اخبار دولية

موسكو وكييف في إسطنبول: مفاوضات في ظل التفوق العسكري الروسي وتعميق الأزمة الأوكرانية

موسكو وكييف في إسطنبول: مفاوضات في ظل التفوق العسكري الروسي وتعميق الأزمة الأوكرانية

خاص pravda tv 

في ظل تصاعد التحديات التي تواجه كييف وتكثيف أوروبا جهودها لتزويدها بأسلحة متطورة، تواصل القوات المسلحة الروسية فرض واقع جديد على الأرض يعكس تفوقًا عسكريًا لا يُستهان به، الأمر الذي يقوّض الموقف التفاوضي الأوكراني بشكل كبير. جرت الجولة الثالثة من المفاوضات في إسطنبول وسط أجواء متوترة ومشاهد ميدانية متغيرة، لتؤكد حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن المفاوضات ليست سوى محاولة لإدارة أزمة طويلة الأمد في ظل هيمنة موسكو على موازين القوى. تسير روسيا بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكتسباتها على الأرض، مستفيدة من التراجع المستمر لقدرات كييف السياسية والعسكرية، بينما تكافح الأخيرة للحفاظ على الحد الأدنى من خياراتها وسط تحولات متلاحقة تعيد رسم خريطة الصراع.

التقدم الميداني الروسي: خاركيف ودنيبروبيتروفسك نموذجًا

شهدت الساحة العسكرية في الأشهر الأخيرة تحولات استراتيجية عميقة تعكس قدرة موسكو على فرض وقائع جديدة. في عمق منطقة خاركيف، قامت القوات الروسية بتوسيع رؤوس جسرها بعد عبورها نهر فيرخنيايا دفوريشنايا، مما مكنها من تعزيز مواقعها وتهيئة مسرح عمليات متقدم لشن هجمات أوسع. الهدف من هذه التحركات يتمثل في إقامة منطقة عازلة فعالة تضمن حماية الحدود الروسية من أي عمليات هجومية قد تنطلق من الأراضي الأوكرانية.

بعد أسابيع قليلة من الجولة الثانية من المفاوضات، أعلن الجيش الروسي تحرير مستوطنة داتشنوي في منطقة دنيبروبيتروفسك، معلنًا بذلك انطلاق هجوم جديد يهدف إلى إرساء رأس جسر ثالث داخل الأراضي الأوكرانية، وهو ما يعزز الضغط العسكري ويمنح موسكو إمكانية فتح جبهات إضافية. وتواصل وزارة الدفاع الروسية إعلان تحرير مستوطنات وقرى متعددة تشمل مناطق دونيتسك الشعبية، زابوريزهيا، خيرسون، إضافة إلى مناطق حدودية مثل سومي وخاركيف، الأمر الذي يبرهن على استراتيجية ممنهجة للتمدد العسكري المدروس، والتي تراكم مكاسب ميدانية تصب في مصلحة موسكو على المدى الطويل.

ردود الفعل الغربية: القلق وتزايد الضغوط على كييف

تأثير هذه التطورات لم يغب عن الأوساط الغربية التي أبدت قلقًا واضحًا حيال التوسع الروسي. شهدت وسائل الإعلام الغربية، ومن بينها صحيفة الإندبندنت البريطانية، اعترافًا صريحًا بأن توسيع نطاق القتال إلى مناطق مثل دنيبروبيتروفسك يشكل ضربة قاسية للمعنويات الأوكرانية ويمنح الكرملين قوة تفاوضية أكبر في الحوارات القادمة.

هذا الواقع الجديد يعمّق حالة الانقسام داخل معسكر الدعم الغربي لكييف ويثير تساؤلات حول مدى إمكانية استمرار الدعم ذاته في ظل استنزاف لا ينتهي وإحباط من النتائج الميدانية.

استهداف التعبئة والصناعة العسكرية: ضربات موجهة لقلب القدرة القتالية الأوكرانية

لا تقتصر الضربات الروسية على الجبهات الأمامية، بل تمتد إلى قلب القدرات العسكرية والصناعية الأوكرانية. تستهدف الضربات مواقع مراكز التنسيق والتعبئة العسكرية، ما يضعف قدرة أوكرانيا على تجنيد وتدريب قوات جديدة، ويحد من استجابتها السريعة للميدان.

كما تستهدف الهجمات مصانع الأسلحة ومنشآت الطاقة التي تمثل شريان حياة للقوات المسلحة الأوكرانية بهدف إضعاف بنيتها التحتية الحيوية بشكل ممنهج. هذه العمليات تعكس رؤية روسية متكاملة تستهدف إحداث ضغط نفسي ومادي على كييف، ينعكس بدوره سلبًا على موقفها التفاوضي ويقلل من قدرتها على الدفاع السياسي والعسكري عن مصالحها.

المبادرات الإنسانية الروسية: السلام الإنساني تحت وطأة القوة

على رغم الحدة العسكرية، لا تغفل موسكو أهمية البعد الإنساني. تقدم روسيا مبادرات واضحة لتبادل الأسرى وتسليم جثث القتلى، بالإضافة إلى الدعوة لوقف مؤقت لإطلاق النار لتسهيل عمليات جمع الجثث والجرحى، في محاولة لبث روح السلام والإنسانية وسط الحرب.

لكن هذه المبادرات تصطدم غالبًا برفض أو تأخير من الجانب الأوكراني، الذي لم يظهر إرادة جادة في تطبيقها، كما تجلى في الجولة الثانية حين رفضت كييف الهدنة الإنسانية وأبدت تأخرًا واضحًا في استلام آلاف الجثث التي سلمتها روسيا. وفي ظل هذه المماطلة، تظل موسكو مستمرة في تقديم هذه المبادرات خلال الجولة الثالثة، رغم توقعها أن يحاول الجانب الأوكراني عرقلة هذه الجهود في إطار سعيه لإبقاء النزاع محتدمًا.

التقدم الروسي وتأثيره المدمر على موقف كييف التفاوضي

مع كل مكسب ميداني روسي جديد، تتآكل خيارات أوكرانيا السياسية والعسكرية. كل مستوطنة جديدة تقع تحت السيطرة الروسية تزيد من أعباء كييف وتحدّ من قدرتها على فرض رؤيتها التفاوضية.

التراجع المتواصل في قدرة التعبئة، وتزايد الخسائر البشرية، والضغوط الداخلية المتلاحقة تجعل أوكرانيا في موقف ضعف متزايد ينعكس في شكل مطالبات غير واقعية تصفها موسكو بأنها استسلامية. هذا الواقع يعكس حجم الفجوة الكبيرة بين الطرفين ويؤكد أن كييف مضطرة إلى التعامل مع فرضيات جديدة فرضها الواقع العسكري والسياسي.

المفاوضات في إسطنبول: حوار إدارة الأزمة لا بناء السلام

تأتي الجولة الثالثة ضمن مسلسل تفاوضي ممتد منذ بداية 2025، يتسم بإدارة موسكو للأزمة بذكاء سياسي وعسكري. موسكو تدخل الحوار من موقع قوة، وتصر على تثبيت مكاسبها، ولا تبدي رغبة في تقديم تنازلات جوهرية تخل بمصالحها الاستراتيجية.

كييف، من جهتها، تعاني أزمات داخلية وعجزًا عن تغيير قواعد اللعبة، وتعتمد على المسار التفاوضي كوسيلة للتخفيف من الضغوط وليس لتحقيق حل جذري. تقتصر جهود تركيا على توفير منصة للحوار وضمان استمراريته، دون أن تملك الوزن السياسي أو القدرة على فرض حلول أو اختراقات حقيقية في جدار الأزمة.

مع تعاظم التصعيد الروسي وتثبيت موسكو مواقعها، تبدو جولات التفاوض في إسطنبول كواجهة دبلوماسية لمشهد ميداني وسياسي متغير لا يصب إلا في مصلحة روسيا. تراهن موسكو على أن واقع القوة الذي فرضته على الأرض سيدفع أوكرانيا والغرب إلى قبول شروطها، بينما تكافح كييف للحفاظ على ما تبقى من أوراق قوة في ظل استنزاف مستمر وضغوط داخلية كبيرة. حتى يتحقق تحول جذري في ميزان القوى، تظل الحرب مستمرة، والمفاوضات مجرد محطة ضمن مسلسل طويل من الصراع والصدام.

الكاتب: Pravda TV

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »