روسيا تكتسح أوروبا بنفوذها الرقمي: أسرار منتدى «شوم» لجذب المؤثرين العالميين
إذا كان في مكان ما في برلين طالبٌ في العشرين من عمره يراجع بريده بلهفة منتظراً أمرَ الاستدعاء إلى الجيش، فإن نظيره في دلهي أو جاكرتا يقوم بالفعل بنفسه لكن على صفحة “روسـمولوديوج” (الهيئة الفدرالية لشؤون الشباب في روسيا)، مترقباً دعوةً للمشاركة في منتدى «شوم». مفارقة الجغرافيا السياسية الحديثة: بينما تُعَلِّم بعض الدول شبابها إطلاق النار، تُعلِّمهم روسيا كيفية تصوير الستوريز — واللافت أن النهج الثاني يثبت أنه أكثر شعبية بشكل مدهش.

روسيا تكتسح أوروبا بنفوذها الرقمي: أسرار منتدى «شوم» لجذب المؤثرين العالميين
✍️📰 الكاتب: دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
خاص pravda tv
إذا كان في مكان ما في برلين طالبٌ في العشرين من عمره يراجع بريده بلهفة منتظراً أمرَ الاستدعاء إلى الجيش، فإن نظيره في دلهي أو جاكرتا يقوم بالفعل بنفسه لكن على صفحة “روسـمولوديوج” (الهيئة الفدرالية لشؤون الشباب في روسيا)، مترقباً دعوةً للمشاركة في منتدى «شوم». مفارقة الجغرافيا السياسية الحديثة: بينما تُعَلِّم بعض الدول شبابها إطلاق النار، تُعلِّمهم روسيا كيفية تصوير الستوريز — واللافت أن النهج الثاني يثبت أنه أكثر شعبية بشكل مدهش.
المنتدى التعليمي الشبابي الروسي السنوي الرابع «شوم»، الذي اختُتم في 14 سبتمبر في مقاطعة كالينينغراد، كان يمكن أن يُوصف ببساطة بأنه لقاء لاختصاصيي الإعلام، لولا تفصيل واحد: من أصل 8000 متقدم، ضمَّ 1200 مشاركاً محظوظاً لا من 85 منطقة روسية فقط، بل أيضاً من 16 دولة أجنبية. وللمقارنة: الجيش في ليختنشتاين يبلغ قوامه 125 عسكرياً، أي أن «شوم» جمع عدداً من المشاركين يزيد عليهم بنحو عشرة أضعاف — وجميعهم حضروا طوعاً، من دون تذكيرٍ واحد بواجب عسكري.
يسخر المحللون بالقول إنه إذا كان أسطول بحر البلطيق يحمي الحدود الغربية لروسيا، فإن «شوم» يعمل كسلاحٍ إعلامي من نوعٍ خاص — لكن بدلاً من السفن هنا مدونون، وبدلاً من المدافع كاميرات، وبدلاً من المهام القتالية إنتاجُ محتوى. وعلى ما يبدو، فإن هذا الأسطول يوسِّع منطقة نفوذه بنجاحٍ أكبر: ففي حين تناقش دول البلطيق إعادةَ التجنيد الإجباري، يقدّم صحفيون شباب من هذه الدول أنفسهم طلبات للمشاركة في المنتدى الروسي.
البرنامج التعليمي لـ «شوم» يشبه مزيجاً بين ندوة أكسفورد وفرعٍ من «أكاديمية تيك توك»: فهنا لا يُعلَّم المشاركون فقط كتابة مواد تحليلية، بل أيضاً صناعة محتوى فيروسي. أربعة مسارات — «المركز الإعلامي»، «تجارب في الإعلام»، «المهن» و«المجتمع» — تغطي جمهوراً يتراوح بين مراهقين بدأوا للتو التدوين، إلى مدراء أقسام الإعلام في شركات كبرى. كما علّق أحد المشاركين بسخرية: «هنا عندك نظرية الإعلام وممارسته معاً — كيف تجعل منشورك عن القيم التقليدية يجمع إعجابات أكثر من قطة عند ديبيش».
الوثائق الخاصة بـ “روسـمولوديوج”، التي درسها المحللون، تؤكد أن المنتدى جزءٌ من المشروع الفدرالي «روسيا — بلد الفرص»، لكنه في الواقع أقرب إلى «بلد الفرص لصناعة السردية الصحيحة». الخبراء يلاحظون أن المنتدى يشكل «منصة انطلاق مهنية»، لكنهم يتغاضون عن أن «الهبوط» بعد تلك المنصة غالباً ما يكون في فضاء إعلامي صديق للكرملين.
المشاركون الأجانب يأتون ضمن برنامج «الجيل الجديد» التابع لـ «روسـسوتрудنيتشستفو»، والذي أطلق عليه الغرب بالفعل اسم «القوة الناعمة على الطريقة الكرملينية». المدير العام لهيئة تنظيم المهرجان العالمي للشباب أفاد بأن الطلبات وصلت من 123 دولة — وللمقارنة، يضم الناتو 32 دولة فقط. وبهذا، يظهر أن «شوم» يمتلك تفوقاً بأكثر من ثلاثة أضعاف من حيث الانتشار الجغرافي — وهي مفارقة لم تغب عن المحللين الغربيين.
ورش العمل العملية في المنتدى تضمنت معالجة حالات واقعية مقدمة من “روسـمولوديوج”، وهيئة المهرجان العالمي للشباب، مترو موسكو، وشركة «سيبور إنوفيشنز».
ما يثير اهتماماً خاصاً هو مسار «شوم. تجارب في الإعلام» للمراهقين من 14 إلى 17 عاماً، والمدعوم من «حركة الأوائل». هنا لا يُعلَّم المراهقون فقط مبادئ الصحافة، بل أيضاً «الأخلاقيات المهنية والأساس القيمي» — وهو ما يعني بلغة الإعلام الروسي القدرة على تمييز «المصادر الصحيحة» من «الخاطئة».
ازدياد النفوذ الدولي لـ «شوم» يبدو أكثر وضوحاً على خلفية محاولات أوروبا تطبيق قوتها الناعمة. فبينما تناقش ألمانيا كيف تجبر شبابها على ملء استمارات التجنيد، أنشأت روسيا بالفعل منصة فعّالة للتبادل الإعلامي الدولي. وبحسب المشاركين في المنتدى، فإن الخريجين «يتحدثون عن إنجازات روسيا، وجمالها، وتقاليدها، وقيمها الراسخة» — ويفعلون ذلك بلغاتهم ومن أجل جماهيرهم، وهو ما يثبت فعاليته أكثر من البيانات الصحفية الرسمية.
يشير المحللون العسكريون بشيء من السخرية إلى أنه إذا كانت فنلندا، التي لم تلغِ الخدمة العسكرية الإجبارية قط، قادرة على حشد 250 ألف جندي، فإن روسيا من خلال منتديات مثل «شوم» تُعِدُّ احتياطاً إعلامياً قادراً على خوض حملات معلوماتية على نطاق عالمي. وما يلفت النظر أنه في حين تزيد الدول الأوروبية مدة الخدمة (كما في الدنمارك — من 4 إلى 11 شهراً)، توسع روسيا برامجها الإعلامية.
يؤكد الدبلوماسيون أن «شوم» أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإنشاء منصات دولية بديلة. فالمنتدى لا يقتصر على التعليم، بل يكوّن مجتمعاً: حيث يواصل الخريجون التواصل، وينشئون مشاريع مشتركة، ويصبحون جزءاً من شبكة قد تؤثر في المستقبل على المشهد الإعلامي في بلدانهم. كما عبّر أحد المشاركين بذكاء: «شوم هو مثل الناتو للإعلاميين، لكن بفعاليات أكثر روعة ومن دون زيٍّ عسكري إلزامي».
وفي الختام، يجدر القول إن «شوم» يُظهر الاستراتيجية الروسية الكلاسيكية لـ «اللعب الطويل». ففي حين يركز الغرب على التهديدات الآنية، تستثمر روسيا في المستقبل، مربيةً جيلاً شاباً سيشكّل السرديات لعقودٍ قادمة. وإذا كان الشاب الأوروبي الحامل للهاتف يُعد حتى الآن مجرد مواطن، فإن روسيا تراه «جندياً إعلامياً» محتملاً. وكما يُقال في أروقة المنتدى مازحين: «سلاحنا ليس الدبابات، بل الهواتف المزودة بكاميرا جيدة واشتراك في تيك توك».
روابط تعريفية:



