اخبار لبنان
أخر الأخبار

كتب عدنان علامه:حين يتحدث “غوبلز” العصر  عن القانون الدولي

فحين يصبح الاحتلال هو من يلقي الدروس في احترام القانون، فهو كالعاهرة التي تحاضر عن العفة والشرف.

حين يتحدث “غوبلز” العصر  عن القانون الدولي

✍️✍️عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

إنه تمهيد دعائي لاستهداف المسعفين في كل لبنان.

في كل عدوان تشنّه إسرائيل على لبنان، أو فلسطين، يتكرر المشهد ذاته: حملة دعائية تمهّد للرأي العام الدولي لتبرير استهداف منشآت مدنية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.

وفي هذا السياق جاء التحذير الذي نشره المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي الذي انتهت خدمته في شباط الماضي ويخدم حاليًا كضابط إحتیاط بعد أن فشلت إيلا واوية في عَملها ، ولأنها لا تجيد الكذب ببراعة كأدرعي.

فقد زعم أدرعي أنَّ حزب الله يستخدم سيارات الإسعاف والمرافق الطبية لأغراض عسكرية، ملوّحًا بأن إسرائيل ستتحرك “وفقًا للقانون الدولي”.

غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن آخر من يحق له الحديث عن القانون الدولي، هو جيش الاحتلال نفسه، الذي لم يكتفِ بخرق قواعد القانون الدولي الإنساني، بل نسفها بشكلٍ ممنهج خلال الحروب الأخيرة في غزة ولبنان.

فالقانون الدولي يقوم على مبادئ أساسية في النزاعات المسلحة، أبرزها مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ومبدأ التناسب، إضافة إلى الحماية المطلقة للمرافق الطبية والطواقم الإسعافية. وهذه المبادئ لم تكن يومًا جزءًا من السلوك العسكري الإsرائيلي على أرض الواقع.

والأكثر دلالة أن قوات الإحتلال لم تلتزم حتى بالاتفاقات التي وقّعتها بنفسها.

فبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024، استمرت إعتداءات قوات الإحتلال الجوية والبرية، في خرق واضح للاتفاق وللقواعد الأساسية للقانون الدولي.

وبالتالي فإن التلويح اليوم بالقانون الدولي؛ لا يبدو سوى محاولة جديدة لتوظيفه كأداة دعائية، لا كإطار قانوني ملزم.

أما الإدعاء باستخدام سيارات الإسعاف لأغراض عسكرية، فهو إتهام يتكرر في الخطاب الإسرائيلي كلما أرادت تل أبيب خلق مبرر مسبق لاستهداف منشآت طبية أو فرق إسعاف.

فبموجب اتفاقيات جنيف، تتمتع سيارات الإسعاف والمستشفيات والطواقم الطبية بحماية خاصة، ولا يجوز استهدافها تحت أي ظرف إلا إذا ثبت استخدامها المباشر لأعمال عسكرية.

وبعد توجيه إنذار واضح يمنح فرصة فعلية لوقف هذا الإستخدام. لكن التجربة الميدانية في غزة ولبنان أظهرت أن هذه الاتهامات غالبًا ما تُستخدم كذريعة دعائية قبل تنفيذ الضربات.

وما يزيد خطورة هذا الخطاب هو السياق العقائدي الذي يرافقه.

فخلال الأشهر الماضية برزت في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي إشارات متكررة إلى مفاهيم توراتية مثل “العماليق”، وهي مفاهيم تُستخدم تاريخيًا لتجريد الخصم من إنسانيته وتصويره كعدو وجودي يجب القضاء عليه.

وعندما يجري إسقاط مثل هذه التصنيفات على سكان مناطق بأكملها، فإنها تتحول عمليًا إلى إطار أيديولوجي يبرر استهداف المدنيين ومنشآتهم الحيوية.

في هذا السياق، يصبح التحذير الإسرائيلي الأخير أكثر من مجرد بيان إعلامي؛ فهو جزء من بناء سردية مسبقة تهدف إلى نقل المسؤولية عن أي استهداف محتمل للمرافق الطبية من المعتدي إلى الضحية.

إنها محاولة لتبديل الأدوار: حيث يتحول المسعف إلى مشتبه به، والضحية إلى متهم، بينما يسعى الفاعل العسكري إلى تقديم نفسه كمدافع عن القانون الدولي.

غير أن هذه السردية تصطدم بحقيقة قانونية وسياسية واضحة: فالقانون الدولي الإنساني لا يُطبَّق انتقائيًا، ولا يمكن استخدامه كشعار لتبرير إستهداف المدنيين.

فقوات الكيان المؤقت التي تستمر في خرق اتفاقات وقف إطلاق النار، وقصف المناطق السكنية، وتستهدف البنية التحتية المدنية، لا يمكنها الادعاء بأنها تتحرك تحت مظلة القانون الدولي.

إن حماية الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف ليست تفصيلًا إجرائيًا في القانون الدولي، بل هي إحدى الركائز الأخلاقية التي قام عليها هذا القانون بعد مآسي الحروب العالمية.

وأي محاولة لتقويض هذه الحماية تمثل سابقة خطيرة تفتح الباب أمام تحويل المسعفين أنفسهم إلى أهداف في الحروب.

من هنا، فإن مواجهة هذا النوع من الخطاب لا تقتصر على الرد الإعلامي، بل تتطلب أيضًا فضح محاولات تسييس القانون الدولي وتحويله إلى أداة دعائية.

فحين يصبح الاحتلال هو من يلقي الدروس في احترام القانون، فهو كالعاهرة التي تحاضر عن العفة والشرف.

لكن في الواقع، لا تقاس الحقيقة بإدعاء “غوبلز” العصر ، بل بعدد الضحايا الذين يسقطون عندما تتحول الأكاذيب إلى غطاء لجرائم الحرب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »