اخبار روسيا
أخر الأخبار

كتب رامي الدباس:هل تتكرر موسكو في طهران ما تفعله واشنطن في كييف؟

أثار ردّ الفعل الروسي المتحفّظ على الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران موجة من التفسيرات في الأوساط الغربية، ذهبت إلى حدّ الاعتقاد بأن موسكو بدأت بالابتعاد عن طهران. فقد اكتفى الكرملين بإدانة رسمية والدعوة إلى استئناف المسار التفاوضي متعدد الأطراف، وهو موقف فُسّر لدى البعض باعتباره مؤشرًا على تراجع الالتزام، وربما تمهيدًا لقطيعة محتملة.

هل تتكرر موسكو في طهران ما تفعله واشنطن في كييف؟

✍️✍️كتب رامي الدباس – كاتب ومحلل سياسي

أثار ردّ الفعل الروسي المتحفّظ على الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران موجة من التفسيرات في الأوساط الغربية، ذهبت إلى حدّ الاعتقاد بأن موسكو بدأت بالابتعاد عن طهران. فقد اكتفى الكرملين بإدانة رسمية والدعوة إلى استئناف المسار التفاوضي متعدد الأطراف، وهو موقف فُسّر لدى البعض باعتباره مؤشرًا على تراجع الالتزام، وربما تمهيدًا لقطيعة محتملة.
غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل طبيعة العلاقة المركّبة بين روسيا وإيران، كما يتجاهل اختلاف السياقات الجيوسياسية بين هذا الملف ونماذج أخرى مثل سوريا أو فنزويلا، حيث لم تُترجم المواقف الروسية إلى تدخلات حاسمة تمنع تحولات استراتيجية غير مرغوبة.
في الواقع، تتحرك موسكو وفق حسابات دقيقة، خاصة في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا. فهي تعيد ضبط مستوى دعمها لحلفائها بناءً على معيارين رئيسيين:

استقرار الحليف داخليًا
أهمية موقعه في التوازنات الدولية

وبينما ظلّ الحضور الروسي في فنزويلا محدودًا وذا طابع تقني، واتسم موقفها في سوريا بالحذر وتجنب التورط العسكري الواسع، فإن الحالة الإيرانية مختلفة جذريًا.

إيران ليست مجرد حليف تقليدي، بل شريك استراتيجي يتقاطع مع روسيا في ملفات حيوية، أبرزها: التعاون العسكري، قطاع الطاقة، والتكنولوجيا النووية المدنية. وقد تعزز هذا المسار بتوقيع اتفاقية شراكة طويلة الأمد عام 2025، تهدف إلى تنسيق السياسات وتقليص تأثير العقوبات الغربية.

على المستوى العسكري، لم يعد التعاون بين موسكو وطهران أحادي الاتجاه، بل بات أقرب إلى شراكة تبادلية.

إيران توفر خبراتها المتقدمة في الطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في الحروب الحديثة.
روسيا تتيح لإيران الوصول إلى تقنيات أكثر تعقيدًا، مثل أنظمة الصواريخ المتطورة.

وفي السياق ذاته، تواصل موسكو دورها في تطوير البرنامج النووي المدني الإيراني، بما في ذلك تشغيل وتوسيع منشأة بوشهر، إلى جانب دعم قطاع الطاقة عبر تزويد إيران بمشتقات نفطية، في ظل محدودية قدراتها التكريرية.

تكتسب إيران أهمية متزايدة في الحسابات الروسية، ليس فقط كشريك سياسي، بل كحلقة أساسية في مشاريع الربط الاقتصادي، مثل الممر الدولي “شمال–جنوب”، الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران، ويُعد بديلًا استراتيجيًا للممرات التي يهيمن عليها الغرب.

هذا البعد الجيوسياسي يجعل من الصعب تصور تخلي موسكو عن طهران، خاصة في ظل سعي الطرفين إلى بناء منظومة موازية تقلل من الاعتماد على النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

رغم غياب إعلان رسمي عن تدخل مباشر، تشير معطيات متعددة إلى تصاعد مستوى الدعم الروسي لإيران، خصوصًا بعد التصعيد العسكري في عام 2025.

تشمل هذه المؤشرات:
– تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية
– تزايد الوجود التقني الروسي على الأرض، خاصة في تشغيل الأنظمة المعقدة مثل الدفاعات الجوية

كما تتقاطع هذه التحركات مع إشارات إلى دور صيني محتمل، ما يعكس تشكّل محور دعم غير معلن يسعى إلى موازنة الضغوط الأمريكية.

رغم كل ذلك، لا يمكن اختزال العلاقة الروسية–الإيرانية في نموذج مشابه للعلاقة الأمريكية–الأوكرانية.

واشنطن تقدّم دعمًا مباشرًا وعلنيًا لكييف في إطار مواجهة مفتوحة مع موسكو.
روسيا تتحرك في إيران ضمن مقاربة أكثر حذرًا، تتجنب الانخراط العسكري المباشر، وتفضّل العمل عبر قنوات تقنية واستراتيجية غير معلنة.

يبقى عامل الزمن عنصرًا حاسمًا في هذا المشهد. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت قدرة إيران على امتصاص الضغوط، مستفيدة من سنوات طويلة من الاستعداد لمثل هذا السيناريو.

في هذا السياق، لم تؤدِ الضربات التي استهدفت مراكز القرار الإيراني إلى إضعاف النظام كما كان متوقعًا، بل ساهمت في تعزيز التماسك الداخلي وتكثيف التعبئة السياسية والدينية.

في المقابل، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تآكل الثقة بالولايات المتحدة كشريك تفاوضي. إذ إن الجمع بين المسار الدبلوماسي والتحرك العسكري في آنٍ واحد، كما حدث في أكثر من ملف، أثار تساؤلات جدية حول مصداقية واشنطن.

هذا النمط، الذي يشبه إلى حد ما أساليب التفاوض في عالم الأعمال، حيث تُستخدم الضغوط المفاجئة لتحقيق مكاسب، قد يحمل تداعيات خطيرة عند تطبيقه في السياسة الدولية، خاصة في بيئات شديدة التعقيد مثل الشرق الأوسط.

لا تتحرك روسيا في إيران كما تتحرك الولايات المتحدة في أوكرانيا، لا من حيث الأدوات ولا من حيث الأهداف. فبينما تعتمد واشنطن على دعم مباشر وصريح، تفضّل موسكو إدارة نفوذها عبر شراكات طويلة الأمد وأدوات غير مباشرة.

النتيجة: تشابه ظاهري في المشهد، لكن باختلاف عميق في البنية والاستراتيجية—اختلاف قد يكون مفتاح فهم ما يجري، وما قد يحدث لاحقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »