كتب عدنان علامه:حزب الله ليس ميليشيا… بل مقاومة فرضها الاحتلال وصمت العرب
فبعد حرب تموز 2006، تم توقيع وقف إطلاق النار، بجهد دبلوماسي كبير شارك فيه وفد عربي رفيع موفد من الجامعة العربية برعاية وزير الخارجية القطري آنذاك.

حزب الله ليس ميليشيا… بل مقاومة فرضها الاحتلال وصمت العرب
كتب عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في تصريحٍ جديد يفتقر إلى الدقة السياسية والقانونية، اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن حزب الله “ميليشيا تصر على تعريض لبنان وشعبه ومقدراته إلى مخاطر متزايدة”.
لكن هذا التوصيف لا يصمد أمام الحقائق القانونية والتاريخية، بل يعكس أزمة أعمق يعيشها النظام العربي الرسمي الذي اختار الصمت أمام العدوان، ثم وجد في المقاومة شماعة يعلّق عليها عجزه المزمن.
أولًا: حزب الله ليس ميليشيا، بل جبهة مقاومة اعترفت بها الحكومات اللبنانية
وإن وصف حزب الله بالميليشيا، يتجاهل حقيقة أساسية: أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة، في بياناتها الوزارية منذ عام 2005 وحتى اليوم، أقرت صراحة بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة كركيزة للدفاع عن لبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وبذلك فإن المقاومة لم تكن ظاهرة خارجة عن الشرعية، بل جزءًا من المنظومة الدفاعية التي أقرّتها الدولة اللبنانية نفسها عندما عجزت عن حماية حدودها وردع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
كما أن القانون الدولي نفسه، يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، في مقاومة الاحتلال، بكل الوسائل المشروعة، وفق ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات الجمعية العامة.
ثانيًا: أين كانت الجامعة العربية خلال 15 شهرًا من العدوان؟
السؤال الذي يفرض نفسه: أين كانت الجامعة العربية طيلة خمسة عشر شهرًا من العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان؟
فبعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024، برعاية أمريكية وفرنسية، ووفق القرار 1701، كان من المفترض أن تلتزم إسرائيل ببند أساسي، هو وقف الأعمال العدائية ضد لبنان.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ فقد واصلت إسرائيل اعتداءاتها الجوية والبرية بشكل شبه يومي، وسط صمت عربي مطبق، وكأن لبنان خرج من خريطة الاهتمام العربي.
لم تصدر مواقف حازمة، ولم تُفعَّل آليات الضغط الدبلوماسي، ولم يتحرك مجلس الأمن بجدية، فيما بقيت الجامعة العربية شاهدة صامتة على خروقٍات يومية لوقف إطلاق النار.
ثالثًا: لبنان تحت الاحتلال والدولة عاجزة عن حماية سيادته
من الضروري تذكير السيد أبو الغيط بحقيقة لا يمكن القفز فوقها: لبنان ما زال يواجه إحتلالًا وعدوانًا إسرائيليًا مستمرًا.
فالدولة اللبنانية، رغم شرعيتها، تعاني من ضعف بنيوي في قدرتها العسكرية والسياسية على ردع إسرائيل، التي تنتهك السيادة اللبنانية برًا وبحرًا وجوًا منذ عقود.
وفي ظل هذا الواقع، كان يفترض بالجامعة العربية أن تكون مظلة سياسية للدفاع عن لبنان، لكنها فضّلت الصمت.
ذلك الصمت الذي استمر خمسة عشر شهرًا لم يكن مجرد موقف سلبي، بل تحول عمليًا إلى تشجيع غير مباشر لإسرائيل على التمادي في عدوانها ( أكثر من 15000 جريمة حرب) .
رابعًا: عودة عمليات المقاومة بعد تخلي الدولة والنظام العربي
حين عاودت المقاومة تنفيذ عملياتها العسكرية، لم يكن ذلك إندفاعًا نحو التصعيد كما يُصوَّر، بل رد فعل طبيعي على إستمرار الاحتلال والاعتداءات.
فالمقاومة لم تتحرك إلا بعد أن تخلّت الدولة العربية والنظام الرسمي ةالعربي عن واجب الدفاع عن لبنان، وهو واجب نصّ عليه الدستور اللبناني الذي يفرض حماية الأرض والشعب والسيادة.
وعندما تغيب الدولة، الجامعة العربية، وتغيب آليات الردع الدولية، يصبح من الطبيعي أن تتحرك القوى التي تملك القدرة على ردع العدوان والدفاع عن البلاد.
خامسًا: الصمت العربي هو الذي شجّع إسرائيل على العدوان
الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها، هي أن الخطر على لبنان لم تصنعه المقاومة، بل صنعه الصمت العربي.
فعندما أطلقت المقاومة عددًا محدودًا من الصواريخ، إنكشفت سريعًا النيات الإسرائيلية المبيتة لشن عدوان واسع على لبنان وقيادة حزب الله.
وقد إعترفت القيادتان السياسية والعسكرية في إسرائيل لاحقًا، بأن خطط العدوان كانت جاهزة مسبقًا، وأن الذريعة كانت مجرد توقيت.
وهذا يعني أن المشكلة لم تكن في صواريخ المقاومة، بل في مشروع عدواني إسرائيلي ينتظر اللحظة المناسبة.
سادسًا: المقاومة حمت لبنان 18 عامًا… بينما غابت الجامعة العربية
فالتاريخ القريب يقدم شهادة واضحة.
فبعد حرب تموز 2006، تم توقيع وقف إطلاق النار، بجهد دبلوماسي كبير شارك فيه وفد عربي رفيع موفد من الجامعة العربية برعاية وزير الخارجية القطري آنذاك.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 2024، نجحت معادلة الردع التي فرضتها المقاومة في حماية لبنان لمدة 18 عامًا من حرب واسعة ومن أي خرق.
لكن المشهد تغيّر بعد السابع من تشرين الأول (طوفان الأقصى).
فبينما بدأت المقاومة الإسلامية عملية الإسناد لغزة، بعد أن تخلى عنها معظم العرب، ودفعت ثمنًا باهظًا من الشهداء والضحايا، من بينهم شهداء وجرحى عدوان البيجر وارتقاء الشهيد الأسمى السيد حسن نsر الله.
ورغم ذلك، كانت إسرائيل هي التي طلبت وقف إطلاق النار لاحقًا، ليُعلن الاتفاق في 27 تشرين الثاني 2024 برعاية أمريكية فرنسية.
لكن الولايات المتحدة، وبدل أن تكون ضامنًا نزيهًا للاتفاق، وقّعت مع إسرائيل وثيقة جانبية سرية أعطتها عمليًا الضوء الأخضر لإستباحة كل لبنان.
والنتيجة كانت كارثية:
📌أكثر من 15 ألف خرق وجريمة حرب
نحو 600 شهيد
وتدمير مئات الآليات المخصصة لإعادة الإعمار
وسط غياب شبه كامل لمجلس الأمن والجامعة العربية.
خاتمة
فإن ما يجري اليوم يذكّرنا بقصة رمزية موجعة:
“عدد من الجنود اقتحموا قرية، فاغتصبوا نساءها جميعًا، إلا امرأة قاومت الجندي وقتلته وقطعت رأسه دفاعًا عن شرفها.
لكن بدل أن تُكرَّم، هاجمتها بقية النساء وقتلنها… كي لا تبقى شاهدة على عار إستسلامهن”.
هذه هي مأساة واقعنا العربي اليوم.
فبدل أن تُدعَم المقاومة التي تقاوم الاحتلال، يجري عزلها وتشويهها ومحاربتها كي لا تبقى شاهدة على عجز النظام العربي الرسمي وانبطاحه أمام الإرادة الأمريكية.
فلذلك، قبل أن يتهم السيد أبو الغيط المقاومة بتعريض لبنان للخطر، ربما كان الأجدر به أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا:
من الذي ترك لبنان وحيدًا في مواجهة الاحتلال؟
فالتاريخ لا يرحم.
وفي لحظات المحن الكبرى، لا يتذكر الناس من صمتوا… بل يتذكرون من قاوموا.



