اخبار دولية
أخر الأخبار

السويداء بين فتنة مدبّرة ومشروع توسّعي

لم تكن الأحداث الدامية التي عصفت بمحافظة السويداء خلال الأيام الماضية وليدة اللحظة، بل جاءت كحلقة متقدمة في مسار طويل من التمهيد والتهيئة، شبيه إلى حدّ بعيد بما جرى في الساحل السوري خلال نيسان الماضي.

السويداء بين فتنة مدبّرة ومشروع توسّعي

 ✍️كتب عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين 

 لم تكن الأحداث الدامية التي عصفت بمحافظة السويداء خلال الأيام الماضية وليدة اللحظة، بل جاءت كحلقة متقدمة في مسار طويل من التمهيد والتهيئة، شبيه إلى حدّ بعيد بما جرى في الساحل السوري خلال نيسان الماضي.

غير أن تصاعد الوحشية، ووقوع مجازر علنية، والإهانة المتعمدة للمشايخ، تشير إلى وجود طرف ثالث يحرك الفتنة وفق إيقاع مدروس، وبدعم استخباراتي واضح.

 

تفجّرت الأزمة سريعًا بعدما أقدمت عصابات بدوية على خطف رجل أعمال درزي، فجاء الرد عنيفًا ومتسلسلًا، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة في مشهد يُشبه التمثيلية المتقنة التنفيذ، سواء في التوقيت أو توزيع الأدوار. واللافت، أن التصريحات الأمريكية بدأت تُوزّع بعد ساعات قليلة من تصاعد التوتر، وكأنها كانت على علم مسبق بما سيقع، ما يعزز فرضية التنسيق بين الفاعلين المحليين وجهات دولية وإقليمية، على رأسها واشنطن وتل أبيب.

 

في هذا السياق، لا يمكن عزل التدخل الإسرائيلي الأخير في الجنوب السوري عن مجمل خطاب الرئيس ترامب، الذي لطالما عبّر صراحة عن ضيق المساحة الجغرافية لدولة إسرائيل. ففي شباط الماضي، وخلال أحد لقاءاته مع نتنياهو، أعاد ترامب تكرار موقفه: “إسرائيل تبدو صغيرة جدًا على الخريطة… لطالما فكرت بكيفية توسيعها”. ولمّح إلى ذلك بتشبيه ساخر قال فيه: “إسرائيل تشبه رأس هذا القلم… وهذا ليس جيدًا”.

 

من هذا المنطلق، تبدو العمليات الجارية في غزة والضفة والجنوب السوري مترابطة ضمن هندسة توسعية تسعى لتكبير “رأس القلم” الإسرائيلي. فالتهجير القسري للفلسطينيين من غزة، وتسطيح رفح لإقامة ما يُسمى “مدينة إنسانية”، وما يترافق معها من هدم ممنهج في الضفة، هو الوجه الميداني لهذا المشروع. أما في الجولان، فتتجه الأنظار إلى محافظة السويداء بوصفها الجائزة الكبرى، الجغرافية والديموغرافية.

 

فالسويداء التي تبلغ مساحتها نحو 6,550 كيلومترًا مربعًا، وتمتد شمالًا حتى قرب دمشق وجنوبًا حتى حدود الأردن، تشكّل خاصرة استراتيجية لأي مشروع توسع إسرائيلي. يضاف إلى ذلك البعد الديموغرافي، حيث يشكّل الدروز نحو 87% من سكانها، ما يتيح لإسرائيل التلاعب بمشاعر بعض الفئات عبر وعود التجنيس والامتيازات، على غرار سياسة “الولاء مقابل الدم” التي تنتهجها في الجولان المحتل. ويُضاف إلى ذلك الطرح المتداول سرًا في أوساط مراكز القرار الإسرائيلي: توسيع الجولان ليشمل السويداء وضمّ عشرات آلاف الشباب الدروز إلى الجيش الإسرائيلي، في ظل الأزمة العميقة التي تواجهها تل أبيب في ملف التجنيد.

 

أما من حيث العدد، فإن ضمّ السويداء سيمنح إسرائيل فجأة نحو 370 ألف نسمة، وكتلة أرضية تفوق 6500 كلم²، ما يعني مضاعفة المساحة الحالية لإسرائيل في الجولان ثلاث مرات على الأقل، وتغطية النقص العددي المزمن في صفوف الجيش.

 

#صمت دولي وتردد ديني: تقاعس يشرعن الجريمة

 

رغم هول المجازر والانتهاكات، فقد غاب الموقف الحازم للمجتمع الدولي، الذي اكتفى ببعض التصريحات المائعة تحت سقف “القلق”، ما يكرّس سياسة الكيل بمكيالين تجاه الجنوب السوري. أما المرجعيات الدينية الدرزية، فانقسمت بين من فضّل التريث، ومن حاول سحب الفتيل بحلول جزئية لا تلامس جوهر المؤامرة. هذا الصمت والتردد وفّرا غطاءً ضمنيًا للمخطط، وبدل أن تتحول المجازر إلى جرس إنذار جامع، جرى تفريغها من بعدها السياسي والوجودي، وكأن تهديد السويداء قضية ثانوية.

 

خاتمة: المذبحة لا تحدث صدفة

 

فلا تحدث الأمور بالصدفة. فحين تُخطف شخصية وازنة، وتُهان العمائم، ويُفتَعل شرخ بين جبلٍ وبادية، ثم تُستدعى التصريحات الأمريكية، وتتحرك الآلة الإسرائيلية على الأرض — فذاك ليس انفجارًا فوضويًا، بل تنفيذ دقيق لمخططٍ محكم.

إن ما يجري في السويداء لا يمكن فصله عن مشهد إقليميّ تُعاد فيه هندسة الجغرافيا والولاءات والديموغرافيا بالسلاح والخداع.

 

تُمنَح إسرائيل فرصة التمدد على حساب السوريين والفلسطينيين، بينما يصمت العالم أو يراقب متواطئًا.

فالسويداء ليست ضحية طارئة، بل فصل من فصول مشروع “إسرائيل الكبرى”، تُرسم فيه الحدود بالدم لا بالحبر.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »