قمة بوتين-زيلينسكي.. بين حلم ترامب الأمريكي.. وخوف الكرملين من تكرار مسرحية باريس 2019
أعاد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، خلال إحاطته الصحفية اليومية، الجمعة 29 أغسطس 2025، فتح الباب نظرياً أمام لقاء بوتين مع زيلينسكي، لكنه شدد على شرط أساسي للرئيس الروسي، وهو الإعداد الجيد على مستوى الخبراء لهذا اللقاء أولاً.

قمة بوتين-زيلينسكي.. بين حلم ترامب الأمريكي.. وخوف الكرملين من تكرار مسرحية باريس 2019
✍️📰 د. سعد خلف – موسكو
أعاد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، خلال إحاطته الصحفية اليومية، الجمعة 29 أغسطس 2025، فتح الباب نظرياً أمام لقاء بوتين مع زيلينسكي، لكنه شدد على شرط أساسي للرئيس الروسي، وهو الإعداد الجيد على مستوى الخبراء لهذا اللقاء أولاً.
والرسالة التي وراء هذا الشرط الروسي واضحة: موسكو لا ترفض الحوار، لكنها ترفض تحويله إلى استعراض إعلامي. ومن هنا جاء تأكيد بيسكوف على أن تفاصيل قمة ألاسكا التي جمعت بوتين وترامب لم تُكشف عمداً، لأن التفاوض الجاد، من وجهة نظر موسكو، يحتاج إلى هدوء بعيداً عن ضغط الكاميرات.
بالتوازي مع تصريحات المتحدث الرئاسي الروسي، وصفت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، خلال إحاطتها الإعلامية الأسبوعية، الضمانات الأمنية التي تطرحها أوروبا بأنها “استعمارية الطابع”، مؤكدة أنها لا تهدف إلى الاستقرار بل إلى مزيد من التوتر.
أما وزارة الدفاع الروسية من جانبها، فقدمت حصيلة أسبوعية لأعمال القتال، أعلنت فيها عن تنفيذ “سبع ضربات جماعية دقيقة” ضد مستودعات صواريخ ومراكز إنتاج وتحكم بالطائرات المسيرة ومصفاة نفط داخل أوكرانيا، وأكدت أن الأهداف جميعها تم إصابتها بدقة. والرسالة هنا مزدوجة: الميدان يتكلم بلغة الضربات المركزة، فيما السياسة تضبط الخطاب داخلياً وخارجياً.
وعلى المسار الخارجي، وصل وفد أوكراني رفيع برئاسة أندريه يرماك ورستم عميروف إلى واشنطن من أجل لقاء ستيف ويتكوف مبعوث ترامب الأمين إلى بوتين، وذلك بعد جولات سريعة قاما بها إلى دول خليجية، كالسعودية وقطر. ومن المفهوم أن على طاولة نقاشهما مع ويتكوف موضوعان رئيسيان: الضمانات الأمنية، وإمكانية عقد قمة بوتين-زيلينسكي.
لكن ترامب صعد لهجته تجاه كييف ملوحاً، للمرة الأولى، بفرض رسوم عقابية إذا عرقلت المفاوضات، ولم يفوت الفرصة ليهدد موسكو في الوقت نفسه بـ”عواقب وخيمة”. هذا يعكس أسلوب ترامب المعروف، وهو خلط العصا بالجزرة لإجبار الجميع على الجلوس إلى الطاولة.
غير أن خلف هذه الصياغة تكمن معادلة أعقد: واشنطن تريد ربط الضمانات الأمنية بمسار التسوية، فيما الوعود التي تلقاها زيلينسكي في البيت الأبيض بعد قمة ألاسكا بمستوى حماية شبيه بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو غير قابلة للتنفيذ عملياً، لأن موسكو لا يمكن أن تقبل بوجود أطلسي على الأراضي الأوكرانية، إذ أن ذلك يبطل كل ما قام به بوتين وكل تكلفة العملية العسكرية. فالهدف الأساسي لم يكن السيطرة على الدونباس، بل منع دخول الناتو إلى أوكرانيا بأي ثمن.
وهكذا تجد كييف نفسها بين خيارين، أحلاهما مر: إما القبول بضمانات مخففة، أو مواجهة ضغوط اقتصادية أمريكية مباشرة بخلاف منع الدعم العسكري عنها.
لذلك، ينظر بوتين بريبة إلى فكرة القمة المباشرة مع زيلينسكي، لأنه لا ينسى تجربة باريس 2019، عندما انسحب زيلينسكي في اللحظة الأخيرة مما عُرف وقتها بتفاهمات “رباعية النورماندي”. هذه التجربة جعلت موسكو تصر على أن أي لقاء مع زيلينسكي لابد أن يُبنى على أجندة وجدول أعمال محكم، وإلا سيتحول إلى مسرحية يستغلها الجانب الأوكراني.
لكل ما سبق، تظل قمة بوتين-زيلينسكي “حلم ترامبي” أكثر من كونها خياراً سياسياً لروسيا. فموسكو ترى أن الوقت غير مناسب لعرض سياسي سريع، وهي تحقق تقدماً ميدانياً بطيئاً لكنه مستمر، وتسعى لتحويل مكتسبات الميدان إلى أوراق تفاوضية تراكمية.
المشهد الأوكراني تجاوز حدود أوروبا وكييف، إذ فجر ترامب أزمة مع نيودلهي بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على صادراتها عقاباً على استمرارها في شراء النفط الروسي. لكن الرد الهندي كان قاطعاً بالتمسك بالنفط الروسي الذي وفر لها أكثر من 17 مليار دولار منذ فرض سقف السعر على النفط الروسي. كما أن للهند أسباباً أخرى تتعلق بالسيادة والطموحات السياسية الدولية.
والمفارقة أن ترامب يعاقب حليفاً استراتيجياً، بينما موسكو تعزز شراكاتها مع الهند والصين، خصوصاً مع اقتراب قمة تجمع بوتين ومودي وشي جين بينغ في الصين، وهو ما يعكس صلابة الجبهة الاقتصادية الروسية مقابل أوهام أوروبية تنتظر انهيار اقتصاد الكرملين.
خلاصة القول: بوتين يمسك بخيوط اللعبة، عبر الميدان والسياسة معاً، فيما محاولات ترامب إخضاع كييف وموسكو تبقى محدودة الأثر. أوروبا بلا واشنطن عاجزة عن الفعل، وأوكرانيا عالقة بين طموحات الضمانات الأمنية والضغوط الروسية والأمريكية. لذا، قمة بوتين-زيلينسكي ليست خياراً روسياً واقعياً، بل مجرد ورقة ترامباوية للضغط، لكن بوتين، متذكراً درس باريس 2019، لن يمنح زيلينسكي فرصة تحويلها إلى “شو” سياسي مجاني.



