اخبار دولية
أخر الأخبار

خبراء القانون الدولي يشككون في قانونية الهجوم الإسرائيلي على إيران

خبراء القانون الدولي يشككون في قانونية الهجوم الإسرائيلي على إيران

في وقت تتصاعد فيه التوترات في الشرق الأوسط، شكّك خبراء القانون الدولي في شرعية الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران، معتبرين أن تل أبيب لا تستطيع تبرير هذا العمل العسكري في إطار حق الدفاع عن النفس، خاصة في ظل غياب هجوم إيراني مباشر ووشيك.

 

وفي مقابلة موسعة مع صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ” السويسرية، أوضحت البروفيسورة هايكه كريجر، المختصة في القانون الدولي، أن الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية يفتقر إلى الأسس القانونية الواضحة، بل يعكس استمرار ازدواجية المعايير الغربية التي تُلحق ضررًا بالغًا بالقانون الدولي.

 

ضربة استباقية خارج الإطار القانوني

 

وقالت كريجر إن إسرائيل بررت هجومها الأخير الذي وقع قبل أسبوعين باعتباره “ضربة استباقية” دفاعًا عن النفس، غير أن المعطيات القانونية المتوفرة لا تدعم هذا الادعاء. وأوضحت: “لم يكن هناك هجوم مباشر من إيران في ذلك الوقت، وهو الشرط الأساسي لممارسة حق الدفاع عن النفس، حتى في إطار المفهوم الأكثر جدلاً المتعلق بالدفاع الوقائي، ينبغي وجود هجوم وشيك، وهو ما لم تثبته أي معطيات متاحة حتى الآن”.

 

وأشارت كريجر إلى أن المعلومات الحالية تؤكد أن إيران لم تُخصب بعد اليورانيوم إلى المستوى الذي يسمح بصنع أسلحة نووية، مؤكدة أن الضربة الإسرائيلية تفتقد إلى الأساس القانوني المطلوب لهذا النوع من العمليات العسكرية.

 

إيران تهدد إسرائيل.. ولكن هل يكفي ذلك؟

 

وحول ما إذا كان بإمكان إسرائيل تبرير الهجوم بناءً على التهديدات الإيرانية المستمرة وسجلّها النووي، قالت كريجر: “صحيح أن إيران تُهدد بتدمير إسرائيل منذ سنوات، وصحيح أنها أنتجت قرابة 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو مستوى لا يُستخدم لأغراض سلمية ويُعد انتهاكًا لمعاهدة حظر الانتشار النووي، لكن ذلك لا يُعدّ مبررًا كافيًا للقيام بضربة استباقية بموجب القانون الدولي”.

 

وأضافت أن الجدل القانوني حول “نافذة الفرصة الأخيرة” لتوجيه ضربة ضد أسلحة الدمار الشامل لا يزال غير محسوم، مشيرة إلى أن التجربة الوحيدة المماثلة كانت غزو العراق عام 2003، حيث بررت واشنطن الحرب بذريعة امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل، وهي مزاعم ثبت لاحقًا بطلانها، ما أدى إلى فقدان هذه النظرية مصداقيتها على الصعيد الدولي.

 

الدبلوماسية أولاً.. لا مجال للاندفاع العسكري

 

وأكدت الخبيرة القانونية أن على إسرائيل عدم التسرع في الخيارات العسكرية، والتركيز على الحلول الدبلوماسية، مضيفة: “كان يمكن التفاوض بشكل أكثر جدية، خصوصًا مع مشاركة الولايات المتحدة في تلك المفاوضات، وكان من الممكن دفع المجتمع الدولي نحو صياغة معايير قانونية جديدة تتعلق بمسألة الضربات الاستباقية، لكن شيئًا من هذا لم يحدث، ما أبقى الوضع القانوني غامضًا وخطيرًا”.

 

الصراع القائم لا يُبرر الضربة النووية

 

وفيما يتعلق بالصواريخ التي أطلقتها إيران على إسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024، رداً على اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في بيروت والهجوم الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية في دمشق، قالت كريجر: “تلك الهجمات تشكل انتهاكًا للقانون الدولي من جانب إيران، لكنها لا تُعتبر هجومًا مسلحًا مستمرًا يُبرر لإسرائيل حق الدفاع عن النفس بهذا الشكل”.

 

وأشارت إلى أن الدفاع عن النفس مشروع ضد حماس عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، لافتة إلى أن المنظمة، التي تصنّفها إسرائيل والغرب كمنظمة إرهابية، تحظى بدعم إيران، لكنها أوضحت وجود ثلاث نقاط قانونية تُضعف هذا التبرير:

 

1. ليس هناك دليل قانوني كافٍ على سيطرة إيران الفعلية والمباشرة على حماس أو حزب الله، وهو الشرط الذي تشترطه محكمة العدل الدولية.

 

 

2. لا يمكن اعتبار هجوم السابع من أكتوبر مستمرًا حتى اليوم من الناحية القانونية، خاصة أن معظم القدرات العسكرية لتلك الجماعات قد تم تحييدها.

 

 

3. أهداف الهجوم الإسرائيلي تركزت على المنشآت النووية الإيرانية، لا على وقف دعم إيران لحماس، ما يُضعف حجة التناسب المطلوبة قانونيًا.

 

 

 

ازدواجية المعايير الغربية تهدد القانون الدولي

 

وأوضحت كريجر أن إسرائيل والولايات المتحدة بررتا الهجوم على إيران بالإشارة إلى تهديد ديكتاتوري يسعى لامتلاك أسلحة نووية، مضيفة: “حتى مع التسليم بأن هذا النظام يشكل تهديدًا، لا يمكن القفز فوق القانون الدولي، الذي وضع معايير محددة وصارمة للدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة”.

 

وأكدت أن المعايير القانونية لا تُفرق بين الديمقراطيات والأنظمة غير الديمقراطية، مشيرة إلى أن الانتقائية الغربية في تطبيق القانون الدولي تُقوض النظام القانوني، تمامًا كما حدث خلال غزو العراق عام 2003.

 

وقالت: “هذا التوظيف الانتقائي للقانون الدولي، إلى جانب التوترات الجيوسياسية، يقوّض مصداقية النظام القانوني العالمي، ويدفع دول الجنوب العالمي لاتهام الغرب بازدواجية المعايير، كما هو الحال في الحرب على غزة”.

 

القانون الدولي ليس عاجزًا لكنه مهدد

 

ورغم التشكيك الواسع في فعالية القانون الدولي، ترى كريجر أنه لا يزال أداة أساسية لحماية الدول الضعيفة، مستشهدة بلجوء أوكرانيا للمحاكم الدولية ضد العدوان الروسي، وكذلك بمحاولات الفلسطينيين المطالبة بالعدالة الدولية.

 

واستعرضت الخبيرة القانونية أوجه الشبه والاختلاف بين الحالة الإسرائيلية والروسية، مؤكدة أن انتهاك موسكو للقانون الدولي أكثر وضوحًا وخطورة، لكنها حذّرت من أن خطورة تآكل القانون الدولي تتفاقم عندما تُمارس القوى الغربية مثل الولايات المتحدة انتهاكات مماثلة باسم المصالح الوطنية.

 

توسيع مفهوم الضربة الاستباقية.. خطر جديد

 

وفي ختام حديثها، حذّرت كريجر من أن السماح باستمرار هذا السلوك قد يُفضي إلى فرض “عرف دولي” جديد يُوسع مفهوم الضربات الاستباقية، مشددة على أن القوى العظمى فقط تدفع بهذا الاتجاه، بينما يُتوقع اعتراضات واسعة من دول الجنوب العالمي.

 

ورأت أن النظام القانوني الدولي بات يواجه تحديات كبرى، خاصة مع صعود قوى مثل الصين التي تُحاول إعادة تعريف مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي بما يتماشى مع رؤيتها، فضلًا عن المشاكل الداخلية في الغرب، وتنامي النزعات الشعبوية والاستبدادية، لا سيما في الولايات المتحدة خلال فترة حكم دونالد ترامب.

 

وختمت كريجر بالقول: “القانون الدولي ليس مجرد أداة ظرفية تُستخدم في الأوقات الجيدة، بل هو الإطار الذي يتيح للدول الضعيفة التعبير عن موقفها، وتشكيل رؤية لنظام عالمي قائم على القانون، لكن الدفاع عنه يتطلب معركة دائمة ضد محاولات تآكله من الداخل والخارج”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »