
بوتين وترامب: التزحلق في بلاد الإسكيمو؟
✍️📰 سلام مسافر
بفرض أن اختيار ولاية ألاسكا مكاناً لقمة ترمب – بوتين؛ جاء بطلب البيت الأبيض، إلا أن الكرملين رحّب فوراً بالاقتراح، وعبر مساعد الرئيس الروسي للشؤون الدولية عن الارتياح لأن الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية جاران إلى حد التلاصق، وأن الواحد يقع على مرمى حجر من الآخر، الأمر الذي يعتبره مساعد الرئيس بوتين علامة مهمة على علاقات يجب أن تتقوى.
أثار الإعلان عن ألاسكا مكاناً لقمة طال انتظارها، في الشارع الروسي ذكريات الماضي؛ حين قرر القيصر ألكسندر الثاني بعد سنوات من التردد والجدل داخل العرش الروسي، المتكئ على أن القيصر ظل الرب على الأرض، ورأس الكنيسة الأرثوذكسية التي فشلت في استمالة سكان “أميركا الروسية أو روسيا الأميركية” إلى الدخول في الأرثوذكسية والتخلي عن الوثنية والطواطم والسحرة وتقديس الآيل وعجول البحر، وربما ما يزال غالبية السكان في ياقوتيا الروسية، التي تشترك مع ألاسكا بقساوة الطقس، عبدة أوثان أو أنهم بلا دين، كما الحال في الحقبة السوفيتية التي انتشرت فيها نكات “تؤرخ” لصفقة بيع ألاسكا.
من هذه النكات أن مواطناً من ياقوتيا، ويضرب بهم المثل في البساطة إلى حد السذاجة، وقف في الساحة الحمراء ورفع لافتة كتب عليها: “اللعنة على القيصر؛ اللعنة اللعنة”. وحين ألقت الشرطة السوفيتية القبض عليه وحققت معه، سألوه: ماذا تريد أن تقول بهذه اللافتة؟ القيصرية انتهت في روسيا عام 1917، والقياصرة كلهم تحت أديم الأرض منذ عقود! رد الياقوتي بقوة وصدق: “ملعون لأنه باع ألاسكا للأميركان ولم يلطعنا معهم!”، والقصد من النكتة الخبيثة أن الحياة في أميركا أفضل من الاتحاد السوفيتي.
إلى الآن يختلف الباحثون القوميون الروس حول صفقة ألاسكا؛ فمنهم من يقول إن ألكسندر الثاني باعها تحت ضغط “التحالف الماسوني اليهودي” المتغلغل في أجهزة الدولة القيصرية، وآخرون يؤكدون أنها لم تكن صفقة بيع، بل تأجير لمدة 99 عاماً كان يجب أن تنتهي العام 1968، في عهد الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف، وكانت الحرب الباردة بين العملاقين النوويين في ذروتها رغم الانفراج.
لكن ورثة القياصرة، بوريس يلتسين أول رئيس لروسيا بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي، الذي عمل على رد الاعتبار للقيصر نيكولاي الثاني وأسرته، لم يعمل على استعادة حقوق روسيا من الأميركان حين كانت العلاقات في عهده مع البيت الأبيض “دهن على عسل”، ولم يفكر باستعادة ألاسكا سنة انتهاء العقد، حين قرر ألكسندر الثاني تأجيرها، وفقاً لرواية الحنابلة الروس، أو بيعها وفقاً للمؤرخين. ولم تكن غير يباب بلا زرع ولا ضرع، ولم يكتشف الذهب في أعماقها إلا بعد عقود من الصفقة المثيرة للجدل إلى اليوم.
في فترة حكم القيصر ألكسندر الثاني، أخذ الجدل حول مصير ألاسكا سنوات، إلى أن أخذ الدوق الكبير قسطنطين، وهو الأخ الأصغر للقيصر، بالضغط من أجل تسليم “أمريكا الروسية” إلى الولايات المتحدة في العام 1857. وذكر الدوق في مذكرة أرسلها إلى وزير الخارجية ألكسندر غورتشاكوف أنه:
“يجب ألا نخدع أنفسنا، وعلينا أن نتوقع أن الولايات المتحدة، التي تهدف إلى توسيع أراضيها وترغب في السيطرة على أمريكا الشمالية بشكل كامل، ستنتزع منا المستعمرات المذكورة أعلاه ولن نتمكن من استعادتها”.
حين عرضت رسالة الدوق قسطنطين على أخيه القيصر ألكسندر الثاني، كتب على صفحتها الأولى: «هذه الفكرة جديرة بالاعتبار». وبعد مناقشات ومفاوضات متعددة الجوانب وعروض أسعار مختلفة، تمخضت المفاوضات عن توقيع المعاهدة في 30 مارس من العام 1867، وتحديد سعر الشراء بمبلغ 7.2 مليون دولار، أو ما يقارب السنتين للفدان الواحد (4.74 دولار مقابل كل كيلومتر مربع).
تعد ألاسكا، وتسلسلها 49، أكبر ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتوازي مساحتها خُمس بقية الولايات، وأكثر من ضعف مساحة تكساس، إذ تبلغ مساحتها 1,518,77 كيلومتر مربع. لكن حجمها الكبير يقابله تعداد سكاني قليل نسبة إلى المساحة.
تتميز ألاسكا بأنها ولاية منفصلة عن بقية أراضي الولايات المتحدة، فهي تقع شمال غرب كندا، ويفصلها عن ولاية واشنطن 800 كيلومتر. ويطلق سكان ألاسكا على باقي الولايات “الـ48 السفلى”، ويعتقد أن كلمة ألاسكا نحتت من كلمة “إلياسكا”، بمعنى “الأرض الأكبر” أو “الأرض الأم” في لغة شعب الألويت الإسكيمو.
بعض المراقبين يلمحون إلى أن ترامب، المعروف بحبه للعروض على الطريقة الهوليودية – ولا عجب، فقد كان سمسار حفلات ملكات الجمال وعارضات الأزياء – اختار ألاسكا مكاناً للقمة مع بوتين، وهو أول رئيس روسي أو سوفيتي تطأ قدماه بلاد الإسكيمو، ليقول إن الأرض ليست شيئاً مقدساً، وإنه يمكن بيعها لقاء الربح، كما فعل القيصر ألكسندر الثاني قبل قرن ونصف، طمعاً في المال، بعد أن خرجت روسيا منهزمة من حرب القرم مع بريطانيا، العدو اللدود لروسيا إلى اليوم مع اختلاف الأنظمة وعلى مدى القرون.
لعل ترامب يريد أن يبعث بإشارة إلى زيلينسكي، الرافض إلى اليوم الاعتراف بهزيمة قواته في الدونباس وانضمام المقاطعات الأربع إلى روسيا، وأن عليه أن يتذكر ألكسندر الثاني، الحاكم بأمر الله على روسيا وأوكرانيا وتوابعهما.



