اخبار دوليةمقالات

هذا ما قاله الفيلسوف الروسي دوغين قبل عدة أعوام :”أن نكون تقليدا لأميركا فهذا يعني ان نخضع للسياسة الأميركية ونتنازل عن مصالحنا ونقدم إدارة بلدنا الى يد غريبة، هذا ما يدعى الخيانة الوطنية” 

ترجمة pravda tv

من واشنطن مركز العولمة والأطلسية والنظام العالمي الجديد.

إن الادارة الأمريكية تدرك تماما أنه من هنا بالذات تتم إدارة العالم. فبعد انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة لم يعد لدى الأمريكيين أعداء حقيقيين ممن يجب أن يؤخذوا بالحسبان. لقد تلقى الأمريكيون استسلام المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفياتي على أنه انتصار مؤكد لنظامهم السياسي ضد الإيديولوجيا المواجهة لهم على الصعيد العالمي. و أضحت الرأسمالية ومبادؤها الإيديولوجية الأساسية : السوق الحرة في الاقتصاد والديمقراطية في السياسة والليبرالية في المجال الاجتماعي الأمر السائد بالمقياس الأحادي.  

إن الانتصار في الحرب الباردة عزز ثقة الأمريكيين بأن النماذج التي يعتمدونها هي الأكثر ملاءمة ونجاحا وجاذبية. ولذلك فان أي ايديولوجيات قومية وأي أفكار قومية وأي نوع من العقائد الدينية التي تخالف النظام العالمي لا تشكل خطرا كبيرا لا سيما اليوم. فالأمريكيون واثقون من أنهم سوف يجتازون هذا الأمر عاجلا أم آجلا بسهولة كبيرة أو ربما ليست كبيرة وذلك باستخدام القوة أو عن طريق التغلغل الدقيق. إلا أن الشيء الوحيد الذي يشغلهم في الحقيقة هو احتمال نشوء ايديولوجيا جديدة اندماجية عالمية بديلة عابرة للحدود كما هي الإيديولوجيا الأطلسية. ويمكن تسمية هذه الايديولوجيا الجديدة بالأوروآسيوية. 

في منتصف تسعينيات القرن الماضي ظهر بوضوح اتجاهان عالميان أساسيان : الهيمنة الأميركية على النطاق العالمي واقتصاد العولمة التكنولوجية. بالنسبة للرقابة الاستراتيجية الأميركية فالأمر مفهوم إلا أن العولمة الإقتصادية هي أيضا موديل أميركي بشكل صريح وواضح. إذ أن الاقتصاد الأميركي والسياسة الأميركية وبنية المجتمع الأميركي يؤخذون هنا كنموذج وهذا النموذج يتم فرضه على بقية العالم سواء عن طريق الحض و الإقناع أو عن طريق القوة. إن الهيمنة الأحادية الأميركية والعولمة تمثلان خللا راديكاليا في التوازن الجيوبوليتيكي العالمي. والجيوبوليتيك تعلمنا بوجود نقطتي بداية عالميتين هما: حضارة البر وحضارة البحراللتان تعملان على تشكل البنى المتنوعة لنظام القطبية المزدوجة بغض النظر عن التغطية الايديولوجية التي تعتمدها. إن مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر السوفياتي كقطب قاري بري للولايات المتحدة والمعسكر الرأسمالي كقطب بحري لم تكن فقط تعبيرا ايديولوجيا وانما تعبيرا أكثر عمقا يطال موازين القوى السياسية والمبادىء الأساسية لتطور الحضارة. إن صيرورة العالم الأحادي القطب كان يعني بداية نشوء ظاهرة شريرة كفكرة الطوفان العالمي بحيث ان حضارة البحر تأخذ بابتلاع و امتصاص حضارة البر بالكامل. 

لقد التقيت في واشنطن بالمنظّر الرئيسي في مجال العولمة فرنسيس فوكوياما الذي أصبحت مقالته ومن ثم كتابه ” نهاية التاريخ” الذي صدر في بداية التسعينيات أحد أشهر النصوص في العصر الحالي. فوكوياما أعلن حينها أن انهيار الاتحاد السوقياتي يشكل نهاية تاريخ العالم وإن العالم بعد ذلك سوف يعيش وفق قواعد موحدة أي وفق السوق الحرة والديمقراطية الليبرالية. وبحسب فوكوياما فان التاريخ البشري كان دائما مصدرا للحروب والعنف والاقتتال الإيديولوجي والمعاناة. وهذا كله أصبح من الماضي وحل عصر الليبرالية العالمية. ويشير فوكوياما الى أن الدول القومية سوف تموت قريبا وستنشأ مكانها دولة عالمية واحدة بحكومة عالمية موحدة. وهناك أحد النقاد سمّى فوكاياما بأنه “الإنسان الأخير” ملمحا الى جملة من كتاب نيتشه “هكذا قال زرداشت” التي تقول: “هو الحب ، هي الحقيقة ، هي العدالة. هذا ما يقوله آخر الناس وهم يرمشون بعيونهم”. إلا أن فوكوياما لم يرتبك من ذلك بل سمّى كتابه الآخر “آخر إنسان” وكأنه يقبل التحدي. “نعم. نحن الناس الأخيرون. وأولئك الذين ينظرون بسخرية وازدراء الى أفراحنا الصغيرة ومتطلباتنا المتواضعة والى رفضنا للإيديولوجيا والبطولة هم فقط الأبطال اللفظيون المتعالون على الإنسان أي المجانين”، هكذا رد فوكوياما على هجمات منتقديه. 

في معهد هوبكنز حيث كنت ألقي محاضرة أمام نخبة سياسية أميركية التقيت البروفسور فوكوياما المفكر العالمي الشهير واضع كتابي “نهاية التاريخ” و “آخر انسان” وهو يعمل في هذا المعهد. لقد كان مكتبه صغيرا جدا وربما كان هذا ما يحتاجه رجل صغير. وإذ كان فوكوياما يدرك بأنه سيجري محادثة مع خصم ايديولوجي مباشر له إلا أنه قبل المشاركة في برنامجنا.

بروفسور فوكوياما منذ 14 سنة كتبت مقالتك الشهيرة “نهاية التاريخ” فهل أنت لا تزال تعتقد أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لن يكون لدى البشرية سوى احتمال واحد وهو إنشاء عالم موحد من دون حدود ودول ويقوم على السوق الحرة والديمقراطية الليبرالية؟

أنا أعتقد أنه خلال سنين طويلة كان المفكرون اليساريون مقتنعون بنهاية التاريخ ولكن الأغلبية كانت ترى بأن ذلك سيحصل مع مجيء الشيوعية. ولكن اتضح أن الأمر ليس كذلك. أنا من ناحيتي أشرت مع كامل الاقتناع الى أن التاريخ يتجه فعلا نحو هدف محدد وهذا الهدف ليس الشيوعية وانما ما سماه ماركس نفسه بالبرجوازية الديمقراطية. وأنا واثق كما في السابق بأن الأمر هو هكذا. ان الحداثة جرّت وراءها تطور اقتصادي وهذا بدوره يؤثر في التغيير في النظام السياسي. ولكن أنظر ماذا حدث منذ تلك الفترة عندما بدأت بنشركتابي “نهاية التاريخ” ولقد تكلمت عن ذلك في مقدمة كتابي الجديد الذي سيظهر في السنة القادمة. لقد اصطدمنا منذ ذلك الوقت بتحديات جديدة أخرى. وأحد هذه التحديات هو ظهور الأصولية الإسلامية على الساحة العالمية وهو تيار معاد للغرب وضد العقلانية وينفي بالمطلق الأفكار الرئيسية للعصر التنويري. ولكن في نهاية المطاف ليس هذ التحدي جدياً كما يبدو عليه ، فهم لن يتمكنوا في كل حال من بناء مجتمع ناجح قائم على الثيوقراطية. غير أن ما يتعلق بالإرهاب والعنف حيث يذهبون فهذا في الحقيقة أمر جدي وخطير للغاية. إن ما يعتبر التحدي الأكثر خطورة بالنسبة لنا هو التطور الفالت العقال للتكنولوجيا الحديثة. فحضارتنا بدأت تصبح أكثر تبعية للتكنولوجيا وليس واضحا إن كان بإمكاننا فرض الرقابة على ذلك بالقدر الكافي. إننا نملك الأسلحة النووية والإرهاب البيولوجي والأسلحة الكيميائية والغازية و لا يزال باستطاعتنا ان نتعامل مع ذلك بطريقة ما ولكن هل لوقت طويل؟ إن ما يخيفني أكثر من أي شيء آخر وبشكل خاص هي التكنولوجيات البيولوجية. فهي قادرة أكثر من أي وقت مضى على مراقبة….. لقد حاولوا في الاتحاد السوفياتي خلق إنسان جديد. ولكننا نملك اليوم العديد من الوسائل القادرة على تغيير الطبيعة البشرية. وهذا ما يدفعني بشكل جدي الى تعديل مفاهيمي حول نهاية التاريخ.

ولكن في الوقت نفسه بروفيسور فوكاياما يظهر على الساحة الآن وبشكل يتضح أكثر فأكثر الإختلاف بين الحضارات. وأصبح الناس يفكرون أكثر بهويتهم القومية والثقافية. ويصبح أمرا أكثر إغراءا السعي للتأكيد مجددا على الأصالة وليس الابتعاد عنها ورفضها خلال عملية التجانس الشاملة وتحويل المجتمع والثقافة والسياسة والاقتصاد الى ما يشبه التجانس الموحد على النطاق العالمي ، وهذه هي بالظبط العولمة التي وصفتها في كتابك “نهاية التاريخ”.

ولكنني لم أعن أبدا التجانس الشامل على صعيد المستوى الثقافي. لقد أشرت فقط الى أن المؤسسات السياسية والإجتماعية الرئيسية بدأت تصبح أكثر تجانساً وتشابهاً. ففي العالم كله يسود الاقتصاد القائم على أولوية الملكية الفردية كما والنظام السياسي القائم على هذا الشكل أو ذاك من الديمقراطية. ولذلك من الواضح أن الناس ليسوا راضين جميعا عن هذه المؤسسات المتشابهة ويرغبون بالحفاظ على التقاليد الثقافية والقيم و اللغة والزي. إلا أن ذلك كله لا يستثني نهاية التاريخ. ففي رؤيتي للعالم الشامل ليس هناك فقط ماكدونالد الذي ينتشر في العالم أجمع أو أمركة الثقافة العالمية بشكل جماعي. ان هذه أو تلك من الأنظمة السياسية والاقتصادية الرئيسية تندمج بشكل مختلف سواء كان ذلك في اليابان أو روسيا أو الولايات المتحدة. فلنأخذ الولايات المتحدة وأوروبا. إن الحرية بالنسبة للأمريكيين أغلى من الجنة والعدالة وهذ ينبثق عن التاريخ والثقافة ونحن على هذه الأمور لن نتفق أبداً. ولذلك فإن المسألة فقط هي في حجم قوة هذه الثقافات المتنوعة الذي يسمح لها بالعيش ويمنعها من عدم التحول الى شيء آخر غريب عنها. ولنأخذ الصين مثلا. على الصين لكي تنجح في تحديث المجتمع ان تعمل على إعادة بناء نظامها السياسي ولكننا سوف نرى قريبا ان كان بإمكانهم إعادة بناء نظامهم السياسي لاحقا من دون الديمقراطية السياسية.

لقد تنبأتم سابقا بأن الدول القومية سوف تختفي قريبا. هل ما زلتم على هذا الرأي ؟

كلا. أنا أعتقد الآن بأن الدول القومية سوف تبقى. فبحسب ماكس فيبر إن الدول القومية تعتبر الأداة الوحيدة التي تملك احتكارا للعنف. لذا فإن الدول القومية سوف تبقى كونه ليس هناك حتى الآن أية أداة أخرى قادرة بشكل كفوء وشرعي على ممارسة العنف . فهي تجبر على الإلتزام بالقوانين وتعمل على وضع نظام القواعد التي يقبل الناس الاعتراف بها طوعا و بمحض ارادتهم. إن فشل التصويت على الدستور الأوروبي في تلك الدول مثل هولندا وفرنسا يظهر بأن الناس في أوروبا ليسوا جاهزين بعد لإعطاء صلاحيات كبيرة للمؤسسات ما فوق القومية مثل الاتحاد الأوروبي. فبالنسة لهم يعتبر المجتمع القومي بأنه المجتمع الحقيقي. غير أن مناصري الاندماج الأوروبي يسعون الى إزالة مفهوم المجتمع القومي بشكل كامل.

فإذن أنظر سيد فوكوياما. بما أن الدول القومية برأيكم لن تختفي فان التاريخ أيضا لن ينتهي بل سيبقى مفتوحا وهذا يعني أنه ربما تحدث نزاعات و حروب جديدة وهي التي رسمت في السابق في الجوهر صورة التاريخ السياسي.

أنا أعتقد بأن الدول حاليا سوف تتعايش فيما بينها سلميا. ففي الديمقراطيات الليبرالية لا تحارب الدول بعضها البعض. فالمسألة هنا أننا اذا كنا قادرين على الخروج من اطار الدول القومية وإنشاء مؤسسة سياسية عالمية شاملة فإننا سوف نجعل من الحروب شيئا مستحيلا. إلا أنه ربما نتعرض الى مخاطرة أخرى وهي الاستبداد العالمي. ان الحكومة العالمية لن تقوم أبدا وذلك لأن العالم متنوع جدا جغرافيا وثقافيا و اجتماعيا وهذا يعني أن خلق مثل هذا المسخ السياسي العالمي الشامل أمر غير ممكن.

هذا يعني انه بخلاف ما كتبته في السابق عن احتمال إنشاء أمة عالمية شاملة هو أمر أصبح الآن مستثنى بالنسبة لك ؟

نعم. أنا أعتقد أنه ليس من الواقعي اليوم أن نفكر بأن الناس ، و في ظل هذا التنوع الكبير، سوف يرغبون بإعطاء الصلاحية لهكذا نموذج سياسي عالمي واحد ووحيد. أنا أتمنى عكس ذلك أي أن يتم إنشاء أسرة دولية خصوصا من الدول الديمقراطية التي سوف تتعايش فيما بينها سلميا. وهذه الرؤية الجديدة يمكن تسميتها بالنظام العالمي الحر.  

حسنا. ولكن كيف يمكن أن نرسم هذه اللوحة مع الحرب التي يجريها بلدكم في العراق الآن؟ فهي تجري تحت شعار تعزيز الديمقراطية. ألا ينفي ذلك قيام نظام عالمي سلمي وحر تكلمتم عنه منذ لحظة؟.

لقد كنت ضد هذه الحرب. وأريد هنا أن أتكلم عن أمرين : الأول وهو أن الولايات المتحدة لم تتمكن مرة في الخارج من بناء دول قومية شبيهة بنموذجها الخاص. عندما احتلينا ألمانيا واليابان استطعنا أن نقيم هناك بلادا ديمقراطية ، ولكن في أميركا اللاتينية والفليبين و أفريقيا حدث ذلك بشكل سيء جدا. حتى أن شيئا من هذا لم يحدث. وأعتقد أننا لا نملك الكفاية من المعرفة والحكمة لكي نحقق بشكل مناسب التحول السياسي في العراق وربما في الشرق الأوسط كله. إن الكلام عن نجاحات الديمقراطية هناك هو أمر سخيف وطموح وكان جيدا لو كان الأمر كذلك ولكنه ليس كذلك. ثانياً: ان العالم كله يشعر اليوم بالعداء للولايات المتحدة فالكل يرى أن الولايات المتحدة في المسائل الحربية والاقتصادية والثقافية والسياسية تعمل كطاغية. وهذا ما يخلق عداءاً واسعا للأمركة. ويجب على الحكومة الأمريكية قبل أي شيء آخر العمل على تقليص هذا العداء وليس تقويته وذلك بالإرتفاع عن كل ما يجعل منها مجرد شرطي. نعم. ان الدول القومية سوف تبقى ويجب أن تصبح ديمقراطية. والدولة يمكن أن تكون ديمقراطية طبعا ولكنها تعاني من مشاكل كبيرة وجدية. إن إحدى المشاكل البنيوية الرئيسية في العصر الحالي هي أن الولايات المتحدة تؤثر على أغلبية البلدان بينما هذه البلدان لا تؤثر بالمطلق على الولايات المتحدة. وأنا أعتقد بأنكم أنتم الروس تعانون من ذلك بشكل حاد وكبير. 

يقولون أن العداء لأميركا في روسيا يشكل ظاهرة عامة.

إن إدارة بوش للأسف لا تفهم ذلك. فهي لا تعي الى أي درجة العالم جاهز لمقاومة الأمركة. وأعتقد أنه يجب علينا العمل جديا لكي لا نساهم في أن يصبح العداء للأمركة أكبر مما هو عليه وإنما على العكس يجب السعي لإصلاح هذا الأمر وذلك بإنشاء بنى دولية يشعر جميع الناس معها بأنهم مشاركون في كل شيء.

إن المشكلة الأساسية هي في أنكم أنتم الأمريكيون تعتقدون بأن القيم التي تتبعونها هي قيم عالمية شاملة وضرورية للجميع. وترون مهمتكم الرئيسية في نشر هذه القيم بين شعوب البلدان الأخرى. وهذا ما يميز هويتكم الأمريكية الخاصة. وأنت بروفسور فوكوياما هل تعتقد بأن القيم الأمريكية هي قيم عالمية شاملة وضرورية للبشرالآخرين؟  

أنا مؤمن بأن أفكار الثورتين الأمريكية والفرنسية هي أفكار عالمية شاملة وتؤدي الى مبادىء الحرية والمساواة. ولكن يمكننا أن نفسر هذه الأفكار بشكل مختلف بناء على المجتمعات التي يجري فيها هذا التفسير. لدى الأمريكيين هنا تفسيرهم الخاص وهم لم يفهموا حتى الآن أن بعض مؤسساتهم النموذجية الخاصة لا يمكنها أن تعمل في مجتمعات أخرى. وحتى في اليابان حيث جرى العمل بشكل جدي على زرع الديمقراطية إلا أن الديمقراطية هناك تفهم بشكل خاص جدا. 

بالنسبة لليابان لقد قمت منذ زمن غير بعيد بمحاورة بروفسور ياباني أختصاصي بكانط. ولقد قال لي أن كانط طبعا هو مفكّر كبير ولكن الشيء الوحيد الذي لم يفهمه هو أن النومينون والظاهرة متطابقان. وفكر كانط قائم بالإجمال على أن النومينون والظاهرة غير متطابقين.

إنه مثال جيد. الولايات المتحدة تعتقد أنها في عملها تساعد ببساطة البلدان الأخرى على إيجاد طريقها الخاص وتقرير خيارها بنفسها ولكنها في الواقع تفرض على الجميع اعتماد نموذجها بالقوة. أحد الأساتذة في ستانفورد قال يوما أن فوكوياما هو “ماركس حركة المحافظين الجدد” ، كوني من خلال الحداثة عملت على شرح ضرورة التحرك نحو الديمقراطية. بينما بوش و لينين والادارة اللينينية فإنهم مثل البلشفيين يريدون تحقيق هذه الفكرة بالسرعة الممكنة وعن طريق القوة. ولذلك فهم اصطدموا فيما بعد بأحداث 11 أيلول. أنا أعتقد أن اللينينية كانت غلطة وذلك لأنه لا يجب أن تحقق أهدافك باستخدام القوة. كما وان لينينية بوش الجديدة هي غلطة أيضا لأنه في هذه الأحوال لا يجب استخدام القوة العسكرية من أجل انتصار الديمقراطية الليبرالية. كل شيء يجب فعله بشكل عضوي أكثر. فمن الخارج لا يمكنك أن تحصل على شيء اذ أن كل شيء يجب أن ينضج من الداخل. 

شكرا بروفسور فوكوياما لمشاركتكم في برنامجنا “المعالم” على القناة التلفزيونية الأرثوذوكسية “سباس”. 

في هذه المقابلة أشار البروفسور فوكوياما فعليا بأنه قد أعاد النظر في مواقفه السابقة وبقي من تفاؤله الشيء القليل. ويبدو أن نهاية التاريخ التي كتبها ووضعها بنفسه أصابته بالذعر والخوف. فآفاق تطور الهندسة الجينية والتكنولوجيات الجديدة التي تنذر بامكانية تحويل الناس الأخيرين الى متحولين أو أشخاص آليين مبرمجين دبت فيه الرعب. وفي الواقع فان آخر الناس أصبحوا بشكل مدهش شبيهين بالآلات باهتماماتهم القليلة والصغيرة وأفراحهم البسيطة وعالمهم المتشابه وطعامهم المتشابه وملابسهم المتشابهة. إن الانعكاس الذاتي الخاص أخاف هذا الياباني والبروفسور الأميركي. حتى أنه أصبح من المدافعين عن الدولة القومية التي كتب عنها باختصار شديد في كتابه “نهاية التاريخ”. ولقد تشاجر فوكوياما مؤخرا مع ايديولجيي بوش الرئيسيين وهو من كان ينتمي اليهم منذ وقت غير بعيد.

 

لقد تسنى لي في واشنطن أيضاً التحاور مع زبيغنيو بريجينسكي أحد المنظّرين الرئيسيين للأطلسية وواحد من الذين عملوا بنشاط و حيوية أكثر من الآخرين غيره على تدمير الاتحاد السوفياتي وتعزيز انتصار أميركا على روسيا السوفياتية. لقد تحدثنا معا لوقت طويل بأمور كثيرة ومتنوعة. في بداية المحادثة أظهر تعجباً بصفتي وبما أمثّل. نحن التقينا وجها لوجه للمرة الأولى مع أننا كنا نسمع ببعضنا البعض وكل واحد منا يقرأ مقالات ومنشورات الآخر منذ وقت طويل. لقد قلت لبريجينسكي بأنني أمثّل ذلك اللاعب الآخر الذي تقوم ضده اليوم لعبة كبرى وضعها بريجينسكي نفسه في كتابه “رقعة الشطرنج العظيمة”. وإذا ما كان بريجينسكي يعتبر اللاعب الأقوى من جهة الطرف الأطلسي البحري فإنني كممثل للمدرسة القارية الجيوبوليتيكية الأوروآسيوية أجلس خلف رقعة الشطرنج قبالته في الجهة الأخرى. إذ أن لعبة الشطرنج هي لعبة لشخصين كما قلت له. ولقد أصيب بريجنسكي بالدهشة من وضع الأمر على هذا النحو. “إنني عندما كنت أعمل على وضع كتابي “رقعة الشطرنج العظيمة” المكرس للجيوبوليتيك في أوروبا كنت أفكر بالرقعة أكثر من اللعبة نفسها. فأنا لم أكن أتصور أبدا بأن أحدا ما سوف ينظر الى الوضع من الجهة المعاكسة. لقد كنت أهتم فقط بالأحجار المختلفة ولأي منطق تخضع. نحن نعلم أنه لا يمكننا اللعب من دون الملك بينما من دون الملكة هذا ممكن” قال بريجينسكي. 

نعم. ان بريجينسكي تعوّد منذ مدة طويلة اللعب عن اللاعبين الإثتين. ولكنه مع ذلك أورد في كتابه الجديد الذي صدر تحت عنوان “الخيار: هيمنة شاملة أم قيادة شاملة” أنه ستظهر قريبا ضد الهيمنة الأميركية والعولمة الشاملة نظرية مضادة شاملة جديدة. وهذه النظرية بالذات قد ولدت فعلا على شكل نظام جيوبوليتيكي اوروآسيوي هو أيضا عابر للحدود وعالمي ومتكامل كالأطلسية ولكن بعلامة نقيضة ومعكوسة تماما. وتحتل المركز هنا ليس اميركا بل روسيا – روسيا الأوروآسيوية – التي هي المحور الجغرافي للتاريخ. لقد قمت بإهداء برنامج المهمة الأوروآسيوية بصيغته الإنكليزية الى بريجينسكي وقد وعد بقراءته حتى صباح اليوم التالي وهو ما فعله في الواقع. لقد كتب بريجينسكي على الصفحة الأولى من كتابه المهدى لي ما يلي : الى الكسندر دوغين مع تمنياتي بإجراء “بيريسترويكا” لأفكاره. لقد كانت كلمة “بيريسترويكا” مكتوبة بالروسية. إن شيء مماثل لهذا ربما حدث منذ عشرين سنة تقريبا مع قادة الدولة السوفياتية التي كانت عظمى في حينها. في ذلك الوقت صوّروا لهم سحر الديمقراطية وأروهم الأبنية الجميلة وتحدثوا عن المدراء اللطفاء و الأساتذة الحساسين و المؤدبين وبدأوا بدفعهم بتأني وروية نحو “البيريسترويكا” مثبتين ذلك انطلاقا من أن الإشتراكية والرأسمالية لديهما جذور فكرية واحدة كون هاتان الإيديولوجيتان قد ولدتا في عصر الثورتين الأمريكية والفرنسية وكانت بدايتهما مستلهمة من الفكر التنويري. غير أنهم تناسوا في كلامهم لهؤلاء التناقض الجيوبوليتيكي الموجود بين الأطلسية والأوروآسيوية. لقد قال بريجينسكي عن القادة والمسؤولين السوفيات أثناء حقبة البيريسترويكا والذين كان يعرفهم شخصياً : “لقد كانوا بسطاء وساذجون جدا بالنسبة لقادة من هذه المرتبة. لقد رسم ريغان لغورباتشوف في لقائه معه جبالا ذهبية سوف تظهر بعد التقارب وذاك قد صدّقّه”. وارتسمت على وجه بريجينسكي بعد قوله هذا ابتسامة ماكيافيللية. “لقد خدعتوهم ” قلت أنا. على هذا أجاب بريجينسكي ببساطة غريبة : ” نعم خدعناهم. لقد كانوا ساذجين جدا”. 

إن الأطلسيين يقومون بإزالة كل العوائق الموجودة في طريقهم وصولا الى الهيمنة العالمية الشاملة أو الشاملة تقريبا. ولم يبق غير روسيا. ولكن بما أنها دولة قومية ذات مصالح إقليمية وتتوجه فقط الى الروس فهي ليست مخيفة بالنسبة لهم على الأقل كما هي عليه اليوم. ولكن أنظروا ماذا كتب بريجينسكي عن احتمال انبعاث روسيا كدولة عظمى وليس كمجرد دولة إقليمية: يمكن طبعاً الاعتماد على الأممية وحتى على الشوفينية من أجل التعبئة الداخلية ولكن هذا سوف يحرم الروس من الدعم الخارجي. إنه من غير المفيد مقاومة أميركا على أساس الأممية فإن هذا سوف يدفع الشعب الى التركيز على الظروف الداخلية لروسيا المعاصرة وهذه الطروف لن تستطيع أن تلهم أحدا وسرعان ما ستهدم كل شيء. لذا يجب على روسيا من أجل مقاومة الهيمنة الأمريكية أن تعبىء حلفاء لها في الخارج وهذا يحتاج الى نظرية ايديولوجية جاذبة.

إن هذه النظرية الايديولوجية الروسية المثالية الشاملة وما فوق الروسية في الوقت نفسه ليست الا النظرية الأوروآسيوية. وبريجينسكي يدرك تماما ما هو الأمر الذي يمثل الخطورة الفعلية على الهيمنة الأميركية العالمية في الظروف الجديدة الحالية.

إن الأوروآسيويين يعارضون المبدأين الأساسيين اللذين تقوم عليهما الأطلسية وهما القطب الواحد القائم على الهيمنة الأميركية والعولمة الإقتصادية التي أصبحت حجر الزاوية في مفهوم الليبرالية الفائقة. في الوقت نفسه يعمل الأوروآسيويون على الخروج من أطر ردات الفعل القومية الضيقة على الأمركة ويروجون لمبدأ تعددية الأقطاب في العالم. وهذا ما يجذب الى روسيا حلفاء جدد ومخلصين من بلدان أخرى ومن ثقافات وديانات أخرى ممن لا يتقبلون النظام العالمي الجديد أيضاً. ولكن بما أن جبهة تعددية الأقطاب المواجهة لأميركا لم تتشكل نهائيا حتى الآن فان واشنطن تبقى عاصمة العالم الحديث. ورؤساء الدول جميعا يعتبرون شرفا لهم التواجد في واشنطن واستقبالهم من قبل مسؤولي الحكومة والبرلمان وحتى في المكتب البيضاوي. وكما كان الأمر في زمن الأوردا الذهبية عندما كان النبلاء والأمراء الروس يؤمون مجلس الخان الأعظم هكذا يفعل سياسيو العالم في مجيئهم الى واشنطن. 

إن مصير روسيا في العام 1908 سوف يقـّر في الأغلب هنا في واشنطن بالذات. ومن المتوقع أن يعمل البيت الأبيض على التأثير العظيم في الأحداث التي سوف تجري في روسيا في العام 1908 كونها أثرت تأثيراً كبيرا على الأحداث التي جرت في أوكرانيا و جورجيا وقيرغيزيا التي قامت بثوراتها الملونة.

تتواجد في واشنطن الأدوات الأساسية للرقابة العالمية: البيت الأبيض و الكونغرس ومجلس الشيوخ والبنتاغون والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمركز الفكري الذي يعمل على وضع الاستراتيجية العالمية و مركز الأبحاث الدولية الإستراتيجية ومؤسسة كارنيغي ومعهد هوبكنز والعديد غيرهم. 

إن بريجنسكي يصف هذه المراكز الرئيسية كمثلثين موضوعين فوق بعضهما البعض ويمثلان ختم القوة العالمية الجبارة أو العلامة الأكثر شرا للحكومة العالمية كما يقول بريجينسكي وزملاؤه في السنوات العشر الأخيرة من دون أي إحساس بالخوف أو الخجل. ويبدو لهم اليوم أن هذا الأمر قريب الحدوث جدا. 

إن القوة الأمريكية الجبارة هي ليست طبعا فقط القوة الفظة وانما هي أيضا الكود السياسي و الاجتماعي والثقافي الدقيق الذي يعمل الأمريكيون بمهارة على إدخاله في الكوكب كله. وعلينا هنا أن نفكر برّد مواز لذلك. فبفهمنا للأمريكيين ولكيفية عمل دولتهم بهذه القوة وعلى ماذا تعتمد سيادتهم على العالم نستطيع أن ننشىء ونبتكر البديل عن ذلك. 

لا أحد في أميركا ينفي أنها تسعى لتصبح أمبراطورية عالمية لا بل أنها أصبحت هكذا فعلا. ولا أحد يستطيع مجابهتها وجها لوجه. وتلك الأنظمة التي لا ترضى أميركا عنها لسبب ما فهي آيلة الى الهدم أو التغيير. ومن أجل هذا تستخدم الولايات المتحدة استراتيجيتين : الأولى وهي القوة الفظة والثانية هي القوة الناعمة. إن القوة الفظة هي القوة العسكرية التي لا سابق لها. والكونغرس الأميركي يصرف سنويا على الإحتياجات الحربية مليارات عديدة من الدولارات. ونحن شهدنا في الصرب و أفغانستان والعراق مثل هذه القوة الفظة وحتى الأكثر فظاظة. الى جانب ذلك هناك القوة الناعمة وتقوم على إدخال ونشر المسارات والعناصر ذات المنشأ الأميركي باستمرار الى ثقافة ومعيشة وعادات الشعوب : كالفاست فود والانترنت والصيغة الأميركية للغة الإنكليزية والأقنية التلفزيونية مثل أم تي في و سي أن أن ، موسيقى البوب ، الموضة ، السينما. إن نمط حياة الأمريكيين والبزنس بحد ذاتهما يؤثران مغناطيسيا على سكان العالم ولا سيما على الشبيبة التي لم يقو عودها بعد. إن الاستراتيجيين الأطلسيين يدركون جيدا بأن كل ذلك ليس الا شكلا للتأثير والرقابة والإدارة والتعداد السكاني وهم اليوم يعترفون بذلك بصراحة وحتى بفخر. إن الإستيلاء على العالم يجري عن طريق هاتين القوتين معا. ففي البداية تظهر منظمات أهلية سلمية تدعو للمجتمع المدني ولحقوق الانسان وللمؤسسات الاقتصادية والشركات العابرة للحدود. ولكن من خلف هؤلاء تلوح في الأفق الصواريخ الأمريكية وحاملات الطائرات والمقاتلات. والساحة السوفياتية السابقة ليست استثناء عن ذلك. فالثورات الملونة بدأ التفكير بها هنا بالذات – في واشنطن. فالأنظمة غير المقبولة من واشنطن تتم الإطاحة بها سواء عن طريق اللاعنف أو استخدام القوة. إلا ان القوة الرئيسية تبقى دائما خلف الكواليس وهي القوة الكوكبية لأميركا التي تؤثر على مسار الأحداث ليس فقط في اللحظات التحولية والثورية أو على أبواب الانتخابات أو التمرد وإنما دائما وبثبات. ان اشعاعات واشنطن هذه تخترق المجتمع البشري فتجذب اليها المترددين والضعفاء وتشتري الجشعين وتخيف الجبناء وتربك الخصوم.

إن حب الوطن في اميركا الحالية يعتبر القيمة الاجتماعية الأساسية بعكس أوروبا مثلا أو روسيا. وحب الوطن الأميركي هذا في القرن الواحد والعشرين يمتلك ميزة أمبراطورية فالأمريكيون يقولون في أحيان كثيرة بأن مهمتهم الآن هي في بناء أمبراطورية عالمية يطلقون عليها اسم “أمبراطورية الخير”. ولكن اعتبارها أمبراطورية خير أو لا فهذا يعود الى تلك الشعوب التي تقع تحت نيرها. 

إن الأميركيين البسطاء يدعمون بأغلبيتهم سياسة حكامهم الإستراتيجية فهم ببساطة يتابعون التعرف على النظام السياسي الاجتماعي ذي الخير المطلق ويعتقدون بإخلاص أن أميركا و قيمها تحمل الى كافة الشعوب الأخرى الازدهار والنجاح المادي والتطور والديمقراطية. وان الهيمنة الاستراتيجية الأميركية على المدى العالمي وانتشار السوق والديمقراطية الليبرالية هي أمر واحد بالنسبة لهم. لا شيء يعذب ضميرهم. فالأنانية القومية و حب الوطن الأمبراطوري هما بالنسبة لهم غير منفصلين مع شعور بالتفوق الأخلاقي واحساس بمهمة إيصال الخير الى الآخرين. ويعود أساس هذا الأمر الى الجذور البروتستانتية التي تراها في أميركا في كل مكان. وتشهد الولايات المتحدة اليوم انتعاشا للشعور الديني قائم على الروح المعمدانية البروتستانتية.

بعد أحداث 11 أيلول امتلأ هذا الشعور الامبراطوري الليبرالي بوعي يفيد بأن الولايات المتحدة هي أمة محاصرة. ففي الإرهاب الإسلامي الدولي وشخصية أسامة بن لادن الشريرة حصل الأمريكيون على نموذج واضح للشر العالمي الضروري لوعيهم البريطاني الساذج. إن العدو السابق للاتحاد السوفياتي والقيّم على أمبراطورية الشر قد اختفى. وبقيت ذكراه محفوظة في إطار العداء لروسيا وعدم الثقة العميق بنا. ولكن ظهر عدو آخر – الإرهاب الإسلامي. والآن أصبح مفهوما لدى الأمريكيين من يهدد نظام القيم في بلادهم. إنه الإرهاب بوجه إسلامي. إن مجمع الإمبريالية الوحدوية والعمل التبشيري الرأسمالي العالمي امتلآ بشعور التضحية والخطر. ولا يمكن أن لا نقدّر عمليات التعبئة التي أدت الى حدوث ذلك في اميركا المعاصرة. وعموما يرى الأميركي البسيط أن تحقيق الهيمنة الأميركية وكذلك اقتصاد العولمة التكنولوجية هما خير واحد. وهذا ما يشكل دعامة كبيرة و جدية. ان الولايات المتحدة ليست فقط امبراطورية عالمية إنما أمبراطورية ذات مهمة تبشيرية واعية بشكل جلي.

ان تاريخنا الروسي ومهمتنا الروسية وأمبراطوريتنا الروسية متناقضة تماما في كل شيء مع الأميركية. فهم أنانيون ونحن جماعيون نفضل العام والتجمع ، هم يضعون في المرتبة الأولى النجاح المادي ونحن الأهم بالنسبة لنا العدالة و الروحانية ، هم يفضلون التحديث المستمر ونحن الحفاظ على التقاليد ، بالنسبة لهم الأهم هو الربح والراحة بينما بالنسبة لنا العمل بإخلاص والإنجاز النبيل. ولكن مع ذلك هناك لدينا نحن الروس ما يمكن أن نتعلمه من الأميركيين وخصوصا من أميركا الحالية. ان التعلم من أميركا وحتى تقليد أميركا هو شيء بينما التبعية لأميركا والخضوع لها وتنفيذ ارادة واشنطن بشكل أعمى فهذا شيء آخر تماما. وهنا توجد مسألة و هي مسألة روسية: اذا كان يجب التصرف كما تفعل أميركا فهذا يعني أننا سوف نبني امبراطوريتنا الخاصة ، امبراطوريتنا الروسية ، الأوروآسيوية ، وليس أمبراطوريتهم اذ أنهم يبنون خاصتهم. وهذا يعني أن نحمل الى شعوب العالم قيمنا والتأكيد على أنها قيم عالمية اذ أنهم يحملون قيمهم. وهذا يعني أننا سوف نتجمع حول سلطتنا وهذه السلطة سوف توقد فينا الشعور بالهوية القومية الى آخر درجة اذ انهم تجمعوا حول سلطتهم. وهذا يعني أننا سوف نعود الى جذورنا الدينية الأرثوذوكسية والى تقاليد الشعوب الأخرى التي تقطن بلادنا العظيمة اذ أنهم عادوا الى جذورهم الخاصة. ان نكون مثل الأمريكيين اليوم يعني أن نكون روس حقيقيين مؤكدين ارادتنا العظيمة كوكبيا وسياديا دون أن نلتفت الى أحد. وهذا الأمر يمكن تحقيقه بواسطة القوة أو بواسطة الحض والإقناع. فنحن أيضا نملك السلاح النووي ونملك الثقافة الروسية الفاخرة والعظيمة والأصيلة والمفهومة لكل شخص على الأرض كما والفن الراقي الذي لا نظير له والتقاليد الروحية السامية. ونحن نملك أيضا القوة الفظة والقوة الناعمة.

أن نكون تقليدا لأميركا فهذا يعني شيء آخر وهو أن نخضع للسياسة الأميركية ونتنازل عن مصالحنا ونقدم إدارة بلدنا الى أيد غريبة وهذا ما يدعى الخيانة الوطنية. 

كما قال الأمير ميشكين في رواية دوستويفسكي “الأبله” : من امتنع عن أرضه فقد امتنع عن خالقه”. ان ذلك كله بالطبع ليس بسيطا جدا. فعلينا لكي نعيد أمجادنا و نرتفع الى مكانتنا في التاريخ ان ننظر بتمعن الى أميركا وان ندرس أميركا وان نفهم أميركا. فهي عمليا تحكم العالم وتفعل ذلك على حسابنا ، على حساب بلدنا ولا يجب ان نغلق أعيننا عن ذلك. نحن يمكن أن تغلق أعيننا غير أن العين الماسونية التي تشع على ورقة الدولار الأميركي مفتوحة دائما.   

الفيلسوف الروسي  ألكسندر دوغين

في مقابلة على قناة التلفزيونية الأرثوذوكسية “سباس”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »