إيران على أعتاب القنبلة: هل اقتربت طهران من أول تجربة نووية؟
اقتربت إيران كثيرًا من عتبة إجراء أول تجربة نووية لها، فعلى الرغم من الضربات الأخيرة التي استهدفت منشآتها النووية، تمكنت طهران من الحفاظ على مخزون حرج من اليورانيوم، وتواصل العمل على تطوير جهاز تفجيري، وتشير التقديرات إلى أنّ طهران ستحتاج إلى ما لا يزيد عن 3 إلى 4 أشهر لتنفيذ تجربة نووية بعد اتخاذ القرار السياسي.

إيران على أعتاب القنبلة: هل اقتربت طهران من أول تجربة نووية؟
الكاتب: دينيس كوركودينوف، المدير التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي “ديبيتيس” ✍️ 📰
اقتربت إيران كثيرًا من عتبة إجراء أول تجربة نووية لها، فعلى الرغم من الضربات الأخيرة التي استهدفت منشآتها النووية، تمكنت طهران من الحفاظ على مخزون حرج من اليورانيوم، وتواصل العمل على تطوير جهاز تفجيري، وتشير التقديرات إلى أنّ طهران ستحتاج إلى ما لا يزيد عن 3 إلى 4 أشهر لتنفيذ تجربة نووية بعد اتخاذ القرار السياسي.
بعد شهرين من الضربات الأمريكية والإسرائيلية واسعة النطاق على المنشآت النووية، ما زالت إيران تحتفظ بجزء كبير من قدراتها النووية، ووفقًا لمعطيات استخباراتية وتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن طهران قادرة تقنيًا على إجراء أول تجربة نووية في عام 2025، رغم أن قرارها سيعتمد على حسابات معقدة تتعلق بالمخاطر الاستراتيجية، والديناميات السياسية الداخلية.
وعلى الرغم من الضربات الكثيفة في حزيران/يونيو 2025، حين ألقت القاذفات الأمريكية B-2 عدد 14 قنبلة GBU-57A/B الخارقة للتحصينات على منشآت تحت الأرض في فوردو ونطنز، فقد تمكنت إيران من الحفاظ على عناصر رئيسية من بنيتها التحتية النووية، ووفق تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية صدر في 20 حزيران/يونيو 2025، فإن الهياكل فوق الأرض في نطنز وأصفهان تعرضت لأضرار جسيمة، لكن جزءًا كبيرًا من القدرات تحت الأرض نجا بسبب عمق مواقعها وبنائها المحصن، وأكد مفتشو الوكالة أيضًا أنّ إيران ما زالت تمتلك 408.6 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تكفي لإنتاج ما يصل إلى تسعة أجهزة نووية بعد رفع التخصيب إلى مستوى 90% المستخدم في السلاح النووي، وهذا المخزون محفوظ في مواقع سرية لم تتمكن الاستخبارات من تحديدها، وبالتالي لم تُقصف.
العناصر التقنية لإجراء التجربة النووية
تعتمد القدرة التقنية لإيران على إجراء تجربة نووية على ثلاثة عناصر أساسية، إنتاج المواد الانشطارية، تصميم الجهاز التفجيري، وتوفير موقع اختبار مناسب.
فيما يتعلق بإنتاج المواد الانشطارية، يبدو الوضع الأكثر وضوحًا، إذ تقدّر مؤسسة العلوم والأمن الدولي (ISIS) أنّ إيران، رغم الضربات، ما زالت تحتفظ بما لا يقل عن 3000 جهاز طرد مركزي في منشآت لم تتأثر، قادرة على إنتاج 15 كغم إضافية من اليورانيوم عالي التخصيب شهريًا، وهو ما يكفي لصنع رأس نووي كل شهرين.
ومن المهم الإشارة إلى أنّ خبراء المؤسسة نفسها خلصوا منذ عام 2022 إلى أن إيران تمتلك القدرة التقنية لإنتاج أجهزة نووية باستخدام يورانيوم مخصب بنسبة 60%، دون الحاجة لرفعه إلى مستوى 90% التقليدي.
