مقالات
أخر الأخبار

هل يقترب العالم من تأسيس قطب روسي–صيني؟

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الشيوعية، انفردت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بقيادة العالم: اقتصاديًا من خلال مجموعة الدول الصناعية الكبرى، عسكريًا عبر حلف الناتو، وسياسيًا عبر توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل دولًا كانت ضمن الكتلة الشرقية السابقة. وقد أدى هذا الانفراد إلى انقسام النظام الدولي، وفتح المجال أمام ظهور شراكات استراتيجية جديدة، أهمها العلاقة بين روسيا والصين، التي بدأت ترسم ملامح تحالف محتمل قد يشكل قطبًا موازنًا عالميًا.

هل يقترب العالم من تأسيس قطب روسي–صيني؟

✍️ أ. إدريس أحميد – باحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الشيوعية، انفردت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بقيادة العالم: اقتصاديًا من خلال مجموعة الدول الصناعية الكبرى، عسكريًا عبر حلف الناتو، وسياسيًا عبر توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل دولًا كانت ضمن الكتلة الشرقية السابقة. وقد أدى هذا الانفراد إلى انقسام النظام الدولي، وفتح المجال أمام ظهور شراكات استراتيجية جديدة، أهمها العلاقة بين روسيا والصين، التي بدأت ترسم ملامح تحالف محتمل قد يشكل قطبًا موازنًا عالميًا.

في السنوات الأخيرة، برزت مؤشرات على تقارب روسي–صيني متين، قائم على مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية مشتركة، مع رغبة الطرفين في مواجهة النفوذ الأمريكي في مناطق حساسة. روسيا تسعى لتعويض آثار العقوبات الاقتصادية الغربية، بينما تركز الصين على تأمين موارد الطاقة، حماية طرق التجارة الدولية، وتوسيع نفوذها في آسيا وأفريقيا.


أبعاد التحالف الروسي–الصيني

البعد الاقتصادي

يشمل التعاون مجالات الطاقة، البنية التحتية، التجارة، والمشاريع الكبرى مثل “الحزام والطريق”، بهدف تقليل الاعتماد على الغرب، وتعزيز الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي متوازن للطرفين بعيدًا عن الهيمنة الغربية.

البعد العسكري

رغم أن التحالف ليس حلفًا عسكريًا رسميًا، إلا أن التدريبات المشتركة والتنسيق الدبلوماسي يعكس استعداد الطرفين لمواجهة التحديات العسكرية المحتملة، بما في ذلك توسع الناتو ووجود تهديدات محتملة في مناطق النفوذ التقليدية لروسيا والصين.

البعد السياسي والدبلوماسي

يشمل الدعم المتبادل في المحافل الدولية، خاصة مجلس الأمن، للتصدي للعقوبات والسياسات الأمريكية والأوروبية، وإظهار قدرة الطرفين على مقاومة الضغوط الدولية وتعزيز موقفهما في إعادة صياغة النظام العالمي متعدد الأقطاب.


الموقف الأمريكي الداخلي تجاه التحالف

التحالف الروسي–الصيني يمثل تحديًا للولايات المتحدة، لكنه يواجه موقفًا داخليًا منقسمًا:

  • الجمهوريون: يرون في روسيا والصين تهديدًا مباشرًا، ويدعون لتعزيز التحالفات العسكرية مع أوروبا وآسيا، وفرض قيود صارمة على التجارة والتكنولوجيا، استعدادًا لأي مواجهة محتملة.
  • الديمقراطيون: يميلون إلى استخدام العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، مع الحفاظ على تحالف الناتو والتعاون مع شركاء آسيا، مع الحرص على تفادي التصعيد العسكري المباشر.

يعكس هذا الانقسام صعوبة صياغة استراتيجية أمريكية موحدة تجاه التحالف الروسي–الصيني، ويزيد من تعقيد المشهد الدولي.


الموقف الأوروبي تجاه التحالف الروسي–الصيني

تتباين المواقف الأوروبية بين مصالح اقتصادية ومخاوف أمنية:

  • الدول الغربية الكبرى (ألمانيا وفرنسا): تحرص على استقلالية نسبية في سياساتها الخارجية، مع استمرار علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا، لكنها ملتزمة بتعزيز الأمن الجماعي عبر الناتو، وتعتبر مواجهة النفوذ الروسي–الصيني جزءًا من التزاماتها الدفاعية.
  • دول شرق أوروبا (بولندا ودول البلطيق): أكثر حساسية تجاه التوسع الروسي، وتدعم أي تحرك أمريكي أو أوروبي للحد من تأثير موسكو، وتراقب عن كثب أي تعاون اقتصادي أو عسكري بين روسيا والصين.

هذا التباين يجعل من الصعوبة توحيد الموقف الأوروبي، إذ تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع المخاوف الأمنية، ما يعكس تحديات أوروبا في التعامل مع أي قطب عالمي جديد يهدد الهيمنة الأمريكية.


موقف دول البريكس الأخرى

قد ترى دول مثل الهند، البرازيل، وجنوب إفريقيا فرصة لتعزيز قدراتها الاقتصادية والاستراتيجية بعيدًا عن النفوذ الأمريكي، لكن اختلاف مصالحها الوطنية يجعل الانضمام الكامل للتحالف أمرًا معقدًا، وقد يقتصر على التعاون الاقتصادي والسياسي المحدود.


التحديات والفرص

التحديات

  • اختلاف المصالح الجيوسياسية بين روسيا والصين.
  • التنافس في مناطق النفوذ مثل آسيا الوسطى والمحيط الهندي.
  • التباينات الأوروبية والانقسامات الداخلية الأمريكية.
  • صعوبة توسيع التحالف ليشمل دولًا أخرى دون التأثير على مصالحها الوطنية.

الفرص

  • إمكانية بناء تحالف اقتصادي–استراتيجي متوازن يحد من النفوذ الأمريكي.
  • إعادة رسم موازين القوى الدولية، خاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
  • تعزيز التعاون بين الدول الكبرى بعيدًا عن الهيمنة الغربية، بما يوفر قدرة أكبر على التحكم في الملفات الاقتصادية والسياسية العالمية.

الموقف الأوروبي وأفق التحالف الغربي الجديد

في ضوء التحالف الصيني–الروسي، يبرز السؤال حول موقف الاتحاد الأوروبي والدول الغربية، وإمكانية توحيد جهودها لمواجهة هذا المحور. أوروبا، التي تربطها مصالح اقتصادية وأمنية مع الولايات المتحدة، قد تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم سياساتها والتحالف مع واشنطن لحماية مصالحها الاستراتيجية، خصوصًا في مواجهة روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.

إذا أنهت روسيا النزاع العسكري في أوكرانيا، يمكن أن يظهر موقف مشترك بين أمريكا وأوروبا، ينسق سياسات اقتصادية وعسكرية لمواجهة التحالف الصيني–الروسي. ومع ذلك، رؤية إدارة ترامب غالبًا تتجاوز الالتزامات الأوروبية التقليدية وحلف الناتو، إذ تركز على مصالح الولايات المتحدة منفردة، ما قد يخلق توترًا مع حلفائها.

أما الصين، فتسير بخطى قوية، مزودة بقدرات اقتصادية وعسكرية كبيرة، بينما روسيا، رغم العقوبات المحدودة، تستمر في تصدير النفط والغاز، ما يعزز موقعها في المعادلة العالمية. هذه المتغيرات تجعل أوروبا أمام خيار صعب: التكيف مع الواقع الجديد أو الانخراط في تحالف غربي متماسك يعيد التوازن الدولي.


التحالف الروسي–الصيني ومستقبل النظام الدولي

يبدو أن العالم يقف أمام مرحلة إعادة ترتيب موازين القوى، مع صعود التحالف الروسي–الصيني كقوة استراتيجية جديدة تسعى لتقليل الهيمنة الأمريكية وبناء نفوذ عالمي موازن. هذا التحالف، القائم على مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية، يظهر قدرة الطرفين على التنسيق والتعاون رغم الاختلافات التاريخية والجغرافية.

ومع ذلك، تبقى العقبات واضحة: الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة، التباينات الأوروبية، والمصالح الوطنية المختلفة لدول البريكس الأخرى، كلها عوامل تحد من قدرة التحالف على التوسع والتحول إلى قطب عالمي متكامل في الوقت الراهن.

من جهة أخرى، يوفر التحالف فرصًا لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية الدولية، خصوصًا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وإمكانية تحدي النفوذ الغربي، وتعزيز التعاون بين القوى الكبرى بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.

ويبقى السؤال الرئيس: هل ستنجح روسيا والصين في تجاوز هذه التحديات لبناء قطب عالمي مستقل ومتوازن، أم أن الواقع الدولي الحالي لا يزال يتطلب مزيدًا من الوقت والتوافق الدولي قبل أن يصبح هذا التحالف محورًا حقيقيًا في النظام الدولي الجديد؟


مخرجات قمة منظمة شنغهاي للتعاون 2025 في تيانجين

  1. مبادرة الحوكمة العالمية
    تهدف إلى نظام دولي أكثر عدلاً وتعددية، مع التركيز على المساواة بين الدول، حكم القانون الدولي، والتعاون الدولي بعيدًا عن الهيمنة الغربية.
  2. تأسيس بنك التنمية لمنظمة شنغهاي
    يموّل مشاريع البنى التحتية والتعاون التجاري بين الدول الأعضاء، خطوة نحو نظام مالي إقليمي مستقل وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
  3. اتفاقية مشروع خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا-2”
    لنقل الغاز الروسي إلى الصين عبر منغوليا بطاقة 50 مليار متر مكعب سنويًا، يعزز الشراكة الروسية–الصينية ويقلّل أهمية أوروبا في سوق الغاز الروسي.
  4. تعزيز التعاون متعدد الأقطاب
    تنسيق السياسات الاقتصادية والاستراتيجية بين روسيا، الصين، والهند، والدول الأخرى الأعضاء، لدعم توجهات النظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب بعيدًا عن الهيمنة الغربية.

باختصار، ركزت القمة على تعزيز الاستقلال الاقتصادي والسياسي للدول الأعضاء، إعادة ترتيب أسواق الطاقة، وبناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.


الاستعراض العسكري الصيني في تيانمين

شهدت ساحة تيانمين في بكين عرضًا عسكريًا ضخمًا بمناسبة الذكرى الـ80 لانتصار الصين في الحرب العالمية الثانية، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون. تم عرض أحدث الأسلحة الصينية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، الصواريخ فرط الصوتية، الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس، وأنظمة الدفاع المتقدمة.

وأكد الرئيس شي جين بينغ أن “نهضة الأمة الصينية لا يمكن إيقافها”، بينما اعتبر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الاستعراض رسالة للقوة.


خاتمة

يقف العالم على مفترق طرق، والتحولات القادمة قد تحدد شكل النظام الدولي لعقود قادمة، وسط سعي الدول الكبرى لإعادة صياغة مصالحها وحماية مواقعها الاستراتيجية في ظل واقع متعدد الأقطاب. يبقى السؤال الأساسي: هل ستنجح روسيا والصين في بناء قطب عالمي متوازن ومستقل، أم أن الواقع الدولي لا يزال غير ناضج لهذا التحول؟


 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »