حبيب صادق… المثقف الذي قاوم بالنص والحلم
في النبطية، حيث تُطوى فصول الزمن بين ضلوع الأرض، وحيث تتعانق حجارة التاريخ مع جذور الصبر والكرامة، أسلم حبيب صادق جسده لتراب الجنوب، فيما روحه لا تزال تحوم فوق منابر الكلمة، وداخل المكتبات التي حوّلها إلى قلاع مقاومة، وفي صالونات الفكر التي روّى ترابها بعبق الحوار ووهج الموقف.

حبيب صادق… المثقف الذي قاوم بالنص والحلم
✍️كتب الدكتور رياض نجم – رئيس جمعية الصداقة اللبنانية الروسية -مدير عام منصة pravda tv
في النبطية، حيث تُطوى فصول الزمن بين ضلوع الأرض، وحيث تتعانق حجارة التاريخ مع جذور الصبر والكرامة، أسلم حبيب صادق جسده لتراب الجنوب، فيما روحه لا تزال تحوم فوق منابر الكلمة، وداخل المكتبات التي حوّلها إلى قلاع مقاومة، وفي صالونات الفكر التي روّى ترابها بعبق الحوار ووهج الموقف.
لم يكن حبيب صادق رجلاً عابراً في زمن مليء بالهزائم، بل كان آخر الحُرّاس على بوّابة الوعي، المتمسّك بحلمه العنيد بأن تكون الكلمة بوصلة، والفكر مقاومة، والجنوب أكثر من جغرافيا منكوبة… أن يكون الجنوب ذاكرة لا تُنسى، وكرامة لا تُباع، وأرضاً لا ينكسر أبناؤها.
ترك خلفه مسيرة لا تشبه إلا المتمرّدين من صنف الكبار، محفوفة بالكلمات التي تشبه الحجارة الصلبة، والمواقف التي لا تعرف المساومة، والأحلام التي ظلّت مشرّعة حتى الرمق الأخير.
ابن الحوزات… وصوت العصيان
وُلد حبيب عبد الحسين صادق عام 1939 في بلدة الخيام الجنوبية، وترعرع في النبطية بين أسوار بيتٍ عريق تنساب منه رائحة الدين والعلم. كان بإمكانه أن يستسلم لقدر العائلة، أن يصعد إلى المنابر، ويكرّس نفسه لخدمة الموروث الطائفي… لكنه اختار درباً أصعب، درب النقد والتمرد، فآمن أن الخضوع ليس قدراً، وأن إقطاع الكلمة أبلغ من إقطاع الأرض.
ورث عن والده الأدب والصلابة، وعن بيئته الجنوبية عشق الأرض والانتصار للكرامة، ومن زمانه قلقاً لا يهدأ لحلم بناء وطن لا يحكمه زعماء الطوائف، ولا ينهشه الإقطاعيون، ولا تُحاصر ناسه الخيبات.
حين كان اليسار طريق الخلاص
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين اندفع الشيعة نحو مشروع الدولة اللبنانية بأيدٍ خالية من أدوات السلطة، كانت بوابة اليسار مفتوحة أمامهم كنافذة للانعتاق، وكان حبيب صادق من أوائل من عبرها.
فهم باكراً أن تحالف الجنوب المهمَّش مع الأحزاب العقائدية لم يكن عبثاً، بل ضرورة وجودية، وأن الثقافة وحدها تملك مفاتيح كسر جدران الطائفة، وإزاحة ستائر الخوف.
تمرّد على الإقطاع، على الطائفية، على السلاح المأجور، وآمن أن المقاومة ليست رصاصة فقط، بل كلمة، وكتاب، وذاكرة، وأن السياسة إذا خلت من الأخلاق تحوّلت إلى فسادٍ مقنّع بلغة القانون.
المجلس الثقافي… وطنٌ لا تحدّه الطوائف
منذ أن أسّس “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” عام 1964، لم يكن ذلك المبنى في حيّ المزرعة مجرّد مؤسسة ثقافية، بل جمهورية مصغّرة يحرسها الفكر، ومساحة عصيّة على طوفان الطوائف وصخب السياسة.
هناك، في بيروت، بنى حبيب صادق وطنه الحقيقي… وطن لا يُرسم بالخرائط بل بالكلمات، لا تحدّه الطوائف بل تتسع له كل الجهات، وطن جمع حوله نخبة الفكر من لبنان والعالم العربي: من محمود درويش، إلى رضوى عاشور، من البياتي إلى فتحية العسال.
حتى وهو في شيخوخته، ظلّ يقف بوجهه النحيل وصوته الدافئ أمام الحضور، يبتسم، يستقبل، يدير الحوار بعقل متّقد، وروحٍ مؤمنة بأن الكلمة مقاومة.
كان المجلس جبهة ناعمة واجه بها صادق حروب الداخل، عزل الجنوب، الاستبداد السوري، وسذاجة مشاريع “الطائف” التي بقيت حبراً على الورق، فيما الوطن يُنهش كل يوم.
السياسة حين تصير امتداداً للفكر
خاض الانتخابات النيابية في 1968 و1972، لم ينجح في عبور البرلمان، لكنه بقي جزءاً من معادلة الوعي، حتى دخل المجلس النيابي بعد الطائف عام 1992 على لائحة “التنمية والتحرير”، ثم استقال سريعاً، لأن السياسة التي تخلع جلد المبادئ لم تكن تليق به.
أسّس “المنبر الديمقراطي”، وخاض معترك السياسة حتى انتخابات 2005، وحين أدرك أن الكراسي لا تصنع التغيير، عاد إلى ملاذه الأبدي: المجلس الثقافي، الكتب، والمخطوطات، مؤمناً أن الانتصار الحقيقي يُصنع بالكلمة لا بالمقعد النيابي.
ضد السلاح المأجور… وضد وصاية الخارج
لم يساوم يوماً على الموقف، وصف الجيش السوري بالحاجز الحديدي الذي يقسم لبنان ويمنع المصالحة الوطنية، ورفض الارتهان للمحاور، سواء أكانت إيرانية أم غيرها، ووقف بشجاعة في وجه تحويل المقاومة إلى أداة مذهبية ضيقة.
كان يرى أن الجنوب لا يحتاج فقط إلى السلاح، بل إلى فكر يضيء العقول، وعدالة اجتماعية تُنقذ الناس، وذاكرة تُقاوم النسيان، وتحصّن الأرض من الابتلاع.
صديق روسيا… وعضو في جمعية الصداقة اللبنانية الروسية
في موازاة مواقفه الوطنية الحرة، كان حبيب صادق مؤمناً بضرورة انفتاح لبنان على الشرق، وخصوصاً على روسيا التي رآها شريكاً ثقافياً وسياسياً في وجه الهيمنة الغربية. لم تكن علاقته بموسكو علاقة ظرفية، بل التزاماً فكرياً متواصلاً.
انضم إلى جمعية الصداقة اللبنانية الروسية، وزار موسكو أكثر من مرة، مشاركاً في مؤتمرات، لقاءات فكرية، وندوات تعزّز الحوار بين الشعوب بعيداً عن الاستقطاب السياسي الضيق. كان يرى في روسيا ركيزة في معادلة التوازن الدولي، وفي الثقافة الروسية جسراً للحوار وفضاء لمقاومة الاستعمار الجديد.
مخطوطات جبل عامل… وذاكرة الجنوب الحيّة
ترك حبيب صادق وراءه إرثاً ثقيلاً من الفكر والمواقف:
“في وادي الوطن” (2010): سجلّ جراحه، شهادته، ونضالاته بين الجنوب وبيروت.
“حوار الأيام” (2015): سيرة ذاتية حيث تتقاطع الطفولة، الأرض، الكلمة، والنضال.
أعاد نشر مؤلفات والده العلامة عبد الحسين صادق، في محاولة لحفظ ذاكرة جبل عامل.
أشرف على أنطولوجيا “وكل الجهات الجنوب”، التي تحوّلت إلى مرآة لذاكرة الجنوب المُقاوم.
بجهوده أُعيد إحياء عشرات المخطوطات النادرة، ونُشرت رواية زينب فواز “حسن العواقب”، التي سبقت عصرها في الدفاع عن حقوق المرأة.
رحيل الرجل… وغياب الوطن الحلم
في تموز 2023، أغمض حبيب صادق عينيه للمرة الأخيرة، ودُفن في النبطية. برحيله، لم يُوارَ جسد رجل، بل طُويت مرحلة بأكملها من النضال، والحلم، والمقاومة الفكرية.
خسر الجنوب أيقونته التي لم تساوم، وخسرت بيروت مثقفاً ظلّ صامداً، لم يركع يوماً على موائد السلطان، ولم يبدّل مبادئه بثمن.
غاب آخر مجلس ثقافي استطاع جمع اللبنانيين من كل الجهات، وآخر مشروع فكري حاول أن يُعيد للوطن روحه المسلوبة.
الكلمة لا تموت… وحارس الجنوب باقٍ في الذاكرة
إذا كان الموت نهاية الجسد… فإن الكلمة بداية أخرى له”
بهذه القناعة عاش حبيب صادق، وبهذا الإيمان رحل. رجلٌ من زمن الصلابة، بنى وطناً بالحبر لا بالبندقية، وخاض معاركه دون حسابات، وغادر وفي قلبه كثير من الحزن… لكن دون ذلّة، دون ندم.
في زمن تُباع فيه المبادئ بأرخص الأثمان، وتُشترى الولاءات كسلعة، سيبقى حبيب صادق، آخر الحُرّاس على بوّابة الثقافة، ضميراً حيّاً لوطن قاوم، فكّر… ولم ينكسر.



