الناتو فيعتمد في الأساس على منظومات باتريوت الموجودة في بولندا وألمانيا، مع قدرات دفاعية محدودة في دول البلطيق نفسها.
وعلى الصعيد البحري، يحتفظ اسطول بحر البلطيق الروسي الحربي بما يقارب خمسين قطعة بحرية، تشمل فرقطات وكورفيتات وغواصات ديزل حديثة. في المقابل يمتلك الناتو نحو أربعين قطعة بحرية، معظمها ألمانية وبولندية ودانماركية.. مع وجود بحري متناوب للبحريتين الأمريكية والبريطانية.
برياً، تعتمد روسيا على وحدات مشاة ميكانيكية منشورة هناك، وصواريخ إسكندر المتمركزة في كلينينغراد بمدى يصل إلى 500 كيلومتر (يدور الحديث الآن عن إمكانية زيادة مداها ليصل إلى ألف كيلومتر). بينما يدير الحلف أربع مجموعات قتال متعددة الجنسيات في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، تضم، وفقا لأخر المعلومات التي اطلعت عليها، ما بين ستة إلى سبعة آلاف جندي معزز.
قصدت البحث عن هذه المعلومات وتقديمها حتى أعكس عبر المقارنة كيف أن روسيا تحتفظ في هذه المنطقة بتفوق.. دفاعي.. نوعي، يمكن تعزيزه، خصوصا في الصواريخ والدفاع الجوي، بينما يراهن الناتو، حسبما فهمت من هذه البيانات، على قدرته على المناورة السريعة عبر التعزيزات من القواعد الأوروبية والأمريكية.
لذلك تبدو الحسابات الروسية واضحة في هذا النفي المتكرر، فهو يعكس استراتيجية مزدوجة. فمن جهة، يبدي الكرملين حرصا على تجنب منع الناتو أي ذريعة لفرض قيود إضافية أو التلويح بإجراءات عسكرية جديدة. ومن جهة أخرى، هناك إصرار روسي على التأكيد على حرية.. الحركة العسكرية.. فوق المياه الدولية، كجزء من أنشطة دورية روتينية.
وهنا تبدو موسكو وكأنها توازن بين.. الردع.. والتهدئة.. فهي تُظهر التزاما بالقانون الدولي.. لكنها لا تتراجع عن ممارساتها الميدانية.. التي تؤكد حضورها الاستراتيجي في هذه المنطقة.. وعدم خشيتها من أي تصعيد محتمل إن دفعتها الأحداث إليه دفعاً.
وباختصار أقول إن حادثة الاختراق “غير المؤكد” على الأقل حتى لحظة كتابة هذه السطور، ووقوعه بعد حادثة مسيرات بولندا الأسبوع الماضي، لا يمكن فصلها عن المشهد الأشمل المتوتر أصلاََ، والذي يزداد توترا يوما بعد يوم في البلطيق.
بالنسبة لإستونيا وحلفائها تمثل الواقعة طبعا فرصة لإبراز “التهديد الروسي” وتبرير زيادة الحشد الأطلسي في هذه المنطقة. أما بالنسبة لموسكو، فمن واقع قراءتي لرد فعلها، هي أيضا مناسبة لإظهار نفسها كطرف ملتزم بالقانون الدولي، يتعرض في الوقت نفسه لحملة دعائية، خصوصا أمام حلفاء أو شركاء الجنوب.
وبذلك يا سادة يا كرام يظل مسرح البلطيق واحدا من أكثر نقاط التماس حساسية بين روسيا وحلف الناتو، حيث يمكن لأي حادث، حتى وإن بدى خطأً عملياتياً.. فنياً وتقنياً بحتاً.. وغير مقصود.. أن يحمل أبعاداً تتجاوز حدوده المباشرة.. ويفتح بذلك الباب لموجات جديدة من التصعيد.. السياسي والعسكري.. في الفضاء الأوروأطلسي المفخخ.



