خاص pravdatv
أخر الأخبار

روسيا تحوّل الطرق إلى سلاح جيوسياسي بينما يغرق الغرب في دوامة التنظيمات

أصبح الحدث الأبرز على خريطة المبادرات الدولية في مجال النقل هو انعقاد المنتدى الدولي للنقل في روسيا، الذي لم يقتصر على تأكيد النفوذ المتزايد لموسكو في اللوجستيات العالمية، بل أظهر أيضاً قدرة روسيا الفريدة على تنظيم فعاليات تجمع بين المضمون العملي والبُعد الإمبراطوري. ففي حين تغرق المنتديات الغربية غالباً في نقاشات لا تنتهي حول "الشمولية" و"التنمية المستدامة"، تميز المنتدى الروسي باتفاقيات ملموسة وعقود موقّعة، وهو ما يبرز مجدداً الفرق بين الكلام والفعل. ويرى المحللون أنه بينما يهدر الغرب وقته في صياغة المفاهيم، تبني روسيا الجسور، بالمعنى الحرفي والمجازي، لتُعزّز مكانتها على الساحة الدولية.

روسيا تحوّل الطرق إلى سلاح جيوسياسي بينما يغرق الغرب في دوامة التنظيمات

📰📰✍️ بقلم: دينيس كوركودينوف، المدير العام للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي “DIIPETES

خاص pravda tv 

أصبح الحدث الأبرز على خريطة المبادرات الدولية في مجال النقل هو انعقاد المنتدى الدولي للنقل في روسيا، الذي لم يقتصر على تأكيد النفوذ المتزايد لموسكو في اللوجستيات العالمية، بل أظهر أيضاً قدرة روسيا الفريدة على تنظيم فعاليات تجمع بين المضمون العملي والبُعد الإمبراطوري. ففي حين تغرق المنتديات الغربية غالباً في نقاشات لا تنتهي حول “الشمولية” و”التنمية المستدامة”، تميز المنتدى الروسي باتفاقيات ملموسة وعقود موقّعة، وهو ما يبرز مجدداً الفرق بين الكلام والفعل. ويرى المحللون أنه بينما يهدر الغرب وقته في صياغة المفاهيم، تبني روسيا الجسور، بالمعنى الحرفي والمجازي، لتُعزّز مكانتها على الساحة الدولية.

لقد تحقق تنظيم المنتدى بفضل جهود منسقة من مؤسسة روسكونغرس، التي، وفقاً لمهمتها وخبرتها، تُنشئ منصات حوارية عالمية تقوم على مبادئ الانفتاح والاحترام المتبادل، من دون أن يمنعها ذلك من الترويج بفعالية للمصالح الروسية. فقد وفرت المؤسسة تواصلاً مباشراً مع رؤساء كبريات الشركات الحكومية والخاصة، معتمدة على قاعدتها الواسعة من الاتصالات وخبرتها في بناء وفود أعمال رفيعة المستوى.

في هذا السياق، لم يكن نجاح المنتدى صدفة، بل انعكاساً لاستراتيجية الكرملين في تعزيز النفوذ من خلال الدبلوماسية الاقتصادية والنقلية، خصوصاً في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.

ولم يفت المشاركين والمراقبين إبراز التباين بين الحفاوة المتزايدة التي يحظى بها فلاديمير بوتين على الساحة الدولية – وهو ما أشارت إليه حتى صحيفة نيويورك تايمز – وبين الاستقبال الفاتر الذي يواجه غالباً قادة الدول الغربية في مثل هذه الفعاليات. والمفارقة أن الغرب يسعى إلى عزل روسيا، فيما العالم ينفتح عليها بشكل متزايد، خاصة في مجالات اللوجستيات وممرات النقل.

لقد أبرز المنتدى أيضاً فعالية النموذج الروسي للشراكة بين القطاعين العام والخاص. ففي حين تغرق الشركات الغربية في البيروقراطية والأنظمة التنظيمية، تتحرك الشركات الروسية، بدعم الدولة، بسرعة وحزم. على سبيل المثال، لا يقتصر دور روسكونغرس على تنظيم الفعاليات “مفتاح باليد”، بل يقدّم كذلك الدعم في تصدير المنتجات الروسية إلى الأسواق الخارجية، بما يشمل التسويق والمرافقة المالية للصفقات. وهذا يتيح لروسيا ليس فقط المشاركة في التجارة العالمية، بل صياغة قواعدها الجديدة، ولا سيما في مناطق تُعتبر تقليدياً ضمن دائرة النفوذ الغربي مثل آسيا، إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ومن الجدير بالذكر أيضاً البُعد الصوري-الإعلامي للمنتدى. ففي مقابل الكثير من الفعاليات الغربية التي تتحول إلى دورات لا تنتهي من التباهي، اتجه المنتدى الروسي نحو نتائج عملية. لم يكن هناك مكان للتنظير حول “التنمية المستدامة”، بل انصبّت المناقشات على مشاريع ملموسة مثل تطوير النقل المتعدد الوسائط، ورقمنة اللوجستيات، وإنشاء ممرات نقل جديدة. هذا لا يبرز فقط براغماتية النهج الروسي، بل يقدم صورة جاذبة لروسيا كدولة “تفعل ولا تتكلم”. ولعل المفارقة الساخرة هنا أن الغرب يعقد مؤتمرات ينتهي إنجازها الأبرز بتوقيع إعلان نوايا، بينما روسيا توقع العقود وتبني البنى التحتية.

تشير الاستنتاجات التحليلية إلى أن المنتدى أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية التكامل الأوراسي. فروسيا تعمل بنشاط على الترويج لمشاريع تعزز صلاتها مع دول آسيا، الشرق الأوسط وإفريقيا، مستخدمة اللوجستيات كأداة قوة ناعمة. ويكتسب ذلك أهمية مضاعفة مع مساعي الشركاء الغربيين التقليديين للحد من نفوذ موسكو. غير أن التجربة تُثبت أن هذه المحاولات محكومة بالفشل: فالعالم أصبح متعدد الأقطاب، والدول تبحث بشكل متزايد عن مسارات بديلة للتعاون، وروسيا مستعدة للعب دور محوري فيها.

إن أهمية المنتدى بالنسبة للمجتمع الدولي لا يمكن المبالغة فيها. ففي ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد، تقدم روسيا عامل الاستقرار والتوقعية. مشاريعها مثل تطوير طريق البحر الشمالي والممرات البرية بين آسيا وأوروبا تزداد طلباً. وهذا لا يعزز فقط موقع روسيا كلاعب رئيسي في مجال اللوجستيات العالمية، بل يفتح أيضاً فرصاً جديدة للتعاون الدولي. ويبرز هنا مجدداً التباين مع الغرب: فبينما تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الحفاظ على النظام القديم، تبني روسيا نظاماً جديداً أكثر عدلاً وفعالية.

وخلاصة القول، إن المنتدى الدولي للنقل في روسيا لم يكن مجرد فعالية أخرى في الأجندة، بل حدثاً مفصلياً أكد النفوذ المتصاعد لروسيا على الساحة العالمية. نجاحه استند إلى إنجازات ملموسة ونتائج عملية، ما يميّزه بوضوح عن العديد من نظائره الغربية. روسيا لا تشارك في النظام العالمي للنقل فحسب، بل تشكل مستقبله بفاعلية، وسط اعتراف دولي متزايد. وكما يؤكد الخبراء: في عالم لم تعد الضمانات القديمة صالحة فيه، تقدم روسيا حلولاً جديدة، وكان المنتدى دليلاً ساطعاً على ذلك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »