اخبار دوليةمقالات

75 عاماً من النكبة الفلسطينيّة

محمد السماك

في 14 أيار يستذكر الفلسطينيّون النكبة: التهجير القسري من فلسطين وتحويلها إلى دولة يهودية.

احتفلت إسرائيل بالمناسبة في 25 نيسان الماضي استناداً إلى التقويم العبري.

التقويمان مختلفان، لكنّ النتيجة واحدة. وهي ذات وجهين: وجه مأساوي للفلسطينيين الذين هُجّروا إلى دول الجوار العربية، أو أُخضعوا لبندقية المحتلّ في غزّة والضفّة الغربية، ووجه احتفالي لليهود الذين استُقدموا من زوايا العالم المختلفة (وخاصة من أوروبا) لبناء دولة جديدة لهم.

في ذلك الوقت اعترف العسكريون الإسرائيليون، الذين قادوا معارك تهجير الفلسطينيين ومقاومة ردّ الفعل العسكري العربي، بأنّ العملية هي مغامرة لا يتعدّى نجاحها نسبة خمسين في المئة. أمّا الآن فإنّ الدخل القومي في إسرائيل الذي كان يبلغ نصف الدخل القومي في ألمانيا، أصبح يزيد 12 في المئة على الدخل القومي الألماني. وهو أعلى من الدخل القومي في الضفة الغربية المحتلّة بنسبة 94 في المئة. إذ لا يتعدّى دخل الضفّة دخل دويلة مثل غينيا الجديدة أو جزيرة “باباو” في وسط المحيط الباسيفيكي.

إسرائيل ليست بخير

تحتفل إسرائيل بكون عدد علمائها الذين حصلوا على جوائز نوبل يزيد على عدد علماء الصين، وأنّها بعد انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب تمكّنت من استيعاب مليون مهاجر يهودي جديد من الاتحاد السوفيتي السابق، ومن الولايات المتحدة أيضاً. ومع ذلك تعزّزت علاقاتها مع واشنطن ولم تتأثّر علاقاتها مع موسكو.

يبلغ عدد سكّان إسرائيل اليوم عشرة ملايين. ومن المتوقّع أن يرتفع إلى عشرين مليوناً في عام 2065. ولكن مع ارتفاع عدد الحريديم، يتّسع الشرخ الداخلي

ولكنّ ذلك لا يعني أنّ إسرائيل على خير ما يرام.

المشكلة الأولى التي تواجهها هي مشكلة داخلية وتكوينية تتعلّق بتزايد عدد المتديّنين اليهود الحريديم واتّساع نفوذهم السياسي.

يبلغ عدد سكّان إسرائيل اليوم عشرة ملايين. ومن المتوقّع أن يرتفع إلى عشرين مليوناً في عام 2065. ولكن مع ارتفاع عدد الحريديم، يتّسع الشرخ الداخلي. ذلك أنّ عدد اليهود المتطرّفين يُتوقّع أن يرتفع إلى 13 في المئة في عام 2065. وهؤلاء لا يخدمون في الجيش أو في الإدارات الرسمية. ويعيشون على عطاءات الدولة مقابل التفرّغ الديني لقراءة التوراة وممارسة الشعائر(؟).

يُضاف إلى ذلك أنّ الاحتلال الإسرائيلي للضفّة الغربية وغزّة يعني وضع ثلاثة ملايين فلسطيني تحت الاحتلال في الأولى ومليونين في الثانية.

 

المتشدّدون يتمدّدون

إنّ ارتفاع عدد المتشدّدين اليهود يعني زيادة تأثيرهم على القرار السياسي الإسرائيلي المتطرّف، وهو ما يحدث في الوقت الحاضر، ونتيجة لذلك فإنّ ارتفاع عدد الفلسطينيين تحت الاحتلال (مع الحرمان والفقر والحصار الخانق) يعني مقاومة أشدّ وأوسع في محاولة طبيعية لليّ اليد التي تلتفّ حول عنق الوجود الوطني الفلسطيني في الأرض المحتلّة.

نتيجة لذلك ترتفع فرص المواجهة بين الطرفين، خاصة بعدما وجد الحريديم طريقهم إلى السلطة (حكومة نتانياهو الحالية). وهي مسيرة بدأت باغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين الذي تحدّى رفض الحريديم وصالح المرحوم ياسر عرفات ووافق على عقد تسوية سياسية معه.

تقول دراسة إحصائية أميركية إنّ ربع الأميركيين اليهود اليوم يصفون إسرائيل بأنّها دولة عنصرية على غرار جنوب إفريقيا تحت نظام الفصل العنصري بين السود والبيض.

تعكس الانتفاضة الفلسطينية الجديدة في الضفّة الغربية المحتلة، وامتدادها إلى قطاع غزّة المحاصر، عدم تعلُّم إسرائيل أيّ درس من دروس السنوات الخمس والسبعين التي مرّت على قيامها على أنقاض الدولة الفلسطينية

يبلغ الآن عدد أفراد الجيش الإسرائيلي حوالي 400 ألف عنصر. وتملك إسرائيل ترسانة عسكرية متقدّمة معظمها (40 في المئة) من الولايات المتحدة، إضافة إلى ترسانة عسكرية أميركية محفوظة “كأمانة” في إسرائيل يستخدمها الأسطول الأميركي السادس في حالة الطوارئ. ومن مخزون هذه الأمانة نقلت إسرائيل إلى أوكرانيا بطلب أميركي كمّيات من الذخيرة والمعدّات تستخدمها كييف في حربها ضدّ روسيا. ومن المعروف أنّ الولايات المتحدة كانت الدولة الأولى في العالم التي اعترفت بإسرائيل دولةً جديدةً مستقلّةً في عام 1948.

تملك إسرائيل أيضاً ترسانة نووية بدأت مع مفاعل ديمونا الذي قدّمته لها فرنسا في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. ولكن أيّ فعّالية للتفوّق العسكري الإسرائيلي أمام الأفواه الجائعة في غزّة والضفّة الغربية؟ وأيّ شرعية لدولة قامت على قاعدة “جمع شتات اليهود في العالم”، وتخنق اليوم، بعد التهجير في عام 1948 ثمّ عام 1967، مَن بقي من الفلسطينيين في الضفّة والقطاع؟

القوات المسلّحة أسيرة “الحريديم”

قال ديفيد بن غوريون أوّل رئيس حكومة إسرائيلية في مذكّراته إنّ “مصير الإسرائيليين هو بيد القوات المسلّحة الإسرائيلية”. ويبدو الآن أنّ هذه القوّات هي أسيرة موقف “الحريديم” اليهود المتشدّدين الذين وصلوا إلى مركز اتّخاذ القرار. فبعد إقصاء استمرّ 18 شهراً، عاد بنيامين نتانياهو إلى السلطة على صهوة حصان هؤلاء المتشدّدين، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ إسرائيل منذ ولادتها في عام 1948 حتى الآن. وقد تولّى نتانياهو الحكم طوال خُمس هذه الفترة الزمنية الطويلة. وكانت الحكومات المتتالية التي رأسها الأشدّ عنفاً وتطرّفاً في تعاملها مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تعكس الانتفاضة الفلسطينية الجديدة في الضفّة الغربية المحتلّة، وامتدادها إلى قطاع غزّة المحاصَر، عدم تعلُّم إسرائيل أيّ درس من دروس السنوات الخمس والسبعين التي مرّت على قيامها على أنقاض الدولة الفلسطينية. بل إنّ إسرائيل لم تتعلّم من المعاناة الطويلة التي تعرّض لها اليهود في العالم شرقاً وغرباً على مدى عقود عديدة.

بعد 75 عاماً من القمع العسكري والاحتلال الإلغائي، ما يزال الفلسطينيون في الضفّة الغربية وغزّة، وحتى داخل العمق الإسرائيلي، رقماً صعباً فشلت كلّ محاولات إلغائه أو تجاوزه. 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »