كتب الدكتور رياض نجم: روسيا والعالم العربي: أكثر من قرنين من الشراكة والحضور الحضاري
لقد مرت هذه العلاقات بسلسلة من المراحل المفصلية، بدأت مع الحقبة الإمبراطورية الروسية، ثم انتقلت إلى مرحلة الثورة الروسية وما أعقبها من نشوء الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الانهيار في تسعينيات القرن العشرين، وانتهاءً بالمرحلة الراهنة التي استعادت فيها روسيا موقعها كفاعل دولي مؤثر في الشرق الأوسط.
كتب الدكتور رياض نجم: روسيا والعالم العربي: أكثر من قرنين من الشراكة والحضور الحضاري
✍️كتب الدكتور رياض نجم رئيس جمعية الصداقة اللبنانية الروسية ومدير عام منصة pravda tv
لا يمكن اختزال العلاقات بين روسيا والعالم العربي في إطارها السياسي أو الدبلوماسي فحسب، بل هي منظومة تاريخية متكاملة من التفاعلات الحضارية والثقافية والدينية والاقتصادية والعلمية، امتدت عبر قرون وشهدت تحولات عميقة عكست تطورات النظام الدولي نفسه.
لقد مرت هذه العلاقات بسلسلة من المراحل المفصلية، بدأت مع الحقبة الإمبراطورية الروسية، ثم انتقلت إلى مرحلة الثورة الروسية وما أعقبها من نشوء الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الانهيار في تسعينيات القرن العشرين، وانتهاءً بالمرحلة الراهنة التي استعادت فيها روسيا موقعها كفاعل دولي مؤثر في الشرق الأوسط.
يمثل العالم العربي بالنسبة لروسيا فضاءً استراتيجياً متعدّد الأبعاد؛ فهو الامتداد الجنوبي الحيوي لها جغرافياً، وموطن مراكز دينية وثقافية عريقة حضارياً، ومفترق طرق تاريخي للتجارة العالمية اقتصادياً، وساحة توازنات سياسية معقّدة على المستوى الدولي.
وقد تميزت هذه العلاقات بكونها لم تُبنَ فقط على المصالح السياسية الضيقة، بل ارتكزت أيضاً على أسس إنسانية وثقافية وتعليمية عميقة. ففي القرن التاسع عشر، لعبت روسيا دوراً محورياً في دعم المجتمعات الأرثوذكسية في بلاد الشام وفلسطين، وأسهمت في نشر التعليم وبناء المؤسسات الاجتماعية. وفي القرن العشرين، تحولت إلى شريك أساسي للدول العربية في مسارات التحرر والتنمية. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد عادت لتضطلع بدور فاعل في تحقيق الاستقرار الإقليمي وتعزيز التعاون متعدد المجالات.
أولاً: البدايات الأولى للعلاقات في العصر الإمبراطوري
تعود الإرهاصات الأولى للعلاقات المنظمة بين روسيا والعالم العربي إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين بدأت روسيا تفرض حضورها كقوة دولية صاعدة في الشرق الأوسط.
شهدت هذه المرحلة إنشاء شبكة من البعثات الدبلوماسية والقنصلية الروسية في المشرق العربي، إلى جانب إرسال بعثات دينية وعلمية وثقافية إلى مناطق مختلفة، ولا سيما بلاد الشام وفلسطين.
وقد شكل الدور الروسي كحامٍ للطوائف الأرثوذكسية داخل الدولة العثمانية أحد أبرز العوامل التي عززت هذه العلاقات. فقد اعتبرت روسيا نفسها مسؤولة عن حماية المسيحيين الأرثوذكس في الشرق، وهو ما منحها مكانة خاصة لدى هذه المجتمعات.
غير أن هذا الدور لم يكن دينياً فحسب، بل امتد ليشمل مجالات التعليم والثقافة والخدمات الاجتماعية، حيث دعمت روسيا المدارس والمؤسسات التعليمية، وشجعت النشاط الثقافي، وساهمت في دعم البنية المجتمعية المحلية.
ثانياً: روسيا كحامية للأرثوذكسية في المشرق العربي
برزت روسيا خلال القرن التاسع عشر كقوة راعية للأرثوذكسية في العالم العربي، حيث اضطلعت بدور محوري في حماية المجتمعات الأرثوذكسية في المناطق الخاضعة للحكم العثماني.
وقد انعكس هذا الدور إيجاباً على المجتمعات في سوريا ولبنان وفلسطين، إذ وفر لها دعماً سياسياً وثقافياً ودينياً، وأسهم في تعزيز حضورها الاجتماعي والديني.
كما دعمت روسيا المؤسسات الكنسية والتعليمية، وأسهمت في تطوير البنية التحتية الدينية والثقافية، ما عزز الروابط بينها وبين المجتمعات المحلية التي نظرت إليها كحليف داعم لهويتها واستقرارها.
ثالثاً: الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية ودورها الحضاري
تُعد الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية من أبرز أدوات الحضور الروسي في الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر.
تأسست هذه الجمعية عام 1882 بقرار من الإمبراطور ألكسندر الثالث، واضطلعت بأدوار متعددة شملت دعم الحجاج الأرثوذكس، وتشجيع البحث العلمي، وتعزيز التعاون الثقافي مع شعوب المنطقة.
أنشأت الجمعية شبكة واسعة من المدارس في سوريا ولبنان وفلسطين، تجاوز عددها المئة مدرسة قبيل الحرب العالمية الأولى، إلى جانب معاهد لإعداد المعلمين، وقدمت التعليم مجاناً، مما ساهم في نشر المعرفة بين مختلف الفئات الاجتماعية.
كما أسست مستشفيات ومراكز طبية، وأسهمت في تطوير البنية التحتية، خصوصاً في القدس، إلى جانب تنظيم بعثات علمية وأثرية أسهمت في دراسة تاريخ المنطقة ونشر المعرفة حولها.
رابعاً: توسّع النفوذ الروسي في القرن التاسع عشر
شهد القرن التاسع عشر توسعاً تدريجياً للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط عبر قنوات متعددة، شملت العمل الدبلوماسي، والوجود القنصلي، والنشاط الثقافي والعلمي.
أسهمت المؤسسات التعليمية والبعثات البحثية الروسية في تعزيز التفاهم الحضاري بين روسيا وشعوب المنطقة، وأنتجت معرفة علمية مهمة حول تاريخ الشرق الأوسط وثقافته.
ومن اللافت أن الحضور الروسي في هذه المرحلة اتسم بطابع مختلف عن الأنماط الاستعمارية الأوروبية، إذ ارتكز بدرجة أكبر على التعاون الثقافي والإنساني والديني.
خامساً: التحول في ظل الاتحاد السوفياتي
مع اندلاع الثورة الروسية، دخلت العلاقات الروسية العربية مرحلة جديدة، تزامنت مع قيام الاتحاد السوفياتي كنظام اشتراكي.
رغم التغير الأيديولوجي العميق، استمر الاهتمام بالعالم العربي، ولكن ضمن إطار دعم حركات التحرر الوطني ومساندة الدول الساعية للاستقلال والتنمية.
لعب الاتحاد السوفياتي دوراً بارزاً في دعم الحركات السياسية ذات التوجه الاشتراكي، وساهم في تأسيس أحزاب شيوعية عربية، إلى جانب تقديم دعم اقتصادي وعسكري للدول التي كانت تواجه الهيمنة الاستعمارية.
سادساً: العلاقات مع السعودية واليمن ومصر في عشرينيات القرن العشرين
شهدت عشرينيات القرن الماضي انطلاقة العلاقات الدبلوماسية السوفياتية مع عدد من الدول العربية.
ففي عام 1926، كان الاتحاد السوفياتي أول دولة تعترف بـ المملكة العربية السعودية، وقد لعب الدبلوماسي كريم حكيموف دوراً محورياً في توطيد هذه العلاقة.
كما أقام علاقات مع اليمن عام 1928 عبر معاهدة صداقة، بينما بدأت العلاقات مع مصر رسمياً عام 1943، لتتطور بشكل ملحوظ لاحقاً.




