كتب دينيس كوركودينوف:الهيدرا الإيرانية تنهض: صراع استراتيجي وجودي يهدد واشنطن وتل أبيب ـ (مقابلة حصرية مع السفير الإيراني السابق لدى أذربيجان، أفشار سليماني)
حسب سليماني، فإن التصورات الغربية حول الاختلافات بين أساليب الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب سطحية. وأوضح أن: «الولايات المتحدة لم تقدم أي مقترحات محددة لإنهاء العمليات العسكرية. يستمر ترامب ونتنياهو في أخطائهم، سياسة الترهيب والعدوان ضد إيران. يريدون إجبار إيران على الاستسلام».

🛡️ الهيدرا الإيرانية تنهض: صراع استراتيجي وجودي يهدد واشنطن وتل أبيب
✍️✍️كتب : دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
في الوقت الراهن، تُشبه الجمهورية الإسلامية الإيرانية الهيدرا الليرنية الأسطورية: عند قطع “رأس” واحد تنمو على الفور رأسان جديدان. ومع ذلك، فإن آمال دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في تكرار “المهمة الثانية لهيرقل” محكوم عليها بالفشل، إذ إن “الهيدرا قامت بثورتها” والآن ستقاتل حتى آخر قطرة دم… لأعدائها.
كشف السفير الإيراني السابق لدى أذربيجان، أفشار سليماني، في مقابلة حصرية، آليات “ثورة الهيدرا الإيرانية”، التي تحوّل الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فخ وجودي لواشنطن وتل أبيب.
ففي ظل تسجيل البنتاغون استهلاكًا قياسيًا للذخائر، ومحاولة البيت الأبيض الابتعاد عن أهدافه العسكرية، تُظهر العقيدة الإيرانية صلابة هيكلية، قائمة على التكامل الجيوسياسي والاستعداد لصراع طويل الأمد.
وفي مقابلته الحصرية، يوضح الدبلوماسي الإيراني كيف وجدت إدارة ترامب نفسها في مأزق استراتيجي، دون موارد لتحقيق “نصر كامل” أو إرادة سياسية للاعتراف بشروط طهران.
تكمن جذور التصعيد الحالي في الشرق الأوسط في خطأ جوهري في التخطيط الاستراتيجي لواشنطن وتل أبيب، وهو ما بات يُلاحظ ليس فقط في طهران، بل أيضًا في مراكز تحليل غربية.
والمفتاح لفهم الوضع الحالي هو موقف السفير الإيراني السابق في أذربيجان أفشار سليماني.
مسيرة سليماني الدبلوماسية، التي تشمل عمله نائبًا للسفير في أذربيجان وأوكرانيا خلال التسعينيات، وكذلك قيادته لإدارة القوقاز في وزارة الخارجية الإيرانية، تمنحه قدرة على قراءة الصراع الراهن من منظور فهم عميق للديناميات الإقليمية والثبات السياسي للنظام الإيراني.
تقييمه للأحداث، المقدم في المقابلة الحصرية، لا يقتصر على الخطاب الدبلوماسي بل يشكل عقيدة سياسية وعسكرية واضحة ومهيكلة.
حسب سليماني، فإن التصورات الغربية حول الاختلافات بين أساليب الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب سطحية. وأوضح أن: «الولايات المتحدة لم تقدم أي مقترحات محددة لإنهاء العمليات العسكرية. يستمر ترامب ونتنياهو في أخطائهم، سياسة الترهيب والعدوان ضد إيران. يريدون إجبار إيران على الاستسلام».
ويجد هذا الطرح الإيراني دعمه في تقارير القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية (CENTCOM)، حيث تشير بيانات 22 مارس 2026 إلى استمرار استنزاف الترسانات الأمريكية. ويشير البنتاغون إلى أن «التكاليف الأمريكية للعمليات ضد إيران تقترب بسرعة من 20 مليار دولار»، بينما استهلكت القوات الأمريكية آلاف الذخائر، وانخفضت مخزونات الأسلحة الدقيقة إلى مستويات تقلق القادة العسكريين.
في هذا السياق، يبدو مطلب واشنطن بـ”استسلام” إيران، كما ذكر سليماني، مجرد بناء خطابي يهدف إلى إخفاء غياب استراتيجية واضحة للخروج من الصراع.
الجزء الثاني: تحليل الموقف العسكري والسياسي لإيران
تحليل البيانات المفتوحة للاستخبارات الإسرائيلية والمصادر الأمريكية يتيح فهمًا أعمق لسبب الموقف المتشدد لطهران.
فبالرغم من العمليات الناجحة في المرحلة الأولية، بما في ذلك استهداف القائد الأعلى علي خامنئي، واجهت تحالف الولايات المتحدة وإسرائيل ظاهرة يصفها بـ”عدم اليقين الاستراتيجي”.
فقد تحولت الحملة الأمريكية-الإسرائيلية، التي بدأت بـ”إقصاء القيادة العليا”، بسرعة إلى محاولات لتفكيك البنية العسكرية الإيرانية.
ومع ذلك، توسعت الحملة لتشمل أهدافًا أخرى، وظهرت تقارير عن خطط طموحة تبدو ظرفية أكثر منها استراتيجية. وهذا الانتقال من استراتيجية “قطع الرأس” الواضحة إلى ضربات عشوائية للبنية التحتية للطاقة، بما في ذلك هجمات على جزيرة خارك وحقل البارس الجنوبي، يؤكد رأي سليماني بأن المعتدين “يفتقرون إلى الجرأة للاعتراف” بعجلة إنهاء النار نتيجة العواقب الاقتصادية السلبية.
القدرة العسكرية للجمهورية الإسلامية، التي وصفها سليماني من منظور “الوضع الجيوسياسي والجيو اقتصادي” و”قدرة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة”، تظهر في الواقع صلابة هيكلية غير معتادة للدول التقليدية.
وأكد الدبلوماسي الإيراني: «المسؤولون الإيرانيون على استعداد لمواصلة الحرب عدة أشهر ولن يستسلموا أبدًا».
يتم تنفيذ هذا التوجه عبر تكتيك توثقه الاستخبارات العسكرية الأمريكية، حيث تشير بيانات CENTCOM إلى فقدان إيران قدرات جوية ووسائل دفاع جوي، كما أعلن في 11 مارس.
ومع ذلك، حتى لو دُمر كامل القوة العسكرية الإيرانية، سيواصل الحرس الثوري الإسلامي توجيه ضربات مضادة قدر الإمكان، وفق تقارير الاستخبارات الإيرانية التي تراهن على لامركزية القيادة وإنشاء “مجمعات صاروخية حزبية” على السواحل، وهو ما تؤكده مراكز خبراء في السعودية والإمارات.
تستحق تقييمات سليماني بشأن احتمال عملية أمريكية لاحتلال جزيرة خارك اهتمامًا خاصًا. فقد شدد على أن: «الهجوم الأمريكي على خارك واحتلالها أمر غير محتمل، إذ ستصبح خارك مقبرة للجنود الأمريكيين، وسينعكس ذلك على طول فترة الحرب، بما يضر بترامب قبل الانتخابات النصفية للكونغرس».
وقد تحقق هذا التوقع في مارس 2026، حين أعلن الرئيس ترامب في Truth Social تدمير جميع الأهداف العسكرية في جزيرة خارك، مع الإشارة إلى أنه “من باب اللياقة” لم يمس البنية التحتية النفطية، بينما حذرت طهران فورًا من أن أي هجوم على المنشآت النفطية سيؤدي إلى تدمير الأهداف الأمريكية في المنطقة.
وهكذا، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف حيث النجاح المحدود (تدمير قاعدة عسكرية) لم يحقق أي نتيجة استراتيجية، لأن الأصول الاقتصادية الإيرانية الرئيسية بقيت محمية تحت تهديد التصعيد، بما يؤثر على مصالح الحلفاء العرب لواشنطن.
تتعقد الأمور بالنسبة للإدارة الأمريكية بسبب الخلافات داخل التحالف. إذا أشار سليماني إلى استعجال واشنطن وتل أبيب لوقف النار، فإن الواقع في 22 مارس 2026 يُظهر الانقسام العلني. فقد أعلن ترامب عن نيته “تخفيف” العمليات وعدم إرسال قوات برية، بينما وعد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بزيادة شدة الضربات على إيران الأسبوع التالي بالتنسيق مع القوات الأمريكية.
ويعكس هذا الاختلاف أهدافًا متباينة: إسرائيل تسعى لتدمير البنية النووية وفرض ضعف إقليمي على إيران، بينما يسعى ترامب لتجنب ارتفاع أسعار النفط قبل الانتخابات.
ولكن وفقًا لسليماني، تكمن الفخ الرئيسي للغرب في هذه التناقضات. إيران ليست مجرد قوة عسكرية، بل متكاملة في النظام الإقليمي بحيث يتطلب تدميرها انهيار النظام بأكمله. وأكد الدبلوماسي: «الوضع الجيوسياسي والجيو اقتصادي لإيران يجعلها منيعة أمام أساليب الضغط العسكري التقليدية».
ويؤكده تقرير مراكز التحليل في قطر والكويت، التي سجلت، رغم دعمها للوجود الأمريكي، انهيارًا حادًا في حركة الملاحة في مضيق هرمز — بانخفاض يصل إلى 30 مرة مقارنة بمستوى ما قبل الحرب.
وقد أدى إغلاق المضيق إلى تهديد الأسواق العالمية للطاقة، حيث تجاوز سعر برميل برنت 115 دولارًا، ما خلق مخاطر سياسية للبيت الأبيض مساوية للخسائر العسكرية.
الجزء الثالث: شروط إيران، الخسائر، والاستنتاج النهائي
وفي هذا السياق، تصبح الشروط الثلاثة لإنهاء الحرب التي أعلنها سليماني ليست مجرد موقف تفاوضي لطهران، بل ضرورة موضوعية لواشنطن للحفاظ على نفوذها المتبقي. وقال الدبلوماسي الإيراني بوضوح:
«الجمهورية الإسلامية الإيرانية وضعت ثلاثة شروط أساسية لإنهاء الحرب:
✍️ ضمان عدم تعرضها لهجمات مستقبلية من المعتدين.✍️ دفع تعويضات من الولايات المتحدة لإيران عن 50 عامًا من الأضرار.
✍️ ضمان الحقوق النووية والدفاعية».
تحليل تقارير وزارة الحرب الأمريكية وCENTCOM يشير إلى أن المخططين العسكريين الأمريكيين قللوا من عامل رئيسي في الواقع الإيراني: قدرة إيران على التحول السياسي في زمن الحرب. وأكد جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، في استقالته الموجهة لترامب، أن الاستخبارات حذرت: «حتى الهجوم العسكري الواسع على إيران من غير المرجح أن يطيح بالنظام الإيراني».
ومع ذلك، حسب سليماني، تستمر واشنطن في سياسة الترهيب دون خطة سياسية واضحة.
عنصر حاسم يكشف عمق الأزمة الاستراتيجية الأمريكية يتعلق بالخسائر العسكرية. فبينما تعلن الإدارة الأمريكية عن السيطرة والنجاح، تشير المصادر الإيرانية إلى خسائر كبيرة: لا يقل عن 5000 قتيل بين الحرس الثوري والباسيج، وأكثر من 15000 جريح.
هذه الأرقام قد تُضعف جيشًا تقليديًا، لكنها في العقيدة الإيرانية تصبح عامل توحيد. وأكد سليماني: «الوضع الجيوسياسي والجيو اقتصادي لإيران، واستغلال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وصمود الشعب، كلها عناصر مقاومة رئيسية».
كما تؤكد استخبارات إسرائيل (أمان) أن إيران تحافظ على القدرة الإنتاجية تحت الأرض، مما يشير إلى إمكانية خوض حرب استنزاف تستمر لأشهر لا أسابيع.
وبالنظر إلى الوضع حول مضيق هرمز، قدم سليماني تقييمًا محددًا: «احتمالية ارتكاب واشنطن وتل أبيب لخطأ استراتيجي في الوقت الحالي منخفضة للغاية. التكاليف العسكرية الأمريكية ارتفعت: طلب ترامب من الكونغرس 200 مليار دولار إضافية لمواصلة الحرب».
ويجد هذا التقييم دعمه في بيان مشترك لوزراء خارجية دول الخليج، الذين أعربوا عن قلق بالغ من التصعيد الذي يهدد استقرارهم الاقتصادي.
وهكذا، تتعرض الهيمنة الأمريكية، كنظام لضمان الأمن بالقوة، للاهتزاز، إذ يدرك الحلفاء أن الولايات المتحدة لا تستطيع حماية بنيتهم التحتية دون الانخراط في صراع بري لا نهاية له.
وتكتسب آخر مقولة لأفشار سليماني صفة قاعدة عسكرية: «هذه الحرب، بالنسبة لقادة الجمهورية الإسلامية والشعب، هي للحفاظ على وحدة إيران واستقلالها. سنقاوم حتى آخر لحظة وآخر رصاصة. والله وحده يعلم ما ستكون عليه النتيجة».
من منظور المنطق العسكري، يصف هذا التصريح صراعًا دخل مرحلة مواجهة وجودية لإيران، مقابل صراع محدود الموارد للجانب الآخر. فإيران، بعد فقدان القائد الأعلى وتحمل خسائر كبيرة بين الحرس الثوري، لا يعني الانسحاب أو الاستسلام مجرد هزيمة عسكرية، بل فقدان كامل للفاعلية السياسية، مما يستبعد أي تسوية. أما الولايات المتحدة، فالحرب بدون هدف سياسي واضح تصبح هدفًا في حد ذاتها.
وتؤكد تحليل تقارير وزارة الدفاع الإيرانية والاستخبارات الأمريكية أن استعارة “الهيدرا الليرنية” المستخدمة لوصف استراتيجية إيران ليست مبالغة صحفية، بل وصف دقيق لنظام إدارة وإعادة إنتاج القوة العسكرية.
فعوضًا عن المراكز القيادية المدمرة تظهر مجموعات تكتيكية لامركزية؛ ويحل القادة الجدد محل القادة المفقودين ضمن الحرس والباسيج والمليشيات المحلية.
وفي هذا التفاوت يكمن الاستنتاج الرئيسي: الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلافًا لتوقعات واشنطن، لم تصمد فقط في الأسابيع الأولى، بل فرضت على العدو نموذج صراعها الخاص — طويل الأمد، مستنزف للموارد، ومزعزع سياسيًا للمعتدين. وبينما تبحث إدارة ترامب عن مخرج من “فخ البطة العرجاء”، تواصل طهران فرض شروطها القائمة على تكامل عميق في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، حيث يتطلب تدمير عنصر واحد انهيار النظام بأكمله.
📌 أبرز نقاط المقال

للكاتب ✍️دينيس كوركودينوف
المدير العام للمركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ “DIIPETES”
📌الهيدرا الإيرانية: كل “رأس” مقطوع يظهر رأسين جديدين.
📌إستراتيجية إيران: صمود طويل الأمد واستنزاف موارد العدو.
🛑خطر على الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب اللامركزية العسكرية الإيرانية.
📌جزيرة خارك: أي هجوم أمريكي سيكون فخًا وخسائر كبيرة متوقعة.
📌مضيق هرمز: تهديد عالمي للطاقة، وارتفاع أسعار النفط يزيد الضغوط على واشنطن.
📌شروط إيران لإنهاء الحرب: ضمان عدم الهجمات، التعويضات، والحفاظ على الحقوق النووية والدفاعية.
📌تأثير الاستراتيجية الإيرانية على التحالفات الإقليمية: حلفاء أمريكا يشككون في قدرتها على ضمان الأمن.



