سريوي يفكّك الضربة الأوكرانية: المسيّرات غربية الصنع والردّ الروسي قادم حيث لا يتوقّع أحد
في حوار خاص مع «Pravda TV»، قدّم أكرم كمال سريوي، الخبير في أسلحة الدمار الشامل والقانون الدولي، قراءة تفصيلية ومعمّقة للتطور الأمني الأبرز منذ اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، والمتمثل في استهداف أوكرانيا لسلسلة من المطارات والمنصات الاستراتيجية داخل العمق الروسي.

سريوي يفكّك الضربة الأوكرانية: المسيّرات غربية الصنع والردّ الروسي قادم حيث لا يتوقّع أحد
في حوار خاص مع «Pravda TV»، قدّم أكرم كمال سريوي، الخبير في أسلحة الدمار الشامل والقانون الدولي، قراءة تفصيلية ومعمّقة للتطور الأمني الأبرز منذ اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، والمتمثل في استهداف أوكرانيا لسلسلة من المطارات والمنصات الاستراتيجية داخل العمق الروسي.
سريوي حذّر من أن الهجمات تحمل مؤشرات تصعيد خطيرة، لكنها في المقابل لن تُغيّر معادلة الردع النووي الروسي، التي لا تزال قائمة وقادرة على فرض توازنها.
أوكرانيا تضرب المطارات الروسية… هل هذا استهداف مباشر للثالوث النووي؟
يرى سريوي أن أوكرانيا نفّذت هجومًا ممنهجًا باستخدام طائرات مُسيّرة موجهة ضد مطارات روسية منتشرة في مواقع استراتيجية مختلفة، شملت: مورمانسك، إيركوتسك، إيفانوفو، ريازان، وأمور. الهدف كان خلق حالة من الإرباك العملياتي، واستغلال عنصر المفاجأة في توقيت بالغ الحساسية.
وأوضح أن الدفاعات الجوية الروسية نجحت في صد الهجمات على مطارات إيفانوفو، ريازان، وأمور، لكنها لم تتمكن من إحباط الضربات التي استهدفت منطقتي مورمانسك وإيركوتسك، حيث تسببت الطائرات المُسيّرة في اشتعال النيران داخل وحدات طائرات، بفعل قرب منصات الإطلاق من محيط تلك المواقع.
وتكشف التحقيقات الروسية، بحسب ما أعلنته موسكو، عن تورّط عناصر محلية تم اعتقال بعضهم لتقديمهم الدعم اللوجستي للهجمات. لكن الأخطر ـ كما يشير سريوي ـ هو أن الضربة استهدفت قاذفات قنابل مخصصة لحمل وإطلاق الأسلحة النووية، ما يمثل تصعيدًا نوعيًا يهدف إلى التشكيك بقدرات الردع الروسية.
وأضاف أن بعض تلك القاذفات كانت أصلاً ضمن الممتلكات الأوكرانية قبل تفكك الاتحاد السوفياتي، وقد تم تسليمها إلى روسيا لاحقًا. وعلى الرغم من توقيع موسكو اتفاقيات لخفض الأسلحة النووية، مثل معاهدة “ستارت”، التي خفّضت عدد الرؤوس النووية من 43 ألفًا إلى نحو 6000 رأس حاليًا، إلا أن روسيا لا تزال تملك الترسانة النووية الأكبر في العالم.
واعتبر أن ثغرة خطيرة في المعاهدة تكمن في نصها على بقاء القاذفات النووية مكشوفة على أرض المطارات، ومنع وضعها في ملاجئ محصّنة، ما يجعلها أهدافًا سهلة لطائرات صغيرة يصعب كشفها بالرادارات، خاصة إذا كانت مصنوعة من مواد لا تعكس الموجات.
مع ذلك، شدد سريوي على أن هذه القاذفات ليست إلا جزءًا من الثالوث النووي الروسي، وأن تركيز موسكو الفعلي منذ أكثر من 15 عامًا بات منصبًا على الصواريخ البالستية الفرط صوتية، مثل صاروخ “أفانغارد” الذي تصل سرعته إلى 27 ماخ (أكثر من 30 ألف كيلومتر/ساعة)، وقادر على إصابة أي هدف في العالم خلال أقل من نصف ساعة.
لذلك، فإن تدمير بعض القاذفات لا يُضعف بشكل جوهري القدرة الردعية الروسية، خاصة أن معاهدة “ستارت” مجمّدة اليوم، وليس متوقعًا أن تؤثر هذه التطورات على مسار المفاوضات النووية، التي تُدار ضمن سياق استراتيجي أشمل بكثير.
الضربات عشية المفاوضات في إسطنبول… محاولة لنسف أي حل سياسي؟
يعتبر سريوي أن توقيت الضربات لم يكن عفويًا، بل يحمل رسائل سياسية وعسكرية مركّبة، خصوصًا أنه جاء عشية جولة تفاوضية جديدة عُقدت في إسطنبول.
ورغم هذا التصعيد، لم تمتنع موسكو عن المشاركة، بل توجهت إلى طاولة المفاوضات دون تردد، في إشارة إلى أن روسيا لا تتصرف بردود فعل انفعالية، بل تنتهج سلوكًا استراتيجيًا متزنًا.
وأوضح أن الطرف الأوكراني سعى إلى فرض ضغط استباقي على الموقف الروسي عبر التصعيد الميداني، في محاولة لدفع موسكو إلى تقديم تنازلات. لكن هذا الحساب كان خاطئًا، لأن أوكرانيا لا تملك ترف إطالة أمد الحرب، وهي تخسر أراضيها على الأرض يومًا بعد يوم، فيما تتكبد خسائر بشرية ومادية جسيمة كلما تأخرت التسوية.
من الدعم غير المباشر إلى التورّط الميداني: هل دخل الغرب عمليًا إلى ساحة المعركة؟
يرى سريوي أن تنفيذ هجوم معقّد بهذا الحجم يستحيل دون مشاركة استخباراتية غربية عالية المستوى. فالمسيّرات التي استُخدمت تم إدخالها إلى الأراضي الروسية عبر شاحنات من دول أوروبية، ما يطرح علامات استفهام خطيرة حول مستوى انخراط الغرب في العمليات.
وبينما تعلن أوروبا دعمها السياسي والمالي لأوكرانيا، إلا أن المعدات والتقنيات المستخدمة في الهجوم تحمل توقيع صناعات غربية، في ما يشبه شراكة عملياتية كاملة، تتجاوز الدعم التقني أو اللوجستي التقليدي.
ورغم ذلك، أكّد أن روسيا تتعامل مع هذا الواقع بحذر استراتيجي، وتسعى لتفادي أي مواجهة شاملة قد تفضي إلى دمار عالمي، خصوصًا في ظل امتلاكها القدرة الكاملة على الرد، لكنها تختار التوقيت والساحة بعناية.
هل تفكر موسكو بتوسيع الرد إلى ما بعد الجغرافيا الأوكرانية؟
وفق سريوي، ما تزال موسكو تحصر عملياتها العسكرية داخل الإطار الأوكراني، لكن تصاعد الانخراط الغربي قد يدفعها إلى تعديل قواعد الاشتباك في أي لحظة.
وأكد أن دولًا مثل بولندا، ليتوانيا، وغيرها من أعضاء حلف الناتو باتت تشكل امتدادًا مباشرًا للمسرح العملياتي. وإذا استمرّت هذه الدول في اعتماد سياسات استفزازية، فقد تجد نفسها في قلب حرب أوسع.
ولفت إلى تصريح شهير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال فيه: “رجلٌ في موقعي لا يمكنه أن يغضب ويتصرف بدافع الانتقام”. وهي عبارة تختصر العقلانية الاستراتيجية الروسية، وتُظهر أن غياب الرد العنيف لا يعني غياب القدرة. ولو قررت روسيا تغيير نهجها، فإن المشهد العسكري كان سيتبدّل جذريًا ليس فقط في أوكرانيا، بل في عموم القارة الأوروبية.
مفهوم “الردع الديناميكي”: كيف تغيّرت العقيدة الدفاعية الروسية؟
يشير سريوي إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالأساليب التقليدية. فالعالم يشهد تغيرات جذرية، من أوكرانيا إلى غزة، ومن البحر الأحمر إلى كشمير، حيث أصبحت الأسلحة غير التقليدية ـ مثل المسيّرات، والصواريخ الفرط صوتية، والذكاء الاصطناعي ـ أدوات حسم رئيسية.
ويؤكد أن الدفاعات الجوية الكلاسيكية لم تُصمّم لمواجهة هجمات من هذا النوع، خصوصًا عندما تُطلق مئات المسيّرات يوميًا في محاولة لاستنزاف الأنظمة الدفاعية وإرباك شبكات الرادار.
ويزيد من تعقيد الموقف أن الرادارات تفشل أحيانًا في كشف المسيّرات الصغيرة، خصوصًا تلك المصنوعة من مواد خفيفة لا تعكس الموجات. كما أن الهجمات السيبرانية باتت جزءًا من المعركة، ما فرض على القيادة الروسية تطوير مفهوم “الردع الديناميكي” الذي يدمج بين الذكاء الصناعي، الدفاع السيبراني، والاستجابة المتكيفة مع طبيعة التهديد.
أوكرانيا على الطاولة.. لكن القرار في واشنطن ولندن
يؤكد سريوي أن موسكو لا تعتبر أوكرانيا طرفًا تفاوضيًا سياديًا، بل أداة غربية تُحرّكها واشنطن ولندن. وهذا الإدراك قائم منذ بداية الحرب، حيث بات واضحًا أن القرار السياسي والعسكري في كييف لا يُصنع محليًا.
ورغم العقوبات الغربية الشاملة، نجحت روسيا في الصمود بل وتجاوز التحديات، بفضل نظام صناعي وعسكري ذاتي مكتفٍ وفعّال. اليوم، تُنتج روسيا أسلحة بكمية مضاعفة مقارنة بجميع دول الناتو مجتمعة، وبتكلفة أقل، وبتفوق ميداني ملموس.
في المقابل، يُعاني الجيش الأوكراني من تراجع مستمر، في حين باتت روسيا تُسيطر فعليًا على أربع مقاطعات جديدة، وترفض أي نقاش في مسألة التخلي عنها. ومع غياب القدرة الميدانية، ووجود تدخّل غربي مباشر في القرار الأوكراني، بات التفاوض أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
الخطوط الحمراء الروسية… إلى أين؟
يعتقد سريوي أن روسيا ما تزال تلتزم ضبط النفس رغم توالي الاستفزازات. لكن في حال شعر الكرملين بأن الردع الاستراتيجي يتعرض للتآكل، فإنه لن يتردّد في تنفيذ رد مناسب في الوقت والمكان اللذين يختارهما.
وبرأيه، فإن الكرملين يدير المعركة ضمن توازن دقيق بين استخدام القوة وتوظيف الدبلوماسية، لكنه لن يسمح بانهيار مصداقية الردع الروسي مهما كان الثمن.
الحديث عن حل سياسي… مناورة أم رسالة إلى المجتمع الدولي؟
يختم سريوي بالتأكيد على أن موسكو لم تتخلّ عن المسار السياسي، بل كانت أول من دعا إلى تسوية في اتفاق مينسك، الذي استُغل لاحقًا من قبل الغرب ـ كما اعترفت بذلك المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل ـ لكسب الوقت وليس لتحقيق السلام.
اليوم، تُصرّ روسيا على الحل السياسي المشروط بضمان أمنها الاستراتيجي، وبالقضاء على النازية المعادية التي تُغذّي النزاع داخل أوكرانيا.
ويجد هذا الموقف تفهمًا من قبل الصين والهند، اللتين تدعمان المبادرات التفاوضية الروسية.
لذلك، فإن الحديث عن الانفتاح السياسي ليس مناورة، بل رسالة واضحة بأن موسكو لا تزال تلتزم بالشرعية الدولية وتسعى إلى حفظ الاستقرار العالمي، رغم معرفتها أن مسار السلام بات أكثر صعوبة وتعقيدًا بعد كل ما جرى.



