كتب عدنان علامه:حين يتحدث “غوبلز” العصر عن القانون الدولي
فحين يصبح الاحتلال هو من يلقي الدروس في احترام القانون، فهو كالعاهرة التي تحاضر عن العفة والشرف.

حين يتحدث “غوبلز” العصر عن القانون الدولي
✍️✍️عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في كل عدوان تشنّه إسرائيل على لبنان، أو فلسطين، يتكرر المشهد ذاته: حملة دعائية تمهّد للرأي العام الدولي لتبرير استهداف منشآت مدنية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.
فقد زعم أدرعي أنَّ حزب الله يستخدم سيارات الإسعاف والمرافق الطبية لأغراض عسكرية، ملوّحًا بأن إسرائيل ستتحرك “وفقًا للقانون الدولي”.
فالقانون الدولي يقوم على مبادئ أساسية في النزاعات المسلحة، أبرزها مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ومبدأ التناسب، إضافة إلى الحماية المطلقة للمرافق الطبية والطواقم الإسعافية. وهذه المبادئ لم تكن يومًا جزءًا من السلوك العسكري الإsرائيلي على أرض الواقع.
فبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024، استمرت إعتداءات قوات الإحتلال الجوية والبرية، في خرق واضح للاتفاق وللقواعد الأساسية للقانون الدولي.
أما الإدعاء باستخدام سيارات الإسعاف لأغراض عسكرية، فهو إتهام يتكرر في الخطاب الإسرائيلي كلما أرادت تل أبيب خلق مبرر مسبق لاستهداف منشآت طبية أو فرق إسعاف.
فبموجب اتفاقيات جنيف، تتمتع سيارات الإسعاف والمستشفيات والطواقم الطبية بحماية خاصة، ولا يجوز استهدافها تحت أي ظرف إلا إذا ثبت استخدامها المباشر لأعمال عسكرية.
وبعد توجيه إنذار واضح يمنح فرصة فعلية لوقف هذا الإستخدام. لكن التجربة الميدانية في غزة ولبنان أظهرت أن هذه الاتهامات غالبًا ما تُستخدم كذريعة دعائية قبل تنفيذ الضربات.
فخلال الأشهر الماضية برزت في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي إشارات متكررة إلى مفاهيم توراتية مثل “العماليق”، وهي مفاهيم تُستخدم تاريخيًا لتجريد الخصم من إنسانيته وتصويره كعدو وجودي يجب القضاء عليه.
وعندما يجري إسقاط مثل هذه التصنيفات على سكان مناطق بأكملها، فإنها تتحول عمليًا إلى إطار أيديولوجي يبرر استهداف المدنيين ومنشآتهم الحيوية.
إنها محاولة لتبديل الأدوار: حيث يتحول المسعف إلى مشتبه به، والضحية إلى متهم، بينما يسعى الفاعل العسكري إلى تقديم نفسه كمدافع عن القانون الدولي.
غير أن هذه السردية تصطدم بحقيقة قانونية وسياسية واضحة: فالقانون الدولي الإنساني لا يُطبَّق انتقائيًا، ولا يمكن استخدامه كشعار لتبرير إستهداف المدنيين.
إن حماية الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف ليست تفصيلًا إجرائيًا في القانون الدولي، بل هي إحدى الركائز الأخلاقية التي قام عليها هذا القانون بعد مآسي الحروب العالمية.
وأي محاولة لتقويض هذه الحماية تمثل سابقة خطيرة تفتح الباب أمام تحويل المسعفين أنفسهم إلى أهداف في الحروب.
فحين يصبح الاحتلال هو من يلقي الدروس في احترام القانون، فهو كالعاهرة التي تحاضر عن العفة والشرف.



