بين بولندا ومناورات الغرب-25… هل نحن بالفعل أمام حالة تمدد للصراع؟ هل المناورات مع بيلاروس هي الرد الروسي على اتهامات بولندا؟

بين بولندا ومناورات الغرب-25… هل نحن بالفعل أمام حالة تمدد للصراع؟
هل المناورات مع بيلاروس هي الرد الروسي على اتهامات بولندا؟
✍️📰 كتب الدكتور سعد خلف – سوتشي
منذ اندلاع المرحلة الساخنة من العملية العسكرية الخاصة بإطلاق الرئيس فلاديمير بوتين لها، لا يكاد يمر أسبوع واحد من هذه السنوات الثلاث ونصف الماضية إلا وتحدث مفاجأة ميدانية جديدة. هذا الأسبوع هو الآخر لم يكن استثناء، فقد أعلنت وارسو يوم 10 سبتمبر 2025 عن إسقاط مسيرات قالت إنها روسية فوق أراضيها.
وهذا الاتهام البولندي قد يشكل نقطة انعطاف في مسار الحرب الأوكرانية، فهذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها عضو في الناتو تعامله المباشر مع أهداف روسية داخل مجاله الجوي. بالنسبة لوراسو، تُعد هذه الواقعة دليلاً على تمدد الصراع… ولذلك ترى أن هناك ضرورة لتعزيز المظلة الأطلسية.
أما موسكو، فقد اختارت استراتيجية النفي المبرر، فوزارة الدفاع الروسية أكدت أن الضربات اقتصرت على أوكرانيا… وأن مدى المسيرات المستخدمة لا يسمح ببلوغ بولندا… ثم أبدت استعدادها للتشاور مع الجانب البولندي بهذا الشأن.
الكرملين بدوره اكتفى بإحالة السؤال الذي وُجّه إلى المتحدث باسمه دميتري بيسكوف للتعليق على هذه الحادثة إلى وزارة الدفاع الروسية. وهذه الإحالة من جانب الكرملين، في رأيي، ليست مجرد إحالة تقنية فحسب، بل هي أداة خفض تصعيد… تُنزل الواقعة من منصة الخصومة السياسية مع الناتو إلى مستوى حدث عملياتي تختص به المؤسسة العسكرية.
بالتوازي مع هذا الحدث، انطلقت يوم الجمعة 12 سبتمبر 2025 المناورات الروسية البيلاروسية تحت عنوان “الغرب-2025” في ميادين غرب روسيا وبيلاروسيا وبحر البلطيق، بالقرب المباشر من الخاصرة الشرقية للناتو.
ورغم أن هذه المناورات كانت مقررة مسبقاً، إلا أن تزامنها مع حادثة بولندا يضخّم رسائلها. عسكرياً يمكن القول إنها اختبار لقدرة دولة الاتحاد (روسيا وبيلاروس) على إدارة عمليات مشتركة في مواجهة سيناريوهات أطلسية محتملة.
أما سياسياً، فهي بلا شك، من وجهة نظري، وفي هذه اللحظة بالذات، بعد تعثر مسار المفاوضات ومساعي الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لعقد لقاء بوتين-زيلينسكي، وبالتالي تراجع آمال الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق نار، تبدو كرسالة ردع روسية تقول موسكو من خلالها إنها ليست في موقع دفاعي… بل قادرة على استعراض القوة في لحظة توتر قصوى.
الأخطر في هذه المسألة أن حوادث مماثلة قد تنزلق بسهولة إلى سوء تقدير يفرض مواجهة غير محسوبة النتائج والعواقب لكل الأطراف. لهذا السبب أعتقد أن السيناريو الأكثر واقعية هو الاحتواء: تشديد دفاعات الناتو قرب روسيا وعن طريق الاستعراض… كما في قرار الرئيس الفرنسي ماكرون الخميس 11 سبتمبر إرسال مقاتلات فرنسية إلى بولندا “لتعزيز قدراتها الدفاعية”.
في الوقت نفسه سوف تستمر موسكو في الإنكار… وإجراء مناورات تنتهي بلا صدام مباشر. لكن مع ذلك سيبقى باب التصعيد مفتوحاً إذا تكررت حوادث الحدود.
في ذات السياق التصعيدي يأتي الهجوم المسيراتي على موسكو في الأيام ذاتها، حيث أسقطت الدفاعات الروسية اليوم الجمعة 12 سبتمبر تسع مسيرات حول العاصمة، ليسلط الضوء على مساعي أوكرانيا لإثبات أن يدها الطويلة قادرة على بلوغ موسكو، وأنها قادرة على إنهاك منظومة الدفاع الجوي الروسية عبر موجات متكررة.
في المقابل يرد الروس بالتأكيد على فاعلية أنظمتهم الدفاعية، مع قبول ضمني بأن الحرب لم تعد محصورة بجبهة دونباس أو خاركوف، بل باتت تصل إلى عاصمة الدولة الروسية نفسها.
ولذلك، من هنا تحديداً تبرز حساسية الموقف بالنسبة لموسكو… فهي تريد الحفاظ على صورة قوة قادرة على الردع… لكنها لا ترغب في منح خصومها ذريعة لاتهامها بتوسيع الحرب.