أما تصميم الجهاز التفجيري، فرغم تعقيده، فقد أحرز العلماء الإيرانيون فيه تقدمًا ملحوظًا، إذ سبق أن عثر مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أوائل الألفية على رسومات لصنع أنصاف كروية من اليورانيوم المعدني، إلى جانب وثائق تؤكد العمل على تقنيات بدء الانفجار النووي، وتشير بيانات أحدث، وردت في تقرير الوكالة الصادر في حزيران/يونيو 2025، إلى وجود تجهيزات لدى إيران لإجراء اختبارات هيدروديناميكية، وإنشاء أنظمة تفجير بالانفجار الداخلي، وهي تقنيات حاسمة في تصنيع الجهاز النووي، ويرجح أن هذه الأعمال مستمرة في مواقع سرية بمنطقة بارشين التي لم تتعرض للقصف.
البنية التحتية للاختبارات النووية
تشمل البنية التحتية للاختبارات موقعين محتملين على الأقل، المنطقة التقليدية حول سمنان، حيث أُجريت اختبارات متفجرات غير نووية في السابق، ومجمعًا جديدًا أكثر تحصينًا تحت الجبال شرق البلاد، رصدت صور أقمار صناعية أعمال إنشائه في عام 2024، وتُعد الاختبارات تحت الأرض أصعب في الرصد وأقل خطرًا إشعاعيًا، مما يجعلها خيارًا مفضلًا لإيران، ووفق تقارير استخباراتية، فقد درس المهندسون الإيرانيون تجربة كوريا الشمالية في الاختبارات النووية تحت الأرض، بما في ذلك طرق منع انهيار الصخور وتسرب المواد المشعة.
تتطلب سلسلة لوجستيات إجراء التجربة نقل الجهاز النووي أو مكوناته إلى موقع الاختبار بشكل آمن وسري، وهنا يمتلك الحرس الثوري الإيراني شبكة واسعة من الأنفاق وطرق النقل المحمية، وقد أنشأ وحدة خاصة ضمن جناحه الهندسي مسؤولة عن نقل المواد النووية وتأمينها، مستخدمًا عربات مدرعة تتحرك غالبًا ليلًا، ولها أولوية في استخدام الأنفاق.
الحسابات الاستراتيجية والعقيدة النووية
لكن الحسابات الاستراتيجية لطهران مرهونة بموازنة بين الفوائد والمخاطر، فمن جهة، قد ترى القيادة الإيرانية بعد الضربات الإسرائيلية أنّ الضمان الوحيد لأمن النظام يكمن في امتلاك السلاح النووي الفعلي، ومن جهة أخرى، فإن إجراء تجربة نووية سيؤدي حتمًا إلى فرض عقوبات دولية غير مسبوقة، قد تشمل حتى الصين وروسيا، فضلًا عن خطر تصعيد عسكري إضافي.
تلعب العقيدة النووية الإيرانية دورًا محوريًا في هذا التقدير، فبخلاف باكستان وكوريا الشمالية، تمسكت إيران تاريخيًا بمفهوم “العتبة النووية”، أي القدرة على إنتاج السلاح بسرعة دون تصنيعه أو اختباره، إلا أن أحداث حزيران/يونيو 2025 قد تدفع إلى مراجعة هذه العقيدة لصالح إظهار أوضح للقدرات، والعامل الحاسم يبقى موقف المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي ما زال حتى الآن يردع المؤيدين للإنتاج الفوري، مستندًا إلى فتوى دينية تحرم تطوير السلاح النووي.
رغم هذه القدرات، تواجه إيران تحديات كبيرة، فهناك عقبات تقنية تتعلق بإنشاء نظام تفجير موثوق يتطلب صواعق دقيقة وتزامنًا عاليًا، ورغم حصول العلماء الإيرانيين على تقنيات ذات صلة من تسريبات باكستانية في أوائل الألفية، فإن التطبيق العملي ما زال غير مضمون من دون تجارب إضافية على المكونات غير النووية.
أما على صعيد البنية التحتية، فقد دمرت الضربات مصادر الطاقة في ورش نطنز تحت الأرض، بما في ذلك المولدات الاحتياطية، ما قد يعرقل عمل أجهزة الطرد المركزي، ورغم قدرة إيران على استعادة الكهرباء، فإن ذلك سيستغرق من أسابيع إلى أشهر حسب حجم الأضرار.
وتتمثل الهشاشة الاستراتيجية في إمكانية كشف التحضيرات للتجربة النووية، فالأقمار الصناعية الأمريكية (KH-11, USA-224) والإسرائيلية (Ofek-16) تراقب باستمرار المواقع المحتملة، كما أن طائرات WC-135 Constant Phoenix المتمركزة في قاعدة العديد الجوية بقطر قادرة على رصد أي انفجار نووي تحت الأرض من خلال الانبعاثات الإشعاعية أو النشاط الزلزالي، وقد يدفع اكتشاف التحضيرات إلى ضربات استباقية من إسرائيل أو الولايات المتحدة.
إضافة إلى ذلك، يشكل المراقبون الدوليون عائقًا جديًا، فعلى الرغم من تقييد إيران وصول مفتشي الوكالة الدولية، إلا أنّ الوكالة ما زالت تحتفظ بقدرات مراقبة عن بُعد من خلال كاميرات وحساسات مثبتة مسبقًا، ولا يزال بعضها يبث بيانات، كما أنّ الوكالة مستعدة للاستجابة لأي طارئ نووي أو إشعاعي خلال ساعة واحدة فقط.
السيناريوهات المتوقعة لتجربة إيران النووية
إن تقدير احتمال إقدام إيران على تجربة نووية قبل نهاية 2025 يتطلب دراسة عدة سيناريوهات،
- السيناريو الأساسي، استمرار إيران في تعزيز قدراتها دون انتهاك معلن لنظام منع الانتشار، مكتفية بتقليص “الوقت اللازم للاندفاع” نحو إنتاج السلاح لأسابيع قليلة، واستخدام التهديد النووي كأداة ردع دون الانتقال إلى التصنيع والاختبار،
- سيناريو بديل، غياب نية إجراء اختبار فوري، ما يمنح طهران فرصة إضفاء الشرعية على برنامجها العسكري النووي مع إبقاء هامش للمناورة الدبلوماسية،
- السيناريو الأكثر خطورة، تعبئة كاملة للبرنامج النووي مع إجراء اختبار قبل نهاية 2025، ويصبح هذا السيناريو أكثر ترجيحًا في حال استمرار التصعيد مع إسرائيل أو نشوب أزمة سياسية داخلية في إيران.
تقنيًا، يمكن لإيران تنفيذ التجربة خلال 3–4 أشهر من اتخاذ القرار السياسي، وهي فترة تشمل استكمال التخصيب إلى مستوى السلاح، تجميع الجهاز، وتحضير الموقع.
وعليه، فرغم امتلاك إيران قدرات تقنية وبنيوية مهمة لإجراء تجربة نووية عام 2025، فإن قرارها سيُبنى بالدرجة الأولى على حساب استراتيجي للتكلفة والفوائد، ويبدو أنّ ميزان القوى داخل القيادة الإيرانية يميل حاليًا نحو الحذر، … لكن هذا التوازن قد يتغير بفعل صدمات خارجية جديدة أو تحولات في المشهد السياسي الداخلي.
بالمحصلة، تمتلك إيران القدرة التقنية والبنيوية على إجراء تجربة نووية قبل نهاية عام 2025، مع مراعاة ثلاثة عناصر أساسية: إنتاج المواد الانشطارية، تصميم الجهاز التفجيري، وتحضير الموقع المناسب للاختبار، إلا أنّ القرار النهائي مرتبط بتقديرات استراتيجية دقيقة، تراعي التوازن بين الفوائد، المخاطر، والتداعيات السياسية والدبلوماسية على المستوى الإقليمي والدولي.
خاتمة
إيران على مشارف لحظة حاسمة في تاريخ برامجها النووية، ويبدو أنّها تمضي بحذر شديد بين القدرة التقنية والقيود السياسية، مع مراعاة التوازن الدقيق بين الأمن الوطني والمخاطر الدولية. وفي حال حدوث أي صدمات خارجية أو تصعيد داخلي، قد تتحرك القيادة الإيرانية بسرعة لتنفيذ اختبار نووي، ما سيشكل انعطافة استراتيجية كبيرة على صعيد الشرق الأوسط والسياسة الدولية.



