
إقالة رئيس الشاباك: هل يشن نتنياهو حربًا على المؤسسة الأمنية؟
✍️كتب عبد العزيز أبو عليان
في خطوة مفاجئة رغم توقعها، أقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، في قرار يعكس تصاعد التوترات بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية في الكيان الصهيوني.
هذه الإقالة ليست مجرد تغيير إداري روتيني، بل تكشف عن أزمة عميقة داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، خاصة في أعقاب هجوم 7 أكتوبر 2023.
كما تثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الحكومة والأجهزة الأمنية، وتداعيات ذلك على الأوضاع الداخلية والخارجية لإسرائيل.
نتنياهو والشاباك: صراع قديم يتجدد
منذ عودته إلى للحكم، أصبح واضحًا أن نتنياهو لا يتقبل بسهولة استقلالية الأجهزة الأمنية، خاصة تلك التي قد تشكل تهديدًا لنفوذه.
إلا أن الأزمة تفاقمت بعد الهجوم المفاجئ الذي نفذته المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023، والذي كشف عن فشل استخباراتي كبير، مما دفع الجميع للبحث عن *”كبش فداء”* لتحميله المسؤولية.
في البداية، حاول نتنياهو إلقاء اللوم على الجيش والشاباك، لكن الردود العنيفة من المؤسسة الأمنية، بالإضافة إلى تسريبات كبار المسؤولين حول تحذيرات سابقة لم تؤخذ على محمل الجد، أضعفت موقفه.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت التوترات بينه وبين رؤساء الأجهزة الأمنية، خاصة مع رئيس الشاباك، الذي واجه في الأشهر الأخيرة انتقادات حادة من التيار اليميني المتطرف، بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي لم يخفِ رغبته في الإطاحة به.
دوافع إقالة رئيس الشاباك
الإقالة تأتي في إطار محاولات نتنياهو الحثيثة للسيطرة الكاملة على مفاصل الدولة، وخاصة المؤسسات الأمنية التي يراها عقبة أمام سياساته. إلا أن هناك دوافع أعمق وراء هذا القرار، أبرزها:
تحميل الشاباك مسؤولية فشل أكتوبر:
مع تصاعد الغضب الشعبي تجاه الحكومة، يسعى نتنياهو إلى إعادة توجيه الاتهامات نحو المؤسسات الأمنية، وخاصة الشاباك، الذي يُتهم بالتقصير في منع الهجوم الذي نفذته حماس.
إرضاء اليمين المتطرف:
إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وغيرهما من قادة اليمين المتطرف، مارسوا ضغوطًا كبيرة لإقالة رئيس الشاباك، باعتباره يمثل *”النخبة الأمنية التقليدية”* التي يرون أنها متساهلة مع الفلسطينيين. إقالته تعكس استعداد نتنياهو لإعادة تشكيل المؤسسات الأمنية بما يتماشى مع رؤية اليمين المتطرف.
تفكيك نفوذ المؤسسة الأمنية:
تاريخيًا، لعبت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، سواء الجيش أو الشاباك أو الموساد، دورًا كبيرًا في توجيه السياسات، أحيانًا بمعزل عن رغبات القيادة السياسية. نتنياهو، الذي لطالما اصطدم بهذه المؤسسات، يسعى إلى تحجيم نفوذها لضمان عدم وجود معارضة داخلية لقراراته.
حماية نفسه من التسريبات والانتقادات:
في الفترة الأخيرة، تسربت معلومات كثيرة من داخل الأجهزة الأمنية حول سوء إدارة الحكومة للأزمة، كما انتقد قادة أمنيون سابقون سياسات نتنياهو علنًا. إقالة رئيس الشاباك قد تكون رسالة تحذير لأي مسؤول يفكر في تحدي نتنياهو
تداعيات الإقالة على الأمن الإسرائيلي
على المدى القصير، قد لا تبدو هذه الإقالة ذات تأثير كبير على الأرض، لكن التداعيات بعيدة المدى قد تكون كبيرة على إسرائيل، وذلك للأسباب التالية:
إضعاف المؤسسة الأمنية:
إقالة رئيس الشاباك في وقت تعاني فيه إسرائيل من تحديات غير مسبوقة، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو على الجبهة الشمالية مع حزب الله، قد تؤدي إلى إضعاف التنسيق الأمني والاستخباراتي، خاصة إذا صاحب ذلك استقالات أو صراعات داخلية في الجهاز.
تأثير على الروح المعنوية داخل الشاباك:
هذه الإقالة قد تؤدي إلى تزايد الاستياء داخل جهاز الشاباك، الذي يضم شخصيات تعتبر نفسها فوق الحسابات السياسية. أي شعور بأن الحكومة تسعى للسيطرة على الجهاز قد يدفع كبار مسؤوليه إلى التمرد بشكل غير مباشر، عبر تسريبات أو حتى استقالات صامتة.
تصعيد التوتر مع الجيش:
الجيش الإسرائيلي نفسه ليس بمنأى عن هذه الصراعات، وهناك تقارير تتحدث عن تباينات كبيرة بين القيادات العسكرية ونتنياهو. بعد إقالة رئيس الشاباك، قد يكون الدور القادم على قادة الجيش الذين يتبنون مواقف لا تتماشى مع رؤية الحكومة الحالية.
نتنياهو في معركة وجودية؟
قرار الإقالة يعكس أن نتنياهو يخوض معركة وجودية، ليس فقط ضد معارضيه السياسيين، بل أيضًا ضد بعض مؤسسات الدولة نفسها. الرجل، الذي نجا من أزمات سياسية وقضائية عديدة، يدرك أن المعركة هذه المرة أصعب، وأن أي تراخٍ في فرض سيطرته قد يؤدي إلى سقوطه النهائي.
لكن في المقابل، *قد تكون الإقالة بداية لمزيد من الانقسامات داخل إسرائيل*، أو وربما تسرّع انهيار الائتلاف الحكومي إذا شعر بعض حلفائه بأن الأمور تخرج عن السيطرة.
في النهاية، ما جرى اليوم ليس مجرد تغيير في قيادة جهاز أمني، بل هو علامة جديدة على الأزمة العميقة التي تعيشها إسرائيل، حيث يتصارع السياسيون والأمنيون على النفوذ، بينما تتصاعد التهديدات من كل الجبهات.
ويبقى السؤال الأهم معلقًا: هل يقود نتنياهو إسرائيل نحو مزيد من الفوضى، أم أن الدولة العميقة ستجد طريقة لوقف مساره قبل فوات الأوان؟



