كتب إدريس أحميد:سياسات القوة الأمريكية وتداعياتها على النظام الدولي
منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها القوة الكبرى شبه المنفردة في النظام الدولي.
سياسات القوة الأمريكية وتداعياتها على النظام الدولي
✍️✍️كتب إدريس أحميد ـ كاتب المحلل السياسي
منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها القوة الكبرى شبه المنفردة في النظام الدولي.
وقد منحها هذا الوضع قدرة هائلة على التأثير في مسارات السياسة العالمية، غير أن هذا التفوق العسكري والاقتصادي ترافق في كثير من الأحيان مع سياسات مثيرة للجدل، خاصة في ما يتعلق بالتدخلات العسكرية والهيمنة السياسية والاقتصادية على دول أخرى، تحت شعارات مثل نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان.
فعلى امتداد تاريخها المعاصر، خاضت الولايات المتحدة سلسلة من الحروب والتدخلات في مناطق مختلفة من العالم، من أبرزها حرب فيتنام والحرب الكورية، إضافة إلى تدخلاتها في كوبا وغرينادا وبنما، ثم لاحقًا حربيها في العراق وأفغانستان. وقد تركت هذه الحروب آثارًا عميقة على استقرار تلك الدول وعلى صورة السياسة الأمريكية عالميًا.
ورغم اختلاف توجهات الإدارات الأمريكية، فإن السياسة الخارجية غالبًا ما تظل محكومة بالمصلحة القومية الأمريكية أولًا. وقد برز هذا بشكل واضح خلال إدارة دونالد ترامب، التي اتسمت بسياسات متناقضة ومزاجية، تثير التساؤلات حتى داخل الولايات المتحدة نفسها حول مستقبل هذه السياسة، وإلى أين يمكن أن تقود مكانة البلاد في العالم. فبينما يقدّم ترامب نفسه داعية للسلام، تتخذ إدارته في المقابل مواقف تصعيدية في ملفات متعددة، من تهديد الحلفاء إلى الانخراط في صراعات عسكرية جديدة.
وفي الداخل الأمريكي، عبّر عدد من قيادات وأنصار الحزب الديمقراطي الأمريكي عن رفضهم لتوسيع دائرة الحروب، خاصة مع إيران، معتبرين أن التجارب السابقة مثل غزو العراق عام 2003 والحرب في أفغانستان أثبتت أن التدخلات العسكرية المكلفة لم تحقق الاستقرار المنشود، بل أرهقت الاقتصاد الأمريكي وأثرت على صورته الدولية.
فعلى سبيل المثال، فإن سلسلة الأحداث منذ عملية طوفان الأقصى وصولًا إلى الحرب الدائرة مع إيران، تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الحروب تخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية أم تأتي في سياق دعم أمن إسرائيل بشكل مباشر. فحجم الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل أثار انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وعكس ارتباط السياسة الأمريكية بشكل كبير بمصالح حليفتها الإسرائيلية.
أما على المستوى الدولي، فمن غير المرجح أن تقف قوى كبرى مثل الصين وروسيا موقف المتفرج إزاء الانفراد الأمريكي بالقرار العالمي. فاستمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى بروز توازنات جديدة وربما نظام متعدد الأقطاب، يحدّ من التفرد الأمريكي ويعيد الاعتبار لمبدأ احترام سيادة الدول.
كما أن استمرار الحروب والتدخلات العسكرية يحمل مخاطر على الاستقرار العالمي، إذ يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى وانتشار النزاعات والتطرف، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للنظام الدولي وأمن الدول. من هنا تبرز الحاجة إلى عقلانية سياسية وحوار دولي جاد يعيد الاعتبار لقواعد القانون الدولي ويضع حدًا لسياسات الهيمنة والانفراد بالقرار.
وفي النهاية، يبدو أن العالم اليوم يقف أمام مرحلة مفصلية. فاستمرار سياسات الهيمنة وفرض الإرادة بالقوة تجاوز حدود المصالح المشروعة، وأصبح تهديدًا حقيقيًا لمستقبل الأمن والاستقرار العالميين. لذلك من الضروري أن تعمل دول العالم، عبر مؤسساتها الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، على تعزيز التعاون والتوازن في العلاقات الدولية، وبناء تحالفات تحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب، بعيدًا عن منطق القوة وحده.
إن العالم بحاجة إلى نظام دولي أكثر عدلًا وتوازنًا، يقيه مخاطر الفوضى والصراعات، ويحفظ الأمن والسلم الدوليين، ويضمن ألا تبقى قرارات الحرب والسلم رهينة إرادة قوة واحدة، مهما بلغت عظمتها.




