الناطقة باسم جيش الاحتلال تهدد بوتين بالاغتيال: التصريح يتجاوز حدوده.. ويكشف ما تحت سطح العلاقة الروسية الإسرائيلية..
✍️كتب الدكتور سعد خلف – موسكو
تناقلت وسائل الاعلام الروسية يوم 14 مارس 2026 تصريحات تحمل طابعا تهديديا مباشرا في دلالاته للقيادة الروسية بالتصفية والاغتيال أدلت بها المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي الناطقة باللغة الروسية، واسمها آنا أوكولوفا، في مداخلة على منصة ار بي كا الإعلامية الروسية.
التهديدات التي صدرت عن أوكولوفا، وهي بالمناسبة من أصل أوكراني، حسبما تقول مصادر روسيا، وهاجرت مع عائلتها إلى إسرائيل عندما كان عمرها 12 عاما، حتى وإن لم تأت بصيغة حرفية صريحة، إلا أن دلالاتها كانت واضحة تماما لكل من يتحدث الروسية ولا مواربة فيها.
فالسيدة أوكولوفا تقول صراحة إن إسرائيل “تملك قدرات عالية وجدية تمكنها من الوصول إلى شخصيات مهمة جداً” واغتيالها إن رأت تل أبيب ضرورة ذلك، وتضيف في ذات التصريح أنها تأمل “ألا تكون موسكو في هذه اللحظة تريد الشر لإسرائيل”. الاقتباسات هنا من نص تصريحاتها التي قالتها على الهواء مباشرة في منصة إعلامية روسية.
إن هذا البناء اللغوي في القراءة الروسية، وأنا بالمناسبة تخصصي الأول هو في اللغويات الروسية، لا يمكن قراءته كتصريح إعلامي، لأن ما قالته الناطقة باسم جيش الكيان هو رسالة تهديد مشروط موجهة إلى من قد تصنفه إسرائيل كخصم، وبالتالي سيكون مستهدف جسديا للتصفية والاغتيال بغض النظر عن موقعه أو ثقله.
والمشكلة هنا، في رأيي، ليست في الجملة ذاته التي نطقت بها أوكولوفا، بل في النموذج الذي تعكسه والذي بالتالي علينا أن نتعاطى معه على انه النموذج الذي ترسخه إسرائيل في سياق حربها المفتوحة ضد إيران وضد كل من يعارض هذه الحرب ولو بمجرد الرأي والكلام.
لم تعد تل أبيب تكتفي بتقديم نفسها كفاعل دفاعي، وإنما تحاول ترسيخ صورة ذهنية لدى دول العالم وشعوبها وقادتها بقدرتها على الاغتيال والوصول إلى القيادات واستخدام ذلك كأداة ردع معلنة دون أن تخشى ملاحقة أو عقاب.
إن هذا الانتقال الوقح من السرية إلى العلنية، ومن الفعل الاجرامي إلى التباهي بالفعل الاجرامي، هو ما يعطي، من وجهة نظري الشخصية طبعا، لتصريح السيدة أوكولوفا وزنه الحقيقي في موسكو. فحين يتحول استهداف القيادات إلى لغة إعلامية..
طبيعية.. وأضع خطوطا هنا تحت كلمة طبيعية بعد إعلامية.. فإننا لا نكون بصدد تحليل خطاب، مجرد خطاب، بل نحن أمام محاولة إسرائيلية بجحة لإعادة رسم قواعد استخدام القوة ضد قيادات الدول.
الصحافة الروسية عند بحثي لكيفية تعاملها مع هذا التصريح وتغطيته وجدت بعضها، وهي صحف ووكالات كبيرة بالمناسبة، الميال بهذه الدرجة أو تلك وإن على استحياء لإسرائيل، حاولت إن تتعامل مع تصريح متحدثة جيش الكيان بوصفه تعبيرا عن تصعيد لغوي غير منضبط يعكس مناخا إسرائيليا مشحونا أكثر مما يعكس دقة سياسية.
وهذا أمر يثير العجب في الواقع، ذلك أن الممارسة الإسرائيلية الفعلية في إيران تصرخ في وجوهنا بأن هذا ليس ولا يمكن بحال أن يكون انزلاقا لغويا لناطقة باسم تل ابيب، وإنما ترجمة إعلامية لعقيدة عملياتية قائمة كانت سرية والان باتت معلنة، بل ويتباهى بها.
فكيف يمكن أن نتعامل مع ما يجري على أنه مجرد تصعيد، ونحن نراه انتقالا إلى نموذج يستهدف البنية القيادية للدولة؟ فقولي لي كيف يمكن أن نقرأ اغتيال علي لاريجاني، رجل السياسة الإيراني بعد هذه التصريحات بيومين فقط.
إن هذا النموذج الإسرائيلي إذا جرى تعميمه، ومن الواضح ان السياسة الإسرائيلية تنص على ذلك، فمعناه أن الخط الفاصل بين الحرب التقليدية وعمليات قطع الرأس قد تلاشى فعليا بالنسبة لإسرائيل.
بل نقول بوضوح إن هذه التصريحات الإسرائيلية لا يمكن قراءتها إلا في سياق أنها تعكس تفكيك وتدمير وإهالة التراب على الضوابط.. غير المكتوبة.. بين الدول الكبرى، خصوصا وأن ترامب منقاد أعمى وراء نتنياهو.
أما إسرائيل فكسرت ولا تزال تواصل كسر هذا الخط في تعاملها مع إيران، أما إذا كسرته مع دول أخرى وهذا ما يبدو أنها تنوي فعله، ولو حتى على مستوى الخطاب، فيعني ذلك الدخول في مرحلة فوضى استراتيجية مفتوحة.
كما أن النقطة التي تعطي هذا الجدل بعدا مختلفا تماما جاءت أمس، وبعد أيام قليلة من هذا التصريح، فأمس 19 مارس 2026 استهدف طيران الاحتلال الإسرائيلي مراسل قناة آر تي الناطقة بالإنجليزية وطاقم تصويره وهو على الهواء مباشرة من جنوب لبنان، وكان المراسل يرتدي شارة الإعلام ويقف في منطقة خالية من الوجود العسكري اللبناني، أي انه استهداف مع سبق الإصرار والترصد لمراسل قناة روسية حكومية بنية قتله.
الخارجية الروسية استدعت اليوم 20 مارس 2026 السفير الإسرائيلي لدى موسكو وقدمت له احتجاجا شديد اللهجة على إصابة فريق آر تي في جنوب لبنان، وهنا الحديث لم يعد عن مجرد خطاب بل عن ما يمكن وصفه بـ احتكاك ميداني مباشر.
إن هذا التزامن ليس عرضيا، فالجمع بين اتساع العمليات العسكرية وتصاعد اللغة التهديدية يعكس نمطا واضحا وهو سعي إسرائيلي لفرض قواعد اشتباك بالقوة، ثم تبريرها خطابيا.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالا مشروعا، لماذا لم يصدر رد روسي رسمي على تصريحات السيدة أوكولوفا التي تناولناها أول المقال؟ والاجابة هي، حسب فهمي للسلوك الروسي، لا تتعلق بالتقليل من أهمية التصريح، أو التهديد، بل بالعكس تماما، اختار الكرملين عدم الرد الرسمي لأنه يفهم جيدا طبيعة هذا التصريح.
فالرد الرسمي كان سيمنحه وزنا سياسيا لم يكن يملكه، ويحوله من مادة إعلامية إلى أزمة دبلوماسية قائمة بذاتها بين البلدين. لذلك تم التعامل معه وفق قاعدة روسية ثابتة وهي: لا تضخم ما يمكن احتواءه.
لكن الاستفهام الذي يظهر لدينا كمراقبين هو أليست البراغماتية غير مناسبة في هذه الحالة؟ هل الحفاظ على قنوات الاتصال مع إسرائيل، يحتمل تفويت هكذا كلام؟ قد يكون هذا هو جوهر الموقف الروسي بالفعل، بمعنى أنه رغم التوتر لا تزال هناك ملفات حساسة تحتاج إلى استمرار قنوات الاتصال، مثل سوريا والتوازنات الإقليمية، لأنها تتطلب حدا أدنى من التنسيق.
هناك بالطبع سبب آخر تقتضي الموضوعية أن أذكره تعليقا على عدم رد الفعل الروسي الرسمي على تهديدات متحدثة جيش إسرائيل، وهو أن العقيدة السياسية الروسية، حسبي فهمي لها، تميز عادة بين التصريحات والفعل، بمعنى أنه جرت العادة أن الكرملين يسير على مبدأ: التصريحات تُراقب.. لكن الأفعال هي التي نحاسب عليها.
ولذلك جاء الرد على إصابة فريق آر تي، باعتبارها واقعة ملموسة، عبر خطوة دبلوماسية مباشرة، بينما تصريح المتحدثة باسم جيش الكيان تُرك في نطاقه الإعلامي. وهذا ليس تجاهلا، ولكن ترتيب أولويات.
وختامًا أقول، تدخل العلاقة الروسية الإسرائيلية مرحلة تآكل، ولو أنه بطيء، في الثقة، وذلك مدفوع بتناقض عميق في تصورات استخدام القوة، ولننظر لفعل بوتين تجاه زيلينسكي وقيادات أوكرانيا، ولنتذكر في هذا الصدد تصريحات نفتالي بينت عن مكالمته مع بوتين ووعد بوتين بعدم قتل زيلينسكي، ما جعله يخرج من مخبئه بأمان في الأيام الأولى للحرب ولا يزال، فقد أعطاه بوتين الآمان.
أما إسرائيل فليس ولا يمكن ان يكون لها أمان، فقد قتل نتنياهو مرشد إيران على خامنئي، الشيخ الكبير والشخصية السياسية والدينية، وغير العسكرية وهو يتفاوض معه على شكل للسلام يجنب الشعوب الحرب وويلاتها.
فإسرائيل ونتنياهو يتحرك بمنطق يوسع دائرة الاستهداف ويشرعن الاغتيال، بينما يرى الكرملين وبوتين في ذلك تهديدا لبنية النظام الدولي نفسه.
لكن الرد الروسي سيكون حتما إذا مُست المصالح مباشرة. وأي انتقال إسرائيلي من الخطاب إلى الفعل في اتجاه يمس روسيا سيغير قواعد اللعبة بسرعة، وبصورة قد لا تبقى كما هو الحال الآن ضمن حدود ما يعرف بلعبة الاحتواء البارد.
✍️✍️أبرز نقاط المقال:
📌 الناطقة باسم جيش الاحتلال آنا أوكولوفا تهدد روسيا بالاغتيال المحتمل للقيادات.
📌 أوكولوفا أكدت قدرة إسرائيل على الوصول إلى الشخصيات المهمة، بغض النظر عن مكانها أو ثقله.
📌 هذا التصريح ليس مجرد خطاب إعلامي، بل يعكس نموذجًا عملياتيًا معلنًا لكيفية استخدام القوة.
📌 إسرائيل تنتقل من السرية إلى العلنية في ممارساتها، متباهية بقدرتها على الاغتيال.
📌 الصحافة الروسية تناولت التصريح على أنه تصعيد لغوي، بينما الواقع يظهر نموذجًا مستهدفًا للبنية القيادية.
📌 اغتيال علي لاريجاني بعد يومين من التصريح يظهر التطبيق العملي للنموذج الإسرائيلي.
📌 الخط الفاصل بين الحرب التقليدية وعمليات “قطع الرأس” تلاشى بالنسبة لإسرائيل.
📌 استهداف طاقم قناة RT في جنوب لبنان يؤكد الانتقال من الخطاب إلى الفعل.
📌 الرد الروسي الرسمي لم يصدر على التصريح لكنه جاء على الفعل عبر احتجاج دبلوماسي.
📌 العلاقات الروسية الإسرائيلية تشهد تآكلًا بطيئًا في الثقة، بسبب اختلاف تصور استخدام القوة.
📌 إسرائيل توسع دائرة الاستهداف وتشرعن الاغتيال، بينما روسيا تحافظ على خطوطها الحمراء تجاه القيادات.
الكاتب: سعد خلف – موسكو
–