
زيارة ترامب إلى دول الخليج والتقاطعات بين عدة ملفات منفصلة متصلة
✍️د.احمد مصطفى رئيس ومركز آسيا للدراسات والترجمة مصر
مقدمة
تحمل زيارة دونالد ترامب إلى دول الخليج (السعودية وقطر والإمارات) ثقلًا جيوسياسيًا كبيرًا، حيث تتقاطع مع عدة ملفات دولية حساسة. ويتزامن توقيت هذه الزيارة مع المفاوضات الأمريكية-الإيرانية في مسقط، والتي تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي، وهو حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي. ويؤكد انخراط ترامب مع هذه الدول الخليجية على دورها المحوري في موازنة ديناميكيات القوة وسط تصاعد التوترات مع إيران. ومن خلال تعزيز التحالفات مع هذه الدول الغنية بالنفط، تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد مع ضمان أمن الطاقة، وهي استراتيجية تتماشى مع مصالح دول الخليج في تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية.
إن الاحتمال المتزامن للمفاوضات المباشرة بين بوتين وترامب وزيلينسكي في إسطنبول يضفي طبقة أخرى من التعقيد على خط سير ترامب في الخليج. ويمكن لمثل هذا الاجتماع أن يعيد تشكيل مسار النزاع الأوكراني، مع احتمال أن يستفيد ترامب من نفوذه للتوسط في التوصل إلى حل. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو محفوف بالتحديات، بالنظر إلى العداوات العميقة الجذور والمصالح المتضاربة بين الأطراف المعنية. ويعكس تركيز الولايات المتحدة المزدوج على الخليج وأوكرانيا استراتيجيتها الأوسع نطاقاً (من وجهة نظر أمريكية) المتمثلة في الحفاظ على الهيمنة العالمية مع معالجة المخاوف الأمنية الملحة في كلتا المنطقتين.
ويثير قرار ترامب بحذف تل أبيب من خط سير جولته تساؤلات حول موقفه من القضية الفلسطينية، وهي نزاع حساس ودائم في المنطقة. ويمكن أن يشير هذا الإغفال إلى تحول استراتيجي في السياسة الأمريكية، مما قد يؤدي إلى تنفير الحلفاء التقليديين مثل إسرائيل بينما يكسب تأييد الدول العربية. لا تزال القضية الفلسطينية نقطة اشتعال، وينطوي نهج ترامب – سواء كان متعمدًا أو عرضيًا – على خطر تفاقم التوترات في وقت تعاني فيه الجهود الدبلوماسية من التوتر بالفعل. وتسلط تصرفاته في الخليج، إلى جانب المفاوضات الجارية في مسقط وإسطنبول، الضوء على الشبكة المعقدة من التحالفات والخصومات التي تشكل المشهد الجيوسياسي العالمي.
مقارنة سريعة بين خطة الإنقاذ التي قدمتها دول مجلس التعاون الخليجي للولايات المتحدة الأمريكية في عام 2008 وحاليًا في عام 2025
يتسم الوضع الاقتصادي الحالي في الولايات المتحدة بالخطورة، حيث يبلغ الدين الداخلي حوالي 40 تريليون دولار، مما دفع الولايات المتحدة إلى طلب المساعدة المالية من دول مجلس التعاون الخليجي. ويعد هذا تغيرًا كبيرًا عن الماضي، حيث كانت الولايات المتحدة تتمتع بمستوى مختلف من القوة. ففي عام 2008، خلال الأزمة المالية، حصلت الولايات المتحدة على 4 تريليون دولار من أربع دول من دول مجلس التعاون الخليجي هي السعودية والإمارات وقطر والكويت عندما كانت ديونها 18 تريليون دولار. في ذلك الوقت، كان مجلس التعاون الخليجي أقل تأثيراً في الشؤون العالمية. ومنذ ذلك الحين، تضاءلت التغطية الإعلامية لخطة الإنقاذ تلك، التي عرضتها قناة الجزيرة، لكن الأحداث لا تزال تؤثر على العلاقات الأمريكية الخليجية اليوم.
وقد أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي الآن أقوى اقتصاديًا وجيوسياسيًا، بعد أن أقامت علاقات استراتيجية مع دول مثل الصين وروسيا، مما يقلل من اعتمادها على الولايات المتحدة. ومع ذلك، لم تستخدم دول مجلس التعاون الخليجي قوتها المالية بفعالية للضغط على الولايات المتحدة لتقديم تنازلات فيما يتعلق بإسرائيل. وعلى الرغم من نفوذهم الجديد، لم يضغط مجلس التعاون الخليجي بقوة من أجل اتخاذ إجراءات مثل دعم وقف إطلاق النار أو إقامة دولة فلسطينية.
وتتمتع الولايات المتحدة، باعتبارها الداعم الرئيسي لإسرائيل، بنفوذ على عمليات السلام، ويمكن أن تسمح مشاكلها المالية الحالية لمجلس التعاون الخليجي بتأكيد مطالبه بقوة أكبر. ومع ذلك، لم يستخدم القادة الخليجيون قوتهم الاقتصادية بشكل فعال لتحقيق مكاسب سياسية فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مما يثير المخاوف بشأن أولوياتهم.
ويشير غياب الشخصيات الرئيسية في السياسة الخارجية السعودية إلى وجود انفصال بين الأقوال والأفعال بشأن الحقوق الفلسطينية. وتسلط المقارنة مع خطة الإنقاذ في عام 2008 الضوء على أن مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من قوته المالية، لم يترجم ذلك بشكل فعال إلى عمل جيوسياسي كبير. يشير المشهد العالمي المتطور والتحالفات المتنوعة إلى أن مجلس التعاون الخليجي يجب أن يستخدم نفوذه الاقتصادي بشكل استراتيجي، أو يخاطر بفقدان مصداقيته في مناصرة القضايا العربية.
خبراء دول مجلس التعاون الخليجي يزعمون أن خطة الإنقاذ الاقتصادي بقيمة 2 تريليون دولار أمريكي للولايات المتحدة الأمريكية ليست تجاهل للقضية الفلسطينية
ويذكر خبراء دول مجلس التعاون الخليجي أنه تم تقديم خطة إنقاذ اقتصادي بقيمة 2 تريليون دولار أمريكي لتجنب حدوث انهيار مصرفي مماثل لأزمة عام 2008. وهذه الاستراتيجية مهمة لدول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة المملكة العربية السعودية، لأنها تحمي استثماراتها وتحافظ على الاستقرار الإقليمي. كما أن هذا الإجراء لا يمثل خيانة للقضية الفلسطينية بل يظهر نهجًا عمليًا في الاقتصاد العالمي، مما يسمح لدول مجلس التعاون الخليجي بمواصلة دعم أهدافها الجيوسياسية.
ويوضح اختيار المملكة العربية السعودية عدم مناقشة اتفاقيات أبراهام خلال زيارة ترامب توازن المملكة بين الأمن المالي ودعم فلسطين. يتجاهل المنتقدون الذين ينظرون إلى خطة الإنقاذ على أنها خيانة تعقيدات العلاقات الدولية. فالدعم الذي تقدمه دول مجلس التعاون الخليجي يساعدها في الحفاظ على نفوذها والدفاع عن الحقوق الفلسطينية. تسلط أزمة عام 2008 الضوء على الطبيعة المترابطة للاقتصادات العالمية، مما يجعل خطة الإنقاذ ضرورية لمنع الفوضى المالية.
موقف مصر القوي والثابت تجاه القضية الفلسطينية
لطالما كان التزام مصر الثابت تجاه القضية الفلسطينية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي حجر الزاوية في سياستها الخارجية، وهو ما يعكس تفانيًا ثابتًا في تحقيق العدالة والاستقرار في المنطقة. وقد أدى هذا الموقف المبدئي إلى مواجهات دبلوماسية كبيرة، لا سيما مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وقد أكد رفض الرئيس السيسي الإذعان لتهجير سكان غزة ومعارضته الصريحة لبعض السياسات الأمريكية على استقلالية مصر في العلاقات الدولية.
ولم يكن هذا الموقف القوي بلا عواقب، كما يتضح من رفض الرئيس السيسي دعوتين من الرئيس ترامب – إحداهما لزيارة واشنطن والأخرى للقاء في الرياض. وقد عززت مثل هذه القرارات، على الرغم من احتمال توتر العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، سمعة مصر كزعيم يعطي الأولوية للسيادة والعدالة الإقليمية على حساب النفعية الدبلوماسية.
كما اتسمت استراتيجية الرئيس السيسي الدبلوماسية أيضًا بمواءمة محسوبة مع القوى العالمية التي تشترك في المصالح الجيوسياسية المماثلة. فمشاركته في احتفالات عيد النصر الروسي في عام 2025، ووقوفه إلى جانب قادة مثل فلاديمير بوتين وشي جين بينغ، يشير إلى تحول مصر الاستراتيجي نحو ”النظام العالمي الجديد“. هذا الاصطفاف ليس مجرد اصطفاف رمزي بل يعكس اعترافًا عمليًا بديناميكيات القوة العالمية المتغيرة. ومن خلال وضع مصر ضمن هذا العالم الناشئ متعدد الأقطاب، يهدف الرئيس السيسي إلى تعزيز نفوذ بلاده مع الحفاظ على استقلاليتها في مشهد دولي يزداد تعقيدًا.
ويؤكد قرار حضور العرض العسكري في موسكو، بدلاً من الانخراط مع القادة الغربيين، على التنويع الاستراتيجي للتحالفات التي تقوم بها مصر. وتسمح هذه المقاربة للبلاد بالتعامل مع تعقيدات السياسة العالمية دون المساس بمبادئها الأساسية. وفي حين أن هذه الاستراتيجية قد تثير الانتقادات من بعض الجهات، إلا أنها تُظهر جهدًا محسوبًا لحماية مصالح مصر مع الدفاع عن الحقوق الفلسطينية. ويتطلب مثل هذا التوازن دبلوماسية دقيقة، مما يسلط الضوء على قدرة الرئيس السيسي على المناورة في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
وعلاوة على ذلك، فإن موقف مصر من القضية الفلسطينية يلقى صدى عميقًا لدى شعبها في الداخل، مما يعزز الشعور بالفخر والوحدة الوطنية. ومن خلال رفضه تقديم تنازلات بشأن هذه المسألة الحساسة، حصل الرئيس السيسي على دعم شعبي كبير، مما عزز شرعية قيادته. وتؤكد هذه المواءمة بين السياسة الخارجية والمشاعر الداخلية على الترابط بين الاستقرار الداخلي والعلاقات الخارجية، وهي سمة مميزة لفن إدارة الدولة الفعال.
ترامب من خلال تصريحاته الأخيرة قبل مغادرته دول مجلس التعاون الخليجي حول تهجير سكان غزة إلى ليبيا تثبت مزاعم بأنه مدمن على شيء ما
أثارت تصريحات دونالد ترامب الأخيرة قبل مغادرته دول مجلس التعاون الخليجي، والتي دعا فيها إلى تهجير سكان غزة مخاوف كبيرة بشأن طريقة اتخاذه للقرارات. وتشير تصريحاته، التي تتماشى مع السياسات العدوانية لشخصيات مثل نتنياهو، إلى انفصاله عن الواقع الجيوسياسي في المنطقة. وقد أجرى المنتقدون، بمن فيهم المتحدثة باسم وزيرة الخارجية الروسية زاخاروفا، مقارنات بين سلوك ترامب وسلوك القادة الأوروبيين المعروفين بقراراتهم المتقلبة.
وقد أدى ذلك إلى تكهنات، على الرغم من عدم التحقق منها، حول تأثير مواد مثل الكوكايين على حكمه. وعلى الرغم من أن هذه الادعاءات، على الرغم من عدم ثبوتها، إلا أنها تسلط الضوء على الشكوك المتزايدة حول قدرة ترامب على التعامل مع الأزمات الدولية المعقدة، لا سيما في الشرق الأوسط.
وتبرز نقاط الضعف الاستراتيجية في نهج ترامب بشكل أكبر من خلال الانتكاسات العسكرية الأخيرة التي واجهها حلفاؤه في المنطقة. فقد كشف استهداف جماعة الحوثي الناجح لأنظمة الدفاع الصاروخي ”باتريوت“ و”ثاد“ في إسرائيل، بالقرب من مطار بن غوريون في تل أبيب، عن نقاط الضعف في البنية التحتية الدفاعية التي كان يروج لها في السابق على أنها منيعة. لم تضعف هذه التطورات مصداقية ترامب فحسب، بل قللت أيضًا من فعالية أدواته الاستراتيجية التي كانت ذات يوم مركزية في أجندته للسياسة الخارجية. هذا الفشل في حماية الأصول الحيوية يقوض قدرته على إبراز قوته ونفوذه في المنطقة.
إن رفض المجتمع الدولي لموقف ترامب من غزة واسع النطاق، حيث تعرب دول مثل دول الجنوب العالمي وعلى رأسها روسيا والصين وإندونيسيا وماليزيا والبرازيل وجنوب أفريقيا عن معارضتها الشديدة لموقف ترامب من غزة، بالإضافة إلى قوى إقليمية على رأسها مصر وإيران وباكستان. وتدرك هذه الدول العواقب الإنسانية والجيوسياسية المترتبة على تشريد سكان غزة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة مضطربة بالفعل. ويسلط رفضهم الجماعي الضوء على عزلة موقف ترامب وتراجع نفوذ الولايات المتحدة تحت قيادته. كما يؤكد هذا الرفض على الحاجة إلى نهج أكثر توازناً وشمولاً لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
علاوةً على ذلك، آثار الدعم المالي لسياسات ترامب من قبل دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر ثراءً غضبًا عارمًا، إذ يمول هذا الدعم بشكل غير مباشر تصعيد العنف في غزة. ويجادل المنتقدون بأن هذا الدعم يمكّن نظام نتنياهو من مواصلة هجماته اليومية على الفلسطينيين الأبرياء تحت ستار استهداف مقاتلي حماس. إن اصطفاف دول مجلس التعاون الخليجي مع أجندة ترامب لم يوتر العلاقات مع القوى الإقليمية الأخرى فحسب، بل أثار أيضًا مخاوف أخلاقية بشأن التواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان. وتؤدي هذه الشراكة المالية إلى إدامة دائرة العنف وتقويض الجهود الرامية إلى تحقيق السلام.
وأخيراً، لا ينبغي أن يشعر ترامب بالتفاؤل بعد عودته إلى واشنطن، حيث يواجه ثلاثة خصوم آخرين عليه مواجهتهم
لا ينبغي أن تبعث عودة دونالد ترامب إلى واشنطن على التفاؤل، إذ يواجه ثلاثة خصوم هائلين ومتحالفين استراتيجيًا: الصين وروسيا وإيران. كل واحد من هؤلاء الخصوم منغمس في مفاوضات عالية المخاطر – الصين في جنيف بشأن القضايا التجارية، وروسيا في إسطنبول لمعالجة الأزمة الأوكرانية، وإيران في مسقط بشأن برنامجها النووي. ولا يتمتع هؤلاء الخصوم بالثقة المهنية فحسب، بل هم على استعداد تام للخوض في التفاصيل المعقدة، وهو مجال لطالما عانت فيه الدبلوماسية الأمريكية. كما أن التحالفات الاستراتيجية والاقتصادية بين هذه الدول تزيد من نفوذها، مما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة بشكل متزايد أن تبحر في هذه المجالات الجيوسياسية المعقدة بشكل فعال.
وتعزز براعة الصين التفاوضية في جنيف من خلال موقفها الاقتصادي القوي وقدرتها على تحمل التوترات التجارية المطولة. ومن المرجح أن تدفع بكين المناقشات نحو نتائج مواتية لمصالحها، مستفيدة من قوتها الاقتصادية ونفوذها العالمي، وذلك بفضل وفدها المُعدّ بشكل جيد. وفي الوقت نفسه، أظهرت الولايات المتحدة تاريخيًا افتقارًا إلى الدقة في نهجها في المفاوضات التجارية، مما قد يضعها في وضع غير مواتٍ. هذا التباين في العمق الاستراتيجي قد يقوض قدرة ترامب على تأمين شروط مواتية، مما يجعل الولايات المتحدة في موقف أضعف.
في إسطنبول، يُظهر انخراط روسيا في القضية الأوكرانية فطنة روسيا الاستراتيجية ونفوذها الإقليمي. وقدرة موسكو على التلاعب بالقنوات الدبلوماسية واستغلال الانقسامات داخل التحالفات الغربية موثقة جيدًا. وإلى جانب تحالفها القوي مع دول أخرى، تستعد روسيا لصياغة النتائج التي تتماشى مع أهدافها الجيوسياسية، مما يزيد من تهميش النفوذ الأمريكي في المنطقة. ومما يضاعف من التحديات التي يواجهها ترامب حقيقة أن فريق التفاوض الروسي مشهور بتحضيره الدقيق وقدرته على استغلال نقاط الضعف في الحجج المعارضة.
وبالمثل، تسلط مفاوضات إيران النووية في مسقط الضوء على مرونتها الاستراتيجية وخفة حركتها الدبلوماسية. فـ المفاوضون الإيرانيون بارعون في استغلال الانقسامات داخل مجموعة 5+1 والاستفادة من علاقاتها مع القوى الإقليمية الأخرى. أما الولايات المتحدة، من ناحية أخرى، فقد عانت الولايات المتحدة من أجل تقديم جبهة موحدة، حيث أن الانقسامات السياسية الداخلية غالباً ما تقوض موقفها التفاوضي. هذا الافتقار إلى التماسك، إلى جانب تحالفات إيران القوية، يضع ترامب في وضع غير مواتٍ للغاية في الوقت الذي يسعى فيه إلى إعادة فرض الشروط النووية الصارمة أو إعادة التفاوض بشأنها.



