مواجهة سلاح المقاومة في لبنان “حرب فاشلة تخدم إسرائيل”
دخل لبنان مرحلة خطيرة جدًا في تاريخه، وربما الأخطر منذ نشأة الكيان اللبناني بعد اتفاقية سايكس بيكو حتى اليوم، بحيث لا يمكن مقارنتها حتى بالحرب الأهلية التي استمرت عقدين وانتهت باتفاق الطائف الذي تحول إلى دستور وأدخل لبنان عهد الجمهورية الثانية. هذا الاتفاق نقل مركزية القرار من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وأعاد بناء المؤسسات وفق توازنات المرحلة التي ألغت بعض الامتيازات التي منحها الاستعمار الفرنسي لفريق محدد على حساب الوطن ومكوناته.

مواجهة سلاح المقاومة في لبنان “حرب فاشلة تخدم إسرائيل”
📰✍️كتب الدكتور محمد هزيمة – كاتب سياسي وباحث استراتيجي
دخل لبنان مرحلة خطيرة جدًا في تاريخه، وربما الأخطر منذ نشأة الكيان اللبناني بعد اتفاقية سايكس بيكو حتى اليوم، بحيث لا يمكن مقارنتها حتى بالحرب الأهلية التي استمرت عقدين وانتهت باتفاق الطائف الذي تحول إلى دستور وأدخل لبنان عهد الجمهورية الثانية. هذا الاتفاق نقل مركزية القرار من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وأعاد بناء المؤسسات وفق توازنات المرحلة التي ألغت بعض الامتيازات التي منحها الاستعمار الفرنسي لفريق محدد على حساب الوطن ومكوناته.
لبنان الذي سُلبت هويته العربية الحقيقية، وأُلصق به وجه عربي شكلي، ظل رهينة لتعبئة غربية لا ترى في إسرائيل عدوًا، بل تعتبر الخطر الحقيقي في من يقاتلها. لكن المقاومة في لبنان بددت هذا المشروع، وأسقطت اتفاق 17 أيار، وأعادت لبنان إلى حضن العروبة من بوابة السادس من شباط 1984، لتكتب أول نصر عربي على العدو الإسرائيلي وتثبت أن التحرير ممكن بسلاحها وإرادتها.
هذا النصر الاستراتيجي حوّل لبنان من “الضعيف بقوته” إلى “القوي بمقاومته”، ومن ورقة على طاولة التسويات إلى شريك إقليمي لا يمكن تجاوزه. ومعادلة الجيش والشعب والمقاومة جسّدت القوة الحقيقية للبنان في مواجهة الاحتلال والإرهاب، متجاوزة الانقسامات المذهبية التي كرسها الدستور الطائفي، والتي ليست وليدة الصدفة، بل صناعة دولية – أميركية غربية – لإبقاء لبنان ضعيفًا منقسمًا.
في ظل مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يقضي بجعل إسرائيل كبرى تمتد من الفرات إلى النيل، برزت المقاومة كحاجز حقيقي أمام هذا المشروع. ومع حرب غزة الأخيرة (طوفان الأقصى) في 7 تشرين الأول، سقطت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وظهرت هشاشته أمام ضربات المقاومة الفلسطينية وصواريخ لبنان واليمن والعراق، وصولًا إلى الضربات الإيرانية التي قلبت الموازين.
ومع تراجع إسرائيل، تحولت عبئًا على رعاتها الغربيين، وتفجرت النقمة الشعبية في الجامعات والمجتمعات الغربية ضدها. في الداخل الإسرائيلي نفسه تعمقت الانقسامات وبدأت الهجرة العكسية تتجاوز المليون مستوطن، ما يعكس حالة يأس وجودي تهدد بقاء الكيان نفسه.
لبنان بدوره بقي ساحة استهداف أساسية، خاصة بعدما فشل العدو في تحييد المقاومة العراقية وسوريا. فانتقل الصراع إلى الداخل اللبناني عبر الحرب السياسية والإعلامية والمالية، وانقلاب بعض القوى المحلية تحت رعاية أميركية – سعودية، هدفها تجريد لبنان من قوته وإدخاله في العصر الإسرائيلي عبر بوابة التطبيع.
لكن السعي لنزع سلاح المقاومة يبقى حربًا فاشلة تخدم إسرائيل. فالسلاح لم يعد مجرد قرار لحزب الله، بل قناعة راسخة لدى غالبية اللبنانيين، باعتباره حقًا مقدسًا للدفاع عن لبنان وفلسطين في وجه العدوان. وأي محاولة لانتزاعه لن تؤدي إلا إلى الفوضى والحرب الأهلية، وإلى تفكيك ما تبقى من استقرار هش، بينما تبقى المقاومة السند الوحيد الذي يحمي لبنان من الانهيار أمام المشروع الإسرائيلي.



