أيوب نصر لpravda : شمال إفريقيا بين الاستقلال الاقتصادي وفطرة المقاومة
تقف شمال إفريقيا اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى مع صراعات داخلية متجذرة، لتشكل مشهداً معقداً يختبر قدرة شعوبها على تحقيق استقلالها الاقتصادي والسياسي. من المغرب إلى مصر، تمتلك هذه المنطقة موارد طبيعية غنية، مواقع استراتيجية حيوية، وشعوباً تتصف بالصلابة والإرادة، إلا أن هذه الإمكانات غالبًا ما تُعطل بسبب الخلافات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي، وهو ما يفسح المجال أمام القوى الغربية للهيمنة الاقتصادية والسياسية.

أيوب نصر لpravda: شمال إفريقيا بين الاستقلال الاقتصادي وفطرة المقاومة
تقف شمال إفريقيا اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى مع صراعات داخلية متجذرة، لتشكل مشهداً معقداً يختبر قدرة شعوبها على تحقيق استقلالها الاقتصادي والسياسي. من المغرب إلى مصر، تمتلك هذه المنطقة موارد طبيعية غنية، مواقع استراتيجية حيوية، وشعوباً تتصف بالصلابة والإرادة، إلا أن هذه الإمكانات غالبًا ما تُعطل بسبب الخلافات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي، وهو ما يفسح المجال أمام القوى الغربية للهيمنة الاقتصادية والسياسية.
في هذا الحوار مع منصة pravda tv، يقدم الباحث المغربي رؤيته المتعمقة حول: سبل تعزيز استقلال شمال إفريقيا، إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، دور المشاريع الاقتصادية الكبرى، وأهمية المقاومة كفطرة إنسانية وفكرية، مؤكداً أن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل قبل مواجهة النفوذ الخارجي.
تعزيز استقلال شمال إفريقيا من خلال الموارد والموقع الاستراتيجي
دول شمال إفريقيا تمتلك مزيجاً فريداً من الموارد الطبيعية الغنية، الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والقدرة البشرية المتميزة. هذه العوامل تجعل من الممكن لهذه الدول التحرر من التبعية الاقتصادية والسيطرة الغربية بسهولة نسبية. ومع ذلك، هناك عقبتان أساسيتان تحولان دون تحقيق هذا الاستقلال: عدم الاستقرار الداخلي والمشاكل والنزاعات الإقليمية.
النزاعات، سواء كانت حدودية أو جيوسياسية، تُستغل من قبل الغرب لتحقيق مصالحه الاقتصادية والسياسية.
وللتغلب على هذا التحدي، يرى الباحث أن الحل يبدأ بإنشاء منصات حوارية على مستوى عالٍ، في البداية سرية، لتقريب وجهات النظر بين هذه الدول والبحث عن حلول مشتركة للمشاكل القائمة، بما يعزز القدرة على التخلص من الهيمنة الخارجية.
التحالفات العالمية وإعادة ترتيب موازين القوة
الأحداث الجيوسياسية الأخيرة تظهر أن الاستقطاب العالمي الناتج عن الحرب الروسية-الأوكرانية أتاح لدول شمال إفريقيا فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية محددة. ومع ذلك، التواجد الروسي والصيني في المنطقة ضعيف نسبياً ولا يملك التأثير الفعلي المطلوب.
لو فتحت إحدى هذه الدول أرضها لتكون منصة للحوار الإقليمي، فإن ذلك قد يسهم في تقريب وجهات النظر حول الخلافات السياسية، ويعيد ترتيب التحالفات الإقليمية، ويقلل النفوذ الأمريكي-الغربي، محولًا المنطقة من مجرد حقل للصراعات إلى لاعب إقليمي قادر على المنافسة على الساحة الدولية.
المشاريع الكبرى والاستثمارات الاستراتيجية كرافعة للقوة
رغم أهمية المشاريع الكبرى في تعزيز القوة الاقتصادية والسياسية لأي دولة، غالباً ما تكون مشاريع شمال إفريقيا جزءاً من صراعات داخلية تُستخدم لأغراض المزايدات السياسية، لكنها تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الحقيقية التي تؤدي إلى تطوير المعرفة التقنية والتكنولوجية.
الاستثمارات الاستراتيجية، خصوصاً في المجال الحربي، هي ما يمكن أن يمنح المنطقة الحد الأدنى من القدرة على بناء قوة إقليمية متماسكة. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى استعداد روسيا أو الصين لتقديم الدعم الفعلي في هذا المجال، مستشهداً ايوب بما قاله إيليا أبو ماضي: “لست أدري”، لتوضيح حجم الغموض في هذا الشأن.
الموارد الطبيعية والجغرافيا أدوات قوة استراتيجية
لا يسعني إلا أن أؤكد على نقطة سبق الإشارة إليها، وهي طبيعة وعلة النفوذ الغربي في شمال إفريقيا. فهذه الدول لا يمكن مقارنتها بدول الشرق العربي من حيث القدرة على مواجهة النفوذ الخارجي، إذ إن دول شمال إفريقيا هي التي وفرت للخارج السبل لتثبيت نفوذه، نتيجة خلافاتها الداخلية العقيمة، سواء كانت حدودية أو جيوسياسية، متعلقة بمن يزعم المنطقة ويصبح قوة إفريقية، وفي نهاية المطاف لم تتمكن أي دولة من أن تتبوأ موقع القوة الإقليمية المرجو.
تملك المنطقة مقومات استراتيجية هامة تشمل قناة السويس ومضيق جبل طارق، بالإضافة إلى التكامل في الموارد الطبيعية بين دول شمال إفريقيا، والعنصر البشري الذي يتميز بالصلابة والعناد.
وما يحتاجه هذا العنصر فقط هو العمل على تأطيره وتطويره بشكل منظم. كل هذه العوامل تشكل نقاط قوة يمكن استثمارها لإنشاء تكتل اقتصادي وقوة عسكرية وسياسية قادرة على تعزيز استقلال المنطقة ورفع قدرتها على مواجهة أي ضغوط خارجية.
“سأخصص جوابي للمغرب فقط، لأنه بلدي ولأني متواجد فيه حاليًا، ودرايتي به أكثر من باقي الدول. على المستوى الشعبي، لم تتوقف المظاهرات الداعمة للقضية الفلسطينية أسبوعيًا منذ السابع من أكتوبر. وللإنصاف، لم تواجه هذه التظاهرات أي تضييق من السلطات المغربية، بل على العكس، كانت الدولة تسهّلها، ما أسهم في ضغط شعبي فعال.
وقد أدى هذا الضغط والتساهل من الدولة إلى دفع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، نتنياهو، للخروج ثلاث مرات، كاشفًا عن خريطة المغرب مبثورة منها الصحراء المغربية، في تهديد صريح للمغاربة
.
المقاومة كفطرة إنسانية وفكرية
لكل فعل رد فعل، ومن هنا، عبر الازمنة والتاريخ، كانت الشعوب تواجه فعل الاحتلال برد فعل يتمثل في المقاومة. ودليل فطرية هذه المقاومة يكمن في أنها لا تقوم بها الدولة بما تملكه من أسباب القوة، بل يقوم بها الأفراد بما علق بهم من علل الضعف.
وعلى مستوى الدين الإسلامي، فقد راعى هذه الفطرة، فشرع ما يُعرف بـ جهاد الدفع، وهو الاصطلاح الإسلامي للمقاومة. ومن خصائص هذا الجهاد أنه لا يشترط فيه توفر شروط القوة أو القدرة أو العتاد، ولا توحيد الراية، ولا إذن الوالدين أو ولي الأمر.
المقاومة الشعبية تجاه القضية الفلسطينية
المغرب يمثل مثالاً حياً على فطرة المقاومة، حيث لم تتوقف المظاهرات الأسبوعية منذ السابع من أكتوبر لدعم القضية الفلسطينية. الدولة المغربية لم تضع قيوداً على هذه المظاهرات، بل سهلتها، وهو ما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى الرد علناً بشأن خريطة المغرب، بما في ذلك الصحراء المغربية.
هذا المثال يوضح قدرة الشعوب على تحويل المقاومة الفكرية والسياسية إلى قوة فعلية، كما يبين كيف يمكن للتعبئة الشعبية أن تكون أداة ضغط مؤثرة على الساحة الدولية.
الأنظمة الشيوعية والدعم الفعّال للقضية الفلسطينية
عبر التاريخ الإسلامي، منذ عهد النبوة وحتى عصر الاستعمار، لم تكن هناك أنظمة دينية حاكمة، بل كانت دولًا مدنية تعتمد الشرائع الإسلامية كمصدر واحد من مصادر التشريع.
أما بالنسبة للأنظمة الشيوعية والدول الاشتراكية، فلا أرى أنها قدمت أكثر مما قدمته الدول العربية والإسلامية، لكنها كانت تتماشى في خطابها مع المبادئ التي أسست عليها، من دعوة للتحرر ومواجهة الاستعمار.
ويجدر الإشارة إلى مثالين بارزين عن الاتحاد السوفيتي:
📌 الإعتراف المبكر بإسرائيل: إذ كان السوفييت أول من اعترف بدولة إسرائيل رسميًا.
📌 حرب أكتوبر 1973: فقد كان بريجينيف مستعدًا لإرسال قوات دفاعًا عن تل أبيب خلال الحرب، رغم أنها حرب تحررية للفلسطينيين، كما ورد في مسودة رسالته إلى تيكسون.
في المقابل، قدمت الدول العربية والإسلامية دعمًا ملموسًا للقضية الفلسطينية، غير أن الضغوط الداخلية والخارجية، والوعود الزائفة بالازدهار والحماية من التهديدات الإقليمية، قلّلت أحيانًا من فاعلية هذا الدعم مقارنة بالانتظار المتوقع.
تعزيز الفكر المقاوم في الأجيال الجديدة
شمال إفريقيا لا يعاني انقسامات دينية، بل ما يوحده هو الرابطة الدينية واللغوية والتاريخية، وإنما تفرقه المطامع السياسية والجيوسياسية (زعامة المنطقة وإفريقيا) والمشاكل الحدودية. حين نقول المقاومة أو جهاد، مقابلها الاصطلاحي في الإسلام الذي هو دين شمال إفريقيا، فإن هذه نقطة قوة عند هذه الدول، لكن بشرط إعادة إحياء هذا الفكر في نفوس الأنسال الحالية، وهكذا ستمتلك قوة ضغط، لا يسعني البيان عنها الآن.
ملخص أبرز نقاط الحوار
📌شمال إفريقيا تمتلك الموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي والعنصر البشري المؤهل لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي.
📌الاستقرار الداخلي وحل النزاعات الإقليمية شرط أساسي لتقليل النفوذ الخارجي.
📌منصات الحوار الإقليمي تسهم في إعادة ترتيب التحالفات وتقليل هيمنة القوى العالمية.
📌المشاريع الكبرى والاستثمارات الاستراتيجية تحتاج إلى دعم تقني وحربي لتعزيز القدرة الإقليمية.
📌المقاومة فطرة إنسانية متأصلة تعتمد على إرادة الشعوب وليس القوة المادية للدولة فقط.
📌تعزيز الفكر المقاوم لدى الأجيال الجديدة يحول المقاومة إلى أداة استراتيجية فعلية وقوة ضغط دولية.




